|
حتى لا يتكرر ما جرى
في العاشر من دجنبر يخلد العالم هذه السنة الذكرى السادسة والخمسين لصدور الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان، وفي بلادنا تحل هذا اليوم كذلك الذكرى الرابعة عشر لصدور
الميثاق الوطني لحقوق الإنسان، حيث كان قد تم الإعلان عن صيغته التوافقية الأخيرة
يوم 10 دجنبر سنة 1990، في عرس حقوقي تاريخي، وفي جو حماسي رائع، حضرته كاميرا
التلفزة المغربية دون أن تذيع ما صورته على العموم، لأنها في ذلك العهد كثيرا ما
كانت تتخلى عن دورها كوسيلة للإعلام، لتكون مجرد أداة مساعدة للوظائف المعلومة لأم
الوزارات.
وتخلل عرس الإعلان عن الميثاق الوطني لحقوق الإنسان إصرار الثلة التي
أعدته، والفعاليات الوطنية التي ساندته، على فضح الخروق الجسيمة لحقوق الإنسان،
والتنديد بها، والعمل على وضع حد لها بجميع الوسائل النضالية المشروعة؛ كما اقترن
بالأمل الكبير في التغلب على العقلية التي كانت سائدة لدى المسؤولين آنذاك، والتي
كانت تصر على إنكار الانتهاكات، وإنكار وجود المعتقلات السرية، وما يوجد في غياهبها
من ضحايا الاختفاء القسري.
وأتذكر في أواخر الثمانينات بعد اتصالات متعددة، وإلحاح قوي، تمكن وفد عن لجنة
التنسيق بين العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، والجمعية المغربية لحقوق
الإنسان، يتكون من المرحوم محمد الحيحي، والنقيب عبد الرحمان بنعمرو، وكاتب هذه
السطور، تمكن هذا الوفد من مقابلة وزير العدل، حيث قدمنا له عريضة للمطالبة
بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين بمختلف مجموعاتهم، والمختطفين الموجودين في
المعتقلات السرية، فأجابنا بهدوء وبرودة أعصاب، بل وبنوع من السخرية، أنه لا توجد
في المغرب معتقلات سرية، وأن ما نتحدث عنه ليس سوى ادعاءات يروجها خصوم المغرب
وحساده، وأنه بصفته وزيرا للعدل لا يعرف أي شيء عن المعتقلات «المزعومة»، بل إنه
«نصحنا» ألا نذكر ضمن عريضتنا سوى«من يمكن أن يطلق عليهم وصف معتقلو الرأي المحكوم
عليهم بعقوبات يقضونها في السجون العادية».
وكان بعض المسؤولين الحكوميين، كوزير الداخلية المخلوع وغيره، لا يترددون في اتهام
مناضلي حركة الدفاع عن حقوق الإنسان بالخيانة،
والعمالة لمنظمات أجنبية معادية للمغرب، والإساءة لسمعة البلاد، وغيرها من
التهم الرخيصة، ويرددون أسطورة لم يكن خافيا زيفها على متتبعي الشأن الحقوقي في
المغرب، والتي مفادها أن قلعة مكونة لا يوجد بها سوى الورد، وأن معتقلات تزمامارت
وأكدز وغيرها لا توجد إلا في مخيلة الجهات المعادية للمغرب، ليتبين فيما بعد أن شمس
الحقيقة لا يمكن إخفاؤها بغربال، وينكشف للعموم من كان فعلا يتسبب في تشويه سمعة
المغرب، ويشد عجلته إلى الوراء، ومن كان يعمل بصدق على تغيير الوضع المشين الذي كان
يحميه رموز الفساد في المرحلة التي تعرف اليوم بسنوات الرصاص والجمر.
وبعد فترة وجيزة من صدور الميثاق الوطني لحقوق الإنسان، فرض مسلسل التحولات نفسه،
ولم يعد ممكنا التهرب من الأضواء الكاشفة التي تسلطها الفعاليات الحقوقية الوطنية
والدولية على الوضع، فتم إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وإن كانت صيغته
الأولى مجرد محاولة لتحسين الصورة ولو بدون إزالة أسبابها، وبدون تغييرها في
العمق،(*)
وأحدثت وزارة لحقوق الإنسان، ونص دستور سنة 1992 على احترام حقوق الإنسان كما هو
متعارف عليها عالميا؛ وجاء التحول العملي وهو الاعتراف بوجود المعتقلات السرية،
والإفراج عن ضحايا الاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والاعتراف الضمني بمسؤولية
الدولة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والبحث عن الصيغ الملائمة لجبر
الأضرار، وطي صفحة الماضي الأليم.
وبالموازاة مع هذه التحولات بدأ البحث عن التناوب السياسي ولو بكيفية
»
مخدومة«
وفي هذا السياق تمت مراجعة الدستور سنة 1992 ثم سنة 1996 لنصل إلى ما سمي ب
»التناوب التوافقي«
سنة 1998، ويأتي »العهد
الجديد«
بعدة إشارات إيجابية في انتظار استكمال حلقات الانتقال الديموقراطي، والوصول إلى
تداول السلطة، وليس مجرد تناوب أشخاص باسم الأحزاب السياسية على المناصب الحكومية،
وهذا هو موضوع الساعة الذي لابد من العودة إليه.
وإذا كانت الجهود في مجال حقوق الإنسان، تنصب في هذه المرحلة على طي صفحة الماضي،
بعد قراءتها ومعرفة الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وإنصاف الضحايا، فإنه حتى لا يتكرر ما جرى، بأي شكل من الأشكال، لابد من استخلاص
الدروس والعبر الضرورية مما حدث، وكيف حدث، ولماذا حدث، ومن أهم الدروس التي يجب
استحضارها، أنه لا جدوى من الإنكار المجاني الذي لا يستند على معطيات دقيقة وواضحة
ومقنعة، وحينما تشير الفعاليات الحقوقية أو الصحافة أو غيرها لحالة من حالات انتهاك
حقوق الإنسان، على الجهات المسؤولة أن تبادر هي نفسها بتسليط الضوء على الحالة،
وكشف المسؤولين عنها، وإحالتهم على القضاء، وعدم محاولة إنكار أي انتهاك أو تجاوز،
أو التستر عليه، أو التقليل من أهميته، والالتزام بالمبادئ الحقوقية التي تقول بأن
الأصل هو البراءة، وأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وأن القضاء المستقل هو وحده
المخول للبت في أي نازلة في إطار ضمانات المحاكمة العادلة، وفي ظل دولة الحق
والقانون؛ وبذلك تضمن الدولة هيبتها، وتحظى بالاحترام في الداخل والخارج.
ـــــــــــــــ
(*)
أنظر عبد القادر العلمي، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، دراسة تحليلية مقارنة،
منشورة في جريدة العلم في ثلاث حلقات بتاريخ: 28 يوليوز و4 غشـت و11 غشت من سنة
1990، ص 8.
(نشر بجريدة العلم في 10 دجنبر 2004 ص 7)
|