|
نقد السياسة وسياسة النقد
أود أن أنطلق في كتابة هذه الأسطر من مبدإ أساسي، لا أعتقد أنه محل
خلاف، وهو أنه لا يمكن بناء ديموقراطية حقيقية وسليمة بهدم أو تغييب أو
تهميش إحدى ركائزها الأساسية المتمثلة في التعددية الحزبية النابعة من
حاجات وتطلعات وانتظارات الفئات والمكونات المختلفة للمجتمع.
وإذا كانت الأحزاب السياسية تحتاج إلى إعداد وتأهيل متواصلين لتضطلع
بدورها الدستوري في تأطير المواطنين وحسن تمثيل فئاتهم المختلفة،
وتكوين أجيال جديدة من النخب السياسية القادرة على تحمل المسؤوليات في
مختلف المجالات، فإن البيئة السياسية والإعلامية والثقافية المحيطة
بالأحزاب تؤثر كثيرا في مسارها، وهي إما أن تكون في مجملها بناءة،
وتمدها بالأوكسجين الديموقراطي الذي يساعدها على التطور، وعلى المساهمة
الإيجابية في بناء المجتمع الديموقراطي، وإما أن يسودها مناخ غير صحي،
أو تنتشر بها معاول للهدم تعوقها عن الاضطلاع بوظيفتها في ظروف مناسبة.
والنقد الموضوعي والبناء للأحزاب والقادة السياسيين، الذي ينصب على
المواقف والأفكار، يدخل في صميم الثقافة الديموقراطية، فهو من جهة يجسد
حرية الرأي والتعبير، ومن جهة ثانية يضمن تعدد الأفكار وتنوع
التحليلات، ومن جهة ثالثة يساهم في تصحيح الأخطاء، وسد الثغرات، وتدارك
النقص، وهي الظواهر التي لا يخلو منها أي عمل بشري، وبالتالي يكون
النقد الموضوعي البناء أداة للتطور، والتحسين المستمر للأداء، والسير
المتواصل نحو الأفضل.
ولا يدخل في إطار النقد البناء بطبيعة الحال البحث عن هفوات وهمية،
والتحامل المغرض على هيئات معينة، واستهداف أشخاص لذاتهم، من أجل تصفية
حسابات سياسوية خاصة وضيقة، وكل تحامل أو استهداف من هذا القبيل لا
يمكن أن يقدم أي خدمة للمجتمع، بل إنه لا يخدم حتى الجهات المنافسة
للهيئات أو الأشخاص الذين يقومون بهذا الدور بشكل مباشر أو غير مباشر،
لأن تدمير الآخر ليس هو الوسيلة المشروعة ولا الناجعة لفرض الذات، فضلا
عما يثيره من معارك جانبية تستنفد الطاقات دون جدوى، ويشغل عن القضايا
الجوهرية، وتزداد عبثية وعدمية هذه المعارك في البلاد التي تتطلع إلى
تحقيق انتقال ديموقراطي هادئ، وتواجه الكثير من التحديات، وتعترض
تنميتها العديد من العقبات.
وكما أن الثناء المجاني على الهيئات وعلى الأشخاص لا معنى له، ولا جدوى
منه، فإن التحامل وشن حملات التشكيك، والاستهداف المغرض، الذي قد يصل
إلى الدرجة التي يعبر عنها المثل المغربي القائل: (طاحت الصمعة علقوا
الحجام)، فإن الأمر هنا لا ينحصر في انعدام المدلول والفائدة، وإنما
نصبح أمام عملية هدم عشوائي، وإشعال لفتائل تأتي على الأخضر واليابس،
ولا يبقى من يقوم بإشعالها في مأمن من لهيبها.
والمسافة بين النقد الموضوعي والهدم ليست ضئيلة حتى يختلط الأمر، وعدم
التقدير الصحيح لهذه المسافة، يعني عدم التوفر على مؤهل لممارسة النقد
البناء؛ أما التجاهل المقصود لتلك المسافة، فإن ما ينطوي عليه من دوافع
الهدم والتدمير في هذه الحالة، يصبح واضحا ولا غبار عليه.
وأود أن أستخلص أن كل فاعل في الحقل السياسي، وكل عمل يتوخى التأثير في
هذا الحقل، عن طريق النقد، أو التحليل والتقييم، وسواء كان ذلك انطلاقا
من انتماء واضح، أو من موقع مستقل، فإن هذا العمل لا يجعل صاحبه بأي
وجه من الوجوه في حل من المسؤولية، وفي منآى عن المحاسبة، لأنه إذا كان
النقد ضروري لتطور الحياة السياسية كما هو ضروري في مجالات أخرى، فإن
المسؤولية التي يتحملها يمكن أن نلخصها في السؤال حول الإضافة التي
يقدمها، وإذا كان لا يضيف شيئا، ويقتصر على التجريح والتدمير العشوائي،
أو مجرد تصفية حسابات شخصية، أو تفجير مرض ذاتي، فإن كل ما يصدر في
نطاق مثل هذه الحالات، يكون عملا غير مسؤول، يعصف بقيم المواطنة، ويسيئ
للمشهد السياسي، ويدفع نحو الانحطاط الخلقي والثقافي.
وإن بلادنا في حاجة إلى تخليق الحياة السياسية لتأمين استكمال الانتقال
الديموقراطي الهادئ، و تحقيق هذه الغاية لا غنى فيه عن النقد الموضوعي
البناء، الذي يتوخى المساهمة الإيجابية في بناء مغرب ديموقراطي متقدم،
أي أننا في حاجة إلى النقد بمنطق نقد السياسة، وليس منطق سياسوية «
النقد » وأضع هذه الكلمة بين هلالين لأنها تنزلق عن مدلولها وفق المنطق
الأخير.
|