|
وحدة الثقافة الديمقراطية
إن إرساء
الديمقراطية الحق، إذا كان يتوقف أساسا
على
توفر مجموعة من القواعد والآليات القانونية والمؤسساتية التي تحظى باحترام الجميع،
وتضمن المشاركة الفعلية للمواطنين في تدبير شؤونهم بأنفسهم، فإن ترسيخ السلوك
الديمقراطي لدى الأفراد، ودمقرطة العلاقات داخل خلايا وجماعات وهيئات المجتمع،
وفيما بين هذه الأطراف، يتوقف على مدى انتشار القيم الديمقراطية، وثقافة الحوار
والتسامح ، والإنصات للرأي الآخر، واحترام الحق في الاختلاف، وقبول النقد، ونبذ
الوثوقية والتعصب.
ومن المعلوم أن الثقافة المشبعة بهذه القيم ما زالت
لم تجد مكانها داخل معظم بلدان العالم الثالث، وكانت مغيبة بدول أوربا الشرقية قبل
انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين، ولم تكن تحظى باهتمام التيارات ذات
المرجعية الماركسية عموما.
ورغم أن الخطاب الديمقراطي أصبح يستهوي السياسيين من مختلف المشارب في عصرنا
الحاضر، بما في ذلك خصومه بالأمس، فإن الممارسات خاصة لدى بعض الديمقراطيين الجدد،
ظلت تتأرجح بين الوفاء لثقافة الاتجاه الأحادي، ومحاولة التكيف مع ثقافة سياسية
جديدة منفتحة على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وحتى بالنسبة لبعض حاملي شعارات الليبرالية في الدول
المتخلفة، تؤكد ممارساتهم أنهم غير أوفياء للفكر الليبرالي الذي لا يقتصر على
الحرية الاقتصادية، وإنما يشمل أيضا الحريات السياسية، وبالتالي فإن ادعاء
الليبرالية من طرف هؤلاء يكون مجرد وسيلة للمحافظة على أوضاع يسودها اتجاه أحادي
يضمن حماية مصالحهم .
ولا يمكن تغيير التعامل مع القيم الديمقراطية بتغيير
المواقع، ولا مجال لإخضاعها لحسابات سياسية ضيقة، ولا لأي أهداف خاصة، لأن الثقافة
الديمقراطية واحدة، فحينما يكون هناك تشبع فكري بها، والتزام عملي بمضامينها، وتقيد
في السلوك وفي الحياة اليومية بمبادئها، فإنه لا يمكن أن يختلف الأمر بين من يوجد
في الحكومة أو في المعارضة أو في أي موقع آخر.
ومن مظاهر السلوك غير الديمقراطي داخل المجتمعات التي
تحاول الانخراط ولو من الناحية الشكلية في الحياة الديمقراطية، اعتماد المعارضة
لأسلوب الرفض الأعمى، وقيام الحكومة بتمجيد كل أعمالها، وترديد الأسطوانة المعروفة
لدى المغاربة ب(العام زين)، ورفض النقد ولو كان موضوعيا وبناء، وعدم اتساع الصدر
للتنبيه ولو كان هدفه هو التقويم والتصحيح، وتدارك جوانب النقص أو الضعف التي تعد
طبيعية بالنسبة لكل عمل بشري.
وهناك من يبرر المواقف التي تتخذها كل من الحكومة
والمعارضة على المنوال المذكور، بوجود ثقافتين سياسيتين متباينتين، إحداهما خاصة
بالحكومة وتقوم على التمجيد والتلميع، والثانية خاصة بالمعارضة وتنبني على الرفض
والنقد، غير أنه من خلال التمحيص في هذا التصنيف، يمكن القول إنه ليس سوى محاولة
لتبرير سلوكيات ترتكز على ثقافة غير ديمقراطية، لأن مواقف الأحزاب والفاعلين في
الحياة السياسية يفترض أنها تنطلق من القناعات الخاصة بكل طرف، وبالتالي فحينما
تتشكل الحكومة من عدة أحزاب يكون من الطبيعي اختلاف وجهات النظر بين مكوناتها حول
بعض القضايا، كما يمكن أن تختلف درجة الحماس لدى هذه المكونات، ونتيجة لذلك يختلف
تقييمها للأداء الحكومي في إنجاز البرنامج الذي يمثل الحد الأدنى المتفق عليه.
ونستخلص من ذلك أن المشاركة في الحكومة لا تعني
الانخراط في جوقة التطبيل والتزمير لصالح الأداء الحكومي، وغض الطرف عن جوانب النقص
والتقصير، كما أن دور المعارضة لا يعني رفض كل ما تقوم به الحكومة، وأساس الاختلاف
في المواقف بين الحكومة والمعارضة لا يرجع لاختلاف المواقع، وإنما هو ناتج عن
اختلاف البرامج والتوجهات.
وتتبلور هذه الفكرة بوضوح حينما يتصرف كل طرف وفق
قناعاته الخاصة، ويمارس حقه في التعبير عما يؤمن به، فيساند ما يراه هو الصواب،
وينتقد أو ينبه لما يعتقد أنه خطأ أو تقصير، وقبول الممارسة الفعلية لهذا الحق بشكل
طبيعي وتلقائي من طرف جميع الفاعلين السياسيين ولفائدتهم جميعا، هو ما يجسد ثقافة
واحدة هي الثقافة الديمقراطية، التي لا تتغير بالنسبة لكل حزب يؤمن بها، ويتشبع
بقيمها في ممارساته ومواقفه، سواء كان في الحكومة أو في المعارضة، وهذا ما يجري
عادة في الدول ذات التقاليد الديمقراطية العريقة، وعلى سبيل المثال فإن الحزب
الاشتراكي الفرنسي عندما كان في الحكومة كان بعض شركائه ينتقدون بعض الجوانب في
عملها، رغم أنهم من مكوناتها، وذلك لاختلافهم مع المكون الأساسي للحكومة حول بعض
القضايا، أو حول طرق التدبير، ونفس الشيء كان يقوم به حزب الاستقلال بالنسبة لما
كان يسمى بحكومة التناوب التوافقي في المغرب، والجهر بالمواقف المغايرة أمام الرأي
العام في هذه الحالة لا يعني أنه يتم تحت تأثير " ثقافة المعارضة "، وإنما بناء على
الثقافة الديمقراطية التي تستوجب الشفافية والوضوح.
ولتعميم الثقافة الديمقراطية بمفهومها الكوني في
البلدان المتخلفة ومنها المغرب، لا يكفي إصدار قوانين جيدة تستوعب القواعد التي
ينبني عليها المجتمع الديمقراطي، وإحداث مؤسسات تمثيلية حقيقية، وإنما لابد
بالموازاة مع ذلك من القيام بثورة ثقافية لتغيير العقليات وتصحيح الممارسات، وترسيخ
القيم والمبادئ الديمقراطية على مختلف المستويات، ويفترض أن تكون كل القوى المحسوبة
على الصف الديمقراطي، هي المحرك للثورة على المفاهيم الملتبسة، والسلوكيات
المنحرفة، التي انتشرت في غياب الممارسة الديمقراطية السليمة، وأن تكون مواقف
وأعمال هذه القوى داخل الحكومة أو خارجها، وفي تعاملها مع مؤسسات الدولة، ومع
مكونات المجتمع، وفي تنظيماتها الداخلية، بمثابة قدوة تتأسس عليها تقاليد جديدة
تستند على الثقافة الديمقراطية.
|