بعد نضالات طويلة خاضتها نخب من الوطنيين
الديمقراطيين على الواجهات السياسية والحقوقية والنقابية ، وبعد
انفتاح باب الأمل في تحقيق الانتقال الديمقراطي بمساهمة القوى
الوطنية الحية عند تأسيس ما عرف بحكومة ( التناوب التوافقي ) من
طرف المغفور له الحسن الثاني ، وبعد بزوغ عهد جديد توالت فيه
الإشارات السائرة في اتجاه التغيير والتصحيح ، نصل اليوم إلى مرحلة
منفلتة من منطق التطوروالارتقاء وتخرج عن نطاق ما كان متوقعا
أومؤملا ، إنها مرحلة ليس لها لون سياسي واضح وتدبرها حكومة يصعب
على أي محلل موضوعي أن ينعتها بأنها سياسية ولوكانت تشارك فيها عدة
أحزاب سياسية وذلك لاعتبارات لا تحتاج إلى توضيح .
وإذا كانت خصوصية المرحلة
السابقة أسفرت عن تداول مصطلح ( التناوب التوافقي) فإن نخب الوطنيين
الديمقراطيين كانوا يعتبرون أن تلك المرحلة ليست سوى جسرسيتم الانتقال عبره
إلى التناوب الديمقراطي الذي ينبني على نزاهة الانتخابات من جهة ، وعلى
احترام خيارات الناخبين في تأسيس الحكومة وتشكيلها من جهة ثانية ، غير أن
ما حصل لم يحقق ذلك الأمل المنشود ولا يمثل انتقالا إلى مرحلة متقدمة عن
التجربة السابقة ولا هو حتى استمرار لها ، إنه وضع يتعذر تصنيفه أو وصفه
ويصعب تحديد مكانه في مراتب البناء الديمقراطي لما ينطوي عليه من تراجع عن
خطوات سابقة ، وما يتميز به من إغراق في الخصوصية التي لاتعني في عمقها سوى
الابتعاد عن الديمقراطية بمفهومها المتعارف عليه عالميا .
لقد كان الأمل هو الانتقال إلى
عهد يكون جديدا بما يتضمنه من عناصرالتطور الإيجابي في بناء المجتمع
الديمقراطي وإعطاء المواطنة الحمولة الحقيقية التي تخول الحق الأساسي لكل
مواطن في المشاركة الفعلية في الحياة السياسية ليس عن طريق الإدلاء بالصوت
في الانتخابات وبعد ذلك يجد نفسه أو لا يجد في النتائج ، وإنما بتيسير
الانخراط الفعلي في بناء دولة المؤسسات وفي وضع السياسات والخيارات العامة
وفي تتبع وتوجيه ومراقبة الأجهزة التي تتولى التنفيذ .
وكان الأمل هو الإقدام على خطوة جديدة وجريئة على طريق الديمقراطية
الحقة التي تقوم على مبدإ السيادة للأمة وتجعل الشعب سيد نفسه ومصيره الأمر
الذي لا يتحقق بمجرد مشاركة الأحزاب الحاصلة على الأغلبية البرلمانية في
الحكومة ولو كانت الانتخابات نزيهة وشفافة لأن المشاركة الفعلية للمواطنين
في تدبير شؤونهم واختيار التوجهات التي يرونها صالحة لحاضرهم ومستقبلهم
تقتضي أن يكون أعضاء الجهاز التنفيذي نابعين في مجموعهم من الأغلبية
ويتمتعون بتمثيلية حقيقية داخلها ولهم حضور في الحياة السياسية للبلاد
باسمها وأن يخضعوا للمراقبة والمساءلة داخل أحزابهم ويعلمون بأنهم مطالبون
من خلال هذه الأحزاب بتقديم الحساب في آخرالولاية التشريعية للناخبين الذين
لهم كلمة الفصل .
وكان الأمل يتجه نحو تدارك ما عرفته التجربة السابقة من نقص
وتجاوزما اعترضها من عقبات وتصحيح ما تسرب إليها من خلل والانتقال إلى
مرحلة تصبح فيها الحكومة مسؤولة عن كل ما يجري في البلاد بحيث لا يمكن أن
تحدث حالات من الاختفاء القسري مثلا دون أن يكون لها علم بذلك ، ولا يمكنها
الادعاء أمام الناخبين وأمام الرأي العام أنها لم تكن مسؤولة عن بعض
القطاعات ، أو أن هناك جيوبا خارجة عن مراقبتها ، أو لم تكن على علم بطرق
تدبيرها ، لأن آلية الانتخابات في أي منظومة ديمقراطية بالإضافة إلى ضرورة
نزاهتها فهي بمثابة توكيل لحزب أو أحزاب الأغلبية لتحمل مسؤولية التشريع
والتدبيرفي سائرمجالات الشأن العام وفي كل ما يمس بطريقة مباشرة أو غير
مباشرة مصالح وحريات وحقوق الجماعات والأفراد.
كل تلك الآمال التي كانت تلوح في الأفق وكان يبدو لنا أن المسافة
التي تفصلنا عن تحقيقها تسير نحوالتقلص نبحث عنها اليوم فلا نجد لها أثرا
في الواقع ولا نرى لها وجودا في الأفق المنظور، فما الذي حدث ؟ وهل كنا قبل
بضع سنوات نرصد السراب ؟ وهل كانت مؤشرات التحديث والتغييرالتي برزت في
العقد الأخير من القرن الماضي مجرد أوهام ؟ أم أن هناك سدا منيعا وغير مرئي
انتصب فجأة في الطريق وأوقف السيرفي
اتجاه
هدف كان يبدو أن هناك إجماعا على عدم التراجع عنه؟ ومما
يجعل التساؤلات تتكاثرما تقترن به اللحظة الراهنة من غموض والتباس بالنسبة
لكل متتبع يحاول أن يستعمل المنطق في رصده للتطورات وما يلاحظ من صمت في
جانب الأطراف الأساسية التي من مسؤولياتها التصدي لما آل إليه الوضع
السياسي من تراجع.
إن تساؤلات غزيرة لاشك تراود الأذهان وتؤرق المؤمنين بقيم
الديمقراطية وآن لها أن تطرح بصوت مرتفع واستخلاص ما ينبغي استخلاصه ،
وتحديد الدور الذي ينبغي أن تلعبه القوى الديمقراطية في هذه المرحلة لتجنب
الدخول في متاهة قد يصعب الخروج منها .
نشر بجريدة العلم يوم 14
فبراير 2003