ذكريات بالصور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس المقالات

أزمة الثقافة الديموقراطية

أزمة الديموقراطية

الاختلاف بين الرحمة والنقمة

الانتقال الديموقراطي

التناوب

الحرية والمسؤولية

نقد السياسة وسياسة النقد

بعد 50 سنة من استقلال المغرب

الشرق الأوسط الكبير ـ 1 ـ

الشرق الأوسط الكبير ـ 2 

الشرق الأوسط الكبير ـ 3 ـ

حوار الصم

حتى لا يتكرر ما جرى

صفحة الماضي

علال الفاسي كمنظر للمجتمع الديموقراطي الحداثي

خطاب الإصلاح

إدانة الإرهاب لا تكفي

التعدد السياسي

الحق في الاختلاف

المسلمون والإسلاميون

دمقرطة المجتمع

في السياسة والتسيس

وحدة الثقافة الديمقراطية

حول اغتيال الرئيس صدام حسين  

التدبير التقليدي والتدبير الديموقراطي

 

في السياسة والتسيس

       في جميع بلاد العالم لا يهتم كل الناس بالسياسة، وكلما قلت نسبة الأمية وارتفع مستوى الوعي العام، إلا وتزايد عدد المهتمين بالعمل السياسي، غير أن هذا لا يعني أبدا أن ارتفاع المستوى التعليمي يمكن أن يكون معيارا صالحا في تحديد نسبة التسيس، حيث يوجد عدد غير قليل من الأشخاص الذين حرموا من حق التعليم، ولكنهم على قدر كبير من الوعي بأهمية العمل السياسي، ويحرصون على المشاركة فيه، كما أن عددا هائلا من المتعلمين والمثقفين والمبدعين والعلماء في مجالات متعددة لا يهتمون بالسياسة، بل منهم من ينظر بارتياب لأي نشاط سياسي.

       ونتيجة لعدة عوامل وأسباب تتعلق بنوع العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، ومستوى الممارسة السياسية، والظروف المحيطة بها، فإن كلمة السياسة قد ترهب بعض الناس، أو تثير حذرهم، أو تؤدي إلى نفورهم وابتعادهم، وكيفما كانت الأحوال فإن السياسة تثير اهتمام الفئة التي لا تقتنع بأن تكون مجرد تابعة وخاضعة ومحكومة وفق ما يرتضيه الآخرون، وتحرص على أن تكون فاعلة ومؤثرة في الحياة العامة، فتقتحم مجال الفعل السياسي سواء كانت ظروفه ميسرة وعادية، أو كانت هناك عوامل تنبئ بوجود المخاطر أو الصعوبات، وهناك فئة لا تنخرط في العمل السياسي، ولكنها تحرص على أن تعرف كيف يدار الشأن العام، وتتابع الأدوار التي يقوم بها الفرقاء السياسيون، وتكتفي بناء على القناعة الخاصة، بالدعم المعنوي لهذا الفريق أو ذاك عندما يقتضي الأمر ذلك، وتساهم في الاقتراع العام انطلاقا من وعيها ومعرفتها بالمعطيات الأساسية للمشهد السياسي.

       وأصل كلمة السياسة حسب لسان العرب من السوس بمعنى الرئاسة، وساس الأمر سياسة قام به بما يصلحه، والمراد بالأمر هو الشأن العام وفق المصطلح المتداول في العصر الحاضر، وبالتالي فإن مفهوم السياسة يكون هو فن إدارة الشأن العام، والسياسة المثالية هي التي تضمن حسن التدبير، وتقوم بتنظيم العلاقات بين الحكام والمحكومين على أسس تحددها القوانين، وتتوخى تحقيق العدل والمساواة، وتسهر على حماية حقوق الأفراد والجماعات، وخدمة المصالح العامة للمجتمع بما يضمن تطوره وارتقاءه باستمرار نحو الأفضل.

       وفي ضوء هذا المفهوم تكون السياسة من الحاجات الأساسية لكل مجتمع بشري، وضرورة بديهية لتنظيم شؤونه، والتوفيق بين المصالح المتناقضة داخله، بما يضمن التوازن والاستقرار، و يحقق الأمن والاطمئنان لكل أفراد المجتمع.

      ولا يمكن ضمان حسن سير الشأن العام، إلا إذا توفرت لدى القائمين عليه مؤهلات القيادة والتوجيه والتحكيم والتوفيق، والقدرة على التنظيم والخلق والابتكار، إلى جانب حسن الإنصات لنبض المجتمع، والإلمام بحاجاته الحيوية ، والإدراك الجيد لرغبات وطموحات أفراده، وإذا كانت هذه الصفات والخصائص لا تتوفر في عامة الناس فإنها مشروطة فقط بالنسبة لمن يتولون مقاليد الأمور.

       غير أن العمل السياسي لا يمكن أن ينحصر في الفئة ذات المواصفات المذكورة، وإنما هو من حق كل شخص، بل إن المشاركة الواسعة لأفراد المجتمع ضرورية في الاختيار بين الاتجاهات، وفي التتبع والمراقبة، فكل مواطن كيفما كان شأنه ومستواه، بمجرد بلوغه سن الرشد القانوني، يصبح من حقه ومن واجبه كذلك أن يشارك في اختيار من يمثله في السهر على حماية مصالحه، سواء على صعيد مهنته أو جماعته، أو على الصعيد الوطني، وعن طريق حسن اختياره يتمكن من المساهمة في تحديد الاتجاه الأفضل والأكثر جدارة من غيره لإدارة الشأن العام، وحماية مصالحه وحقوقه التي هي جزء من مصالح وحقوق باقي الأفراد الذين يشاركونه في المهنة أو الجماعة، أو يشاطرونه التوجه الذي يراه هو الأنسب لتحسين ظروف العيش وتحقيق التقدم والرخاء.

       وحينما يتخلى بعض المواطنين عن المشاركة، أو لا يحسنون الاختيار، فإن ذلك يكون من حظ الذين يستغلون الفراغ، وينتهزون فرص اللا مبالاة، ويتصيدون الظروف المواتية لاستغفال المواطنين، والتسرب إلى مواقع القرار لخدمة مصالحهم الضيقة، وأهدافهم الخاصة، التي تكون عادة مناقضة للمصالح التي تهم الفئات العريضة من الشعب، والمصالح العامة للبلاد.

       وكلما احتدت ظاهرة اللا مبالاة والعزوف عن المشاركة في الحياة السياسية، فإن المجال يتسع أكثر أمام عوامل الاختلال السياسي، الذي تنتج عنه عدة اختلالات أخرى في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي هذه الحالة لا يتحمل المسؤولية من يتولون الإشراف على تدبير الشأن العام وحدهم، وإنما يتقاسمونها مع الذين أساءوا اختيارهم لممثليهم، أو تهاونوا في ممارسة حقهم في الاختيار، أو أهملوا واجبهم في التتبع، وتركوا المجال مفتوحا لتسرب الطفيليين، وعديمي المؤهلات وذوي الأغراض الخاصة.

       وقد سبق للأستاذ علال الفاسي رحمه الله أن نبه لهذا الجانب حيث يقول:"إن كل عضو من الجماعة له سلطة معنوية، أي حق لحراسة سير السلطة ومراقبتها...وهذا الحق يستدعي واجبا معنويا على كل من يملكه، ولذلك لا يصح أن يتخلى أي فرد من أفراد الأمة عن العمل السياسي، أي عن مراقبة السلطة وأعمالها، والذين يتغيبون عن الانتخابات مثلا لأنها مظهر من مظاهر أداء هذا الحق والواجب، يعتبرون مقصرين في أداء ما فرض عليهم، وبالتالي مسؤولين عما يترتب على تقصيرهم من عبث أو استغلال أو خيانة كبرى"(علال الفاسي ـ النقد الذاتي ـ فصل التفكير السياسي).

       وإذا كانت الحكومات المتعاقبة في المغرب، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تتحمل بكيفية مباشرة مسؤولية ما تعرفه البلاد من تأزم اقتصادي، وضعف تنموي، وفساد إداري، وتدهور اجتماعي، وتفاوت طبقي فاحش، بسبب الخيارات غير الشعبية التي اتبعتها، وسوء تدبيرها للشأن العام، فإن ضعف المشاركة السياسية واختيار موقف الصمت أو اللا مبالاة من طرف نسبة هامة من المواطنين، أو الاكتفاء بالانتقاد بكيفية متسترة، أو الارتياب والخوف من العمل السياسي النضالي، أو محاباة الجهات المسؤولة من قبيل النفاق أو الانتهازية..كل ذلك شجع وساعد على التزييف المتواصل لإرادة المواطنين، وإفراغ المؤسسات التمثيلية من مضمونها الديمقراطي، والدوس على القوانين، وانتهاك حقوق الإنسان، واصطناع هيئات صورية مزورة، وإغراق المشهد السياسي بعدة كائنات طفيلية، وقطع الطريق على الطاقات والكفاءات الوطنية المخلصة، وتسببت هذه الظواهر بدورها في خلق وتعميق أزمة الثقة، وأزمة الضمير الوطني، واليأس من جدوى العمل السياسي النضالي لدى نسبة هامة من المواطنين، بمن فيهم بعض أعضاء الأحزاب الوطنية الذين توقفوا في منتصف الطريق.

       أما الحصيلة التي جنتها البلاد من وراء كل ذلك، فهي تكريس مسار التدهور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، واستمرار نفس التوجهات الخاطئة، والسياسات الفاشلة، والعقليات المتخلفة، والأساليب البالية، والممارسات السيئة، وشتى المظاهر السلبية حتى وصلت البلاد إلى الباب المسدود.

       وإذا كانت نضالات ومبادرات القوى الديمقراطية، والفعاليات الحقوقية، ومكونات المجتمع المدني، في العقد الأخير من القرن الماضي، قد أسفرت عن تغيير نسبي في الثقافة السياسية، بموازاة مع الاتساع النسبي الذي تحقق في مجال الحريات العامة، بالإضافة إلى بعض الإصلاحات الدستورية والسياسية المنجزة، فإن هذه المكتسبات يمكن أن تتعزز أكثر، وتسير بوتيرة أسرع، باتساع مشاركة المواطنين في العمل السياسي النضالي، ودعمهم للقوى الوطنية العاملة من أجل التغيير، لتقوية العمل الجماعي الهادف لبناء مغرب جديد متقدم.

       وحتى تكون مشاركة الأفراد أكثر جدوى، وأعمق أثرا في الحياة السياسية، فإنها   لا ينبغي أن تقتصر على ممارسة حق التصويت في الانتخابات، وحسن الاختيار، وتتبع ما يجري من أحداث في الحياة العامة، والدعم المعنوي لقوى التغيير والتقدم، وإنما أن تتعدى ذلك إلى العمل المباشر في إطار تنظيمات سياسية يرتكز وجودها على أسس واضحة، وتزاول نشاطها بكيفية مشروعة، وتسعى لتحقيق أهداف معلنة، وتعمل على إنجاز برامج محددة، لأن الشخص الواحد لا يستطيع بمفرده أن يؤثر في التوجهات العامة، لأنه يكون بمثابة قطرة في بحر، بينما إذا عمل ضمن مجموعة كبيرة من الأفراد الذين يجد نفسه قريبا من القناعات التي تربط بينهم، أو يتفق مع الأهداف الأساسية التي يعملون من أجلها، فإنه حينذاك يكون جزءا من قوة يحسب لها حسابها، وتستطيع بتعاون وتكامل وتضامن أفرادها أن تؤثر بصورة إيجابية في تكييف القرارات السياسية، والمساهمة الفعالة في إقرار الاختيارات التي تسير في اتجاه تحقيق الأهداف المشتركة.

       ومن خلال التكوين والتعرف على قضايا ومشاغل شرائح مختلفة من المواطنين داخل مؤسسات وملتقيات الهيئات السياسية المنظمة، يتعود الأفراد على الإدلاء بآرائهم حول الشؤون العامة لبلادهم ومواطنيهم في إطار مسؤول، والإنصات إلى آراء غيرهم فتتلاقح الأفكار، وتتكامل التصورات ،وتتضافر الجهود، وتنمو التجارب والخبرات، وتتأهل الكفاءات لتحمل المسؤوليات السياسية على مختلف المستويات.

       ومن الطبيعي أن النتائج لا تأتي بكيفية فورية وتلقائية، وإنما تتطلب العزيمة القوية، والصبر والمعاناة، والمشاركة الفاعلة، والعطاء الكثير قبل البحث عن جني الثمار التي لابد من الوصول إليها في النهاية.

   
جميع  الحقوق محفوظة لصاحب الموقع ويمنع إعادة نشرمواد هذا المنبر دون ذكر