|
الاختلاف بين الرحمة والنقمة
على
إثر الخطاب الذي افتتح به جلالة الملك الدورة البرلمانية الجديدة، وأعلن فيه عن
مضامين المقتضيات التي سيشملها المشروع الجديد لمدونة الأسرة،انطلقت من اليمين
واليسار، ومن الاتجاهات المصنفة وغير المصنفة، سيول من التصريحات والبيانات والكتابات، التي تؤيد وتبارك المقتضيات المعلن عنها.
وإذا كان ما أعلن عنه جلالة الملك ، يشكل فعلا قفزة نوعية، وخطوة جد متقدمة على
طريق تحديث القانون الذي ينظم العلاقات داخل الخلية الأساسية في المجتمع وهي
الأسرة، فإن حرص جميع التيارات والمذاهب السياسية، على التنويه بهذه الخطوة، وعدم
التردد في وصفها بأنها جريئة، وتحمل مكتسبات هامة لفائدة المجتمع المغربي، بنسائه
ورجاله وأطفاله،
الإجماع على هذا الرأي، يفيد وكأن يدا سحرية قامت بمحو ما شهدناه بالأمس
القريب من اختلاف جوهري، وتعارض
صارخ، في الطروحات المتعلقة بنفس الموضوع، وكاد الصراع الناتج عن التناقض في
تناول موضوع مدونة الأسرة، أن يفضي إلى فتنة غير محمودة العواقب، بسبب التشدد
والغلو والتعصب، وعدم قبول مبدأ الحوار والتوافق، ورفض فتح باب الاجتهاد، وتمسك كل
طرف بتوجهه، واعتباره أن ما يدعو إليه هو الحقيقة المطلقة، وكل ما عداها لا اعتبار
له، وغير جدير حتى بالاستماع إليه !!
وعمل كل جانب على استعراض قوته البشرية، وكأن الكثرة العددية للدعاة إلى
إحدى وجهتي النظر المتعارضتين، هي الدليل على امتلاكه للحقيقة التي لا تقبل أي نقاش، ولم يكن
هناك مجال لإعمال
العقل، أمام الاندفاع الأعمى للبحث عن انتصار وهمي .
واليوم يلتقي اليمين واليسار وما
بينهما،وما على هامشهما، الكل يجمع
على أن ما تحقق على مستوى مدونة الأسرة، يشكل ثورة مجتمعية حقيقية، وهذا
يجعلنا نتساءل من كان يعرقل إذن هذه الثورة؟ ولماذا كانت المواجهات على أشدها،
والحرب الكلامية مشتعلة، والهوة بين المتصارعين متسعة، وما كان من سبيل لتقليصها؟
ولماذا ركب كل طرف رأسه،
وتعصب لوجهة نظره، معتبرا أن كل ما يقول به هو الصواب، وكل ما يقول به غيره
هو الخطأ ؟ ألم يكن من الواجب الديني والوطني أن يتنادى المتنازعون إلى كلمة سواء
بينهم، لخدمة المصالح الحيوية للمجتمع، بدل الزج به في الصراعات والفتن التي لا
طائل
من ورائها، علما بأن الوصول إلى الحلول المرضية للجميع كانت ممكنة، بدليل أن
كلا من الفريقين المتصارعين، بارك دون تحفظ، المقتضيات المعلن عنها من لدن جلالة
الملك .
إن هذه الصورة التي لا تليق بمجتمع متحضر ترجع لعدة أسباب من أهمها :
·
محاولة الزج بالدين في الخلافات السياسية
.
·
غياب أو محدودية الثقافة
الديموقراطية، التي من بين مقوماتها الأساسية: ضمان الحق في الاختلاف، مع إتاحة فرص
الحوار،ونبذ التعصب والعنف والإقصاء .
·
تراجع روح المواطنة التي
تدفع لترجيح المصالح العليا للبلاد، أمام الاندفاع السياسوي ذي الخلفيات الضيقة .
وقديما اعتبر الفقهاء أن الاختلاف بينهم رحمة، لأنه يحول دون الجمود، ويفسح المجال
لإغناء الفكر، من خلال إعمال العقل والاجتهاد، في البحث عن السبل التي تخدم
الإنسان، وتفيد المجتمع، وتضمن التوازن بين مختلف فئاته وشرائحه، فإذا كانت الغاية
هي خدمة المصلحة العامة، وجلب المنافع للمجتمع، فلا مجال للقول بأن هناك طريق وحيدة
لا بديل عنها للوصول إلى تلك الغاية، بل يمكن أن تكون هناك عدة طرق، ودور الاجتهاد
هو البحث عن أفضلها، وأكثرها انسجاما مع ظروف الزمان والمكان الخاصة بالمجتمع،
انطلاقا من عقيدته، ومقومات وجوده واستمراره.
ومن الطبيعي أن تختلف الاجتهادات، ودواعي هذا الاختلاف تجد تبريرها في تباين
المنطلقات والمناهج المعتمدة، واختلاف التصورات والقناعات الفكرية، وتعدد الدوافع
والخلفيات الاجتماعية والسياسية، وتناقض المصالح والطموحات الخاصة، غير أنه مهما
كانت الأسباب والدواعي، الظاهرة والخفية، للاختلاف في تناول قضايا المجتمع، فإن ذلك
لا يبرر المواجهات العنيفة، التي تتولد عن التشدد والتعصب، وممارسة الإرهاب الفكري
والإقصاء، وقد أثبتت التجربة أن التعامل على هذا النحو،
إذا كان البعض يحاول استثماره في تحقيق أهداف سياسية ضيقة، فإنه لا يساعد
على خدمة الصالح العام، لأنه لا يمكن أن يفضي إلا إلى الباب المسدود. كما حصل
بالنسبة للاختلاف الذي كان قائما حول الإصلاحات المتعلقة بمدونة الأسرة، ولولا تدخل
جلالة الملك، لما تحققت النتيجة التي ارتاح لها الجميع.
وسواء تعلق الأمر بقضايا الأسرة، أو بغيرها من القضايا التي تهم حياة المواطنين،
فإنه لا يمكن لأي جماعة مهما كان حجمها، أن تفرض بالضغط والإكراه، توجهها على باقي
مكونات المجتمع التي لا تشاطرها الرأي، وبالتالي يكون اللجوء إلى الحوار والتوافق،
مسالة بديهية ولا مناص منها للوصول إلى حلول واقعية، و تشمل الحد الأدنى من الأهداف
التي يسعى إليها كل طرف.
غير أن الاهتداء إلى فضيلة هذا الخيار، ما زالت تعترضه عدة صعوبات وعوائق، في
المجتمعات المتخلفة عموما، ولا تصبح الطريق ميسرة إليه، إلا بانتشار الثقافة
الديموقراطية، التي تدفع للتعامل بأسلوب حضاري، ينبني على حسن الإنصات للآخر،
واحترام الرأي المخالف، بدل التعصب والإقصاء؛ وحينما يصبح الجميع مقتنعا ومتشبعا
بقيم الديموقراطية، ويترجم ذلك بتلقائية في سلوكه اليومي، سيكون الاختلاف رحمة
بالنسبة للمجتمع، وليس نقمة عليه .
( نشر بجريدة الأحداث
المغربية في 18 أكتوبر 2003 ركن على مسؤوليتي ص 1 ) |