|
أزمة الثقافة الديمقراطية
من
خلال تتبع ما
يجري على
أرضية
المسرح
السياسي
الوطني،
والتأمل في
ممارسات الفاعلين
من مختلف
المشارب
والاتجاهات،
ورصد
المواقف
الصادرة هنا
وهناك، فإنه
إذا تغاضينا
عن بعض
الاستثناءات
النادرة،
يمكن أن نلاحظ
مجموعة من
الظواهر
المشتركة
بين رموز ومكونات
المجتمع
السياسي
المغربي،
والتي تتجلى
من خلالها
طبيعة
الثقافة
السياسية
السائدة
عموما في هذا
المجتمع،
وتبين مدى
تأهله
للانخراط في
المشروع الديموقراطي
الحداثي،
الذي تتحدث
عنه خطابات
رسمية
ومجتمعية،
ويتطلع إليه
جيل جديد من
النخب
الوطنية
التي ما فتئت
تقاوم عوامل
الإحباط
والتيئيس
المتعددة
التي
تواجهها،
ومن بين أبرز
تلك الظواهر
يمكن أن نذكر
على الخصوص:
· غياب
النقد
الذاتي
ومحاسبة
النفس، فلا
نكاد نسمع أو
نقرأ عن أي
قائد سياسي (
وما أكثر
القياد في
هذا الزمن
الغريب ) يعترف
بأنه أخطأ في
موقف ما، أو
أنه جانب
الصواب في خطة
معينة، مع
العلم أن كل
عمل بشري
معرض للخطأ،
ولا يخلو في
جميع
الأحوال من
النقص،
ويحتاج
دائما للتقوم،
ومع العلم
كذلك بأنه لا
مجال للحديث
عن التطور أو
التقدم، في
حياة
الأفراد
والهيئات
والأمم، دون
تصحيح
الأخطاء،
وتدارك
الثغرات .
· التعصب
للمواقف
والخيارات
السياسية،
وعدم الانفتاح
بشكل إيجابي
وفعلي على
الحوار الديموقراطي،
وغياب فضيلة
حسن الإنصات
للآخر،
وانحطاط
أساليب
النقد المتبادل
بين الأطراف
في النزاعات
السياسية،
وضعف إن لم
نقل غياب
الاجتهادات
الفكرية الني
تعطي
المصداقية
للتنافس،
وترتقي به
للمستوى
الحضاري
الذي يسهم في
تحقيق النجاعة
والجدوى من
العمل
السياسي،
وتطوير
المجتمع .
· عدم
الإقرار
بالهزيمة
بالنسبة لمن
لا يحالفهم الحظ
في
الانتخابات،
فلم نسمع قط
أي مسؤول
أو مناضل
حزبي فشل في
الانتخابات
وبادر بتهنئة
منافسه
الفائز، بل
إن ما يحدث
عادة هو البحث
عن مشجب تعلق
عليه أسباب
الفشل،
واللجوء دائما
لاتهام (
الآخر )
بالمسؤولية
عن
الممارسات
غير
السليمة،
والنتائج
غير
المرضية،
وهذا إذا كان
يصح في بعض
الحالات،
نظرا
للملابسات التي
ما زالت تشوب
الانتخابات
في بلادنا،
فإنه لا يشكل
قاعدة ثابتة
لا تتغير .
إن
وجود هذه
الظواهر
وغيرها يعد
من المؤشرات الواضحة
لانتشار
ثقافة غير ديموقراطية، ولا
يمكن تحميل
المسؤولية
في ذلك لجهة
أو جهات محددة،
وإنما هناك
عوامل
وأسباب
كثيرة
ومتداخلة،
وذات جذور
تعمقت عبر
سنوات
طويلة، ومن
أهمها
وأبرزها:
الزيغ عن سكة الديموقراطية،
منذ بداية
العقد
السادس من
القرن
الماضي، وطغيان
الهاجس
الأمني،
والتضحية
بكل شيء في سبيل
استمرار
السلطة
المركزية
للدولة،
وذلك من وجهة نظر،
وبوسائل
أثبتت
التجربة
أنها كانت
غير صائبة،
ولم تحصد
البلاد منها
سوى التخلف
على شتى
الواجهات،
وعوض تأسيس
تقاليد ديموقراطية،
ومؤسسات
تمثيلية
حقيقية، ساد
الغش والتدليس
والتمييع،
إلى أن وصل
المجتمع
السياسي إلى
ما هو عليه من
تأزم وتغييب
للقيم الديموقراطية
.
وإذا كنا
نريد اليوم
تدارك ما ضاع
من عقود زمنية،
وكانت
الإرادة
متوفرة
لتحقيق
النقلة النوعية
المطلوبة في
الحياة
السياسية،
فإن تطوير
الدستور،
وتحسين
القوانين،
وإيجاد المزيد
من ضمانات
النزاهة، كل
ذلك لا يكفي
للوصول إلى
الغاية
المنشودة،
لأن الصورة
الحقيقية لكل
مجتمع،
تتحدد من
خلال ما
يعتمل في ذهنيات
أفراده، وما
تتعود عليه
سلوكياتهم
في الحياة
اليومية،
وإذا كانت
هذه الصورة ممهورة
بعاهات
ترسبت مع
الزمن، فإن
إزالة ما لحق بها من
تشوهات،
وإعادة
تركيبها
بشكل صحيح ،
وفق منظور ديموقراطي
حداثي،
يتوقف على
تغيير
العقليات
والسلوكيات
السائدة،
وأنماط
العلاقات
القائمة بين
الأفراد
والجماعات
في الحياة
اليومية،
الأمر الذي لا
يتأتى
بسهولة، ولا
يمكن تحقيقه
بين عشية وضحاها،
وإنما يتطلب
تضافر
مجموعة من
العوامل، في
مقدمتها
تأهيل جيل
جديد من القادة
والمؤطرين
السياسيين،والمسؤولين
النقابيين،
والفاعلين الجمعويين،
الذين لايتحدثون
عن الديموقراطية
بقدر ما
يترجمون
قيمها إلى
أعمال
ومواقف في ممارساتهم
وعلاقاتهم، ويعطون
القدوة في
السلوك الديموقراطي،
الذي لا
يتلاءم مع
احتكار
المسؤولية،
والتعصب،
والاستئثار
بالرأي،
والإقصاء، والزبونية...
ولتخليص
التجربة الديموقراطية
في بلادنا من
الشوائب
العالقة بها،
وإنضاجها،
والارتقاء بها إلى
المستوى
الذي يشرف
الشعب
المغربي،
ويتلاءم مع
تاريخه
وتضحياته،
فإنه إلى
جانب التحسين
المستمر في
المجالين
التشريعي
والمؤسساتي،
لابد من
إشاعة
الثقافة الديموقراطية
في المجتمع،
انطلاقا من
أول خلية فيه
وهي الأسرة،
ومرورا
بالمدرسة،
إلى أوسع
هيئاته ومكوناته؛
وهذه رسالة
لا يمكن أن
تضطلع بها
إلا نخب
جديدة ،
قادرة على
التحرر من
عقلية الماضي،والتخلص
من كل
الرواسب
والقيود
التي تشد إلى
الوراء،من
أجل
الانفتاح
على
المستقبل.
( نشر بجريدة
الأحداث
المغربية في10
أكتوبر2003 منبر
الآراء ص 11 )
|