ذكريات بالصور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس المقالات

أزمة الثقافة الديموقراطية

أزمة الديموقراطية

الاختلاف بين الرحمة والنقمة

الانتقال الديموقراطي

التناوب

الحرية والمسؤولية

نقد السياسة وسياسة النقد

بعد 50 سنة من استقلال المغرب

الشرق الأوسط الكبير ـ 1 ـ

الشرق الأوسط الكبير ـ 2 

الشرق الأوسط الكبير ـ 3 ـ

حوار الصم

حتى لا يتكرر ما جرى

صفحة الماضي

علال الفاسي كمنظر للمجتمع الديموقراطي الحداثي

خطاب الإصلاح

إدانة الإرهاب لا تكفي

التعدد السياسي

الحق في الاختلاف

المسلمون والإسلاميون

دمقرطة المجتمع

في السياسة والتسيس

وحدة الثقافة الديمقراطية

حول اغتيال الرئيس صدام حسين  

التدبير التقليدي والتدبير الديموقراطي

 

دمقرطة (*) المجتمع

     نظرا لما تتميز به عادة دول العالم الثالث من مظاهر الاستبداد، وتقييد الحريات العامة، وهيمنة اتجاه سياسي أحادي، فإن الكثير من المناضلين من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان بهذه البلدان، يسود لديهم اعتقاد بأن الأنظمة السياسية هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن تغييب الأسس التي يقوم عليها المجتمع الديمقراطي، ويعتبرون أن الانتقال إلى الحياة الديمقراطية يمكن أن يتحقق بكيفية آلية بدمقرطة مؤسسات الدولة ، ويغيب عن الأذهان أن الأنظمة القائمة ليست سوى صورة يفرزها واقع المجتمعات المعنية، وبالتالي يكون تطوير هذه المجتمعات متوقفا كذلك على تغيير الذهنيات والتقاليد، وأنمط السلوك السائدة، ونوع العلاقات القائمة بين الأفراد والجماعات في الحياة اليومية .

     وإذا كان لا يمكن التقليل من أهمية الإرادة السياسية للحاكمين ، كعنصر أساسي وحاسم في عملية بناء الدولة الديمقراطية الحديثة ، وإتاحة المجال أمام سائر الفعاليات، وعامة المواطنين، للمساهمة على أسس متكافئة في إدارة الشؤون العامة ، فإن الديمقراطية ليست بمثابة لباس يمكن أن نرتديه ونتباهى بمزاياه متى أردنا ذلك، وإنما هي منظومة متكاملة من المبادئ والقواعد التي ينبغي أن يقتنع بها العقل ، ويتشبع بها الفكر، ويتمرس عليها السلوك في الحياة الخاصة بالأفراد ، وفي العلاقات التي يرتبطون بها داخل مؤسسات المجتمع المختلفة، بدءا من الأسرة والمدرسة ، ومرورا بمجال العمل، والمحيط الخاص، والجمعية والنقابة والحزب ، وانتهاء بمؤسسات تسيير الشؤون العامة .

     ومن هذا المنطلق فإنه حينما توجد مجموعة من الناس تنادي بالديمقراطية وتبشر بمزايا قيمها من الناحية النظرية، فإن هذا لا يعني بكيفية حتمية، أن هؤلاء جميعا يتشبعون بالقيم الديمقراطية، ويشكلون تيارا يسير فعلا في اتجاه الديمقراطية، لأن الممارسة يمكن أن تفرز التفاوت، وأحيانا التناقض بين الخطاب النظري والسلوك اليومي، وهذا ما يفسر وجود تيارات متعددة أوشبه إجماع الفاعلين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم ومصالحهم حول تبني الاختيار الديمقراطي، في الخطابات والشعارات، في حين أن هذا الاتجاه لا يتبلور في الحياة العملية ، لأنه على فرض وجود ميل نظري حقيقي للقيم الديمقراطية من طرف أوسع عدد من التيارات والاتجاهات ، فإن الهوة التي قد تفصلها عن السلوك في الحياة اليومية، تجعل من ذلك الميل مجرد حلم يراود الأذهان، ولا يلبث أن يتوارى أمام ما يحبل به الواقع، من صور الاستبداد، والإرهاب الفكري، والإقصاء، ومصادرة الرأي المخالف، وهيمنة الأشخاص بدل الأفكار، وترجيح النفوذ السلطوي أو المالي أو المعنوي، على الاقتناع العقلي والاختيار المبدئي.

     ويصبح الوضع أكثر تعقيدا حينما تترسخ " تقاليد" الغش والاحتيال على القانون، واستغلال النفوذ الإداري، لتحريف موازين القوى عن وضعها الطبيعي، وتكريس صورة (السلطة هي الأقوى ومن يسير في فلكها هو الغالب دائما)، لأن وجود مثل هذه الظواهر يجعل قدوة السلوك الديمقراطي منعدمة، كما يجعل المناخ العام غير ملائم لخلق هذا السلوك وترسيخه، بل على العكس من ذلك، فإن مثل هذا الوضع يؤدي إلى اندماج بعض الشرائح بكيفية تدريجية في المناخ السائد، بالرغم من إدراك تناقضه مع القيم الديمقراطية المثلى، وذلك قصد الاستفادة الذاتية، وقضاء المصالح الخاصة، بالطرق التي تسمح بها الظروف القائمة، بينما تتجه شرائح أخرى إلى اليأس والإحباط، ثم الانكماش والتقوقع، ولا تصمد في ساحة الكفاح الديمقراطي الشاق، سوى نخبة قليلة، لا تستطيع في معظم الأحيان أن ترجح ميزان القوى لصالحها، أمام ضغوط القوى المستفيدة من الاختلال، والتي لا تتورع عن استغلال النفوذ، واستعمال الأموال، وقلب الحقائق، وتمييع الخطاب الديمقراطي، وتعتيم المشهد السياسي، وغير ذلك من وسائل التزييف والتضليل والتغليط، لضمان استمرار الاختلال، الذي يرجح كفتها، ويضمن لها الحماية في مواجهة أي تيار يحمل بوادر التغيير.

     وفي خضم الالتباسات التي تتعمق أكثر بسبب انتشار الأمية، واتساع دائرة الفقر، وانهيار القيم الخلقية والوطنية، واستفحال أزمة الثقة، في مناخ مطبوع بهذه الظواهر السلبية، لا يكفي أن تبادر مجموعة من الأفراد، أو بعض الأحزاب، بالمطالبة بإقرار دولة الحق والقانون، لكي يحترم الناس، من مسؤولين وغير مسؤولين، حقوق وحريات غيرهم، ويخضع الجميع لمقتضيات القوانين المسطرة ، وحينما يكون الخلل في القوانين نفسها لا يكفي تعديلها أو تغييرها بنصوص أخرى تشمل ضمانات أكثر للنزاهة والإنصاف حتى تتحقق هذه الضمانات على أرض الواقع، كما أنه لا توجد ديمقراطية تقدم جاهزة للمطالبين بها .

 وفي جميع الأحوال فإن الانتقال الديمقراطي، الذي يشمل الدولة والمجتمع، لا يتحقق بكيفية تلقائية، ولا يمكنه أن يتم بشكل مفتعل أو ( مخدوم )، وإنما يتوقف على مجموعة من العوامل المترابطة والمتكاملة، والتي يمكن القول بأنها تشمل جانبين اثنين:

 أحدهما يتعلق بالإرادة السياسية والقوانين، وطريقة تركيب المؤسسات التمثيلية، والصلاحيات الموكولة إليها، وتوزيع المسؤوليات بينها وبين الأجهزة التنفيذية، وهي القضايا التي تستأثر عادة باهتمام الفاعلين السياسيين في البلدان السائرة في طريق الديمقراطية.

 أما الجانب الثاني فيتعلق بالمجتمع ومدى انتشار الوعي السياسي داخله، ومدى تشبع أفراده وهيئاته بالقيم الديمقراطية، وإلى أي حد تنعكس تلك القيم على السلوك اليومي، وهل يرقى هذا السلوك لدى المطالبين بالديمقراطية إلى مستوى القدوة . . وهذا الجانب الثاني لا ينال الاهتمام الكافي رغم أنه يعتبر مع الجانب الأول بمثابة ضلعي السكة الحديدية التي لا يمكن لقاطرة الديمقراطية أن تسير نحو المحطة المرجوة دون وجودهما معا بشكل متواز ومترابط.

     ولذلك فإن كل نضال يرمي لإقرار ديمقراطية حقيقية، لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا إذا كان مبنيا على نظرة شمولية للديمقراطية، لا تقتصر على الجانب الذي يعني الدولة، وإنما تشمل أيضا المجتمع بأفراده وهيئاته، وكلما انتشرت الثقافة الديمقراطية داخل المجتمع، وترسخ السلوك الديمقراطي داخل الأحزاب السياسية والنقابات وهيئات المجتمع المدني عموما، كلما تعبدت الطريق أكثر نحو الديمقراطية التي لا يعتورها الخلل من أي جانب لأن الدولة والمجتمع كل منهما يصب في الآخر ، ولا يمكن للدولة إلا أن تعكس مستوى تطور المجتمع في شموليته وليس في أجزاء محدودة منه .

     ولا يكن تحقيق قفزة نوعية في النضال الديمقراطي، إلا بإشاعة الثقافة الديمقراطية داخل المجتمع، من خليته الأولى وهي الأسرة، إلى أوسع جماعاته وهيئاته ومؤسساته، وضمان احترام الحق في الاختلاف، والاستماع للرأي الآخر، واعتماد الحوار الذي يقوم على مخاطبة العقل، والاستناد إلى المنطق، ويتوخى الابتكار والتجديد، ويبتعد عن التطرف والتعصب والإقصاء.

     وهذه رسالة لا يمكن أن تضطلع بها إلا نخب جديدة، تكون قادرة على التحرر من عقلية الماضي، وتستطيع التخلص من كل الرواسب والقيود التي تشد إلى الوراء، وتحمل لواء التغيير فكرا وسلوكا لبناء المستقبل .

ـــــــــــــــ

(*) يعتبر عبد الهادي بوطالب أن كلمة (دمقرطة) خطأ في اللغة العربية وأن الصحيح هو (دقرطة) غير أني أفضل استعمال الكلمة (الخطأ) باعتبارها الأقرب إلى التبليغ، خاصة وأن كلمة (الديمقراطية) التي هي المصدر غير عربية ، وإنما أصلها يوناني كما هو معروف، ودخلت إلى لغة الضاد من ترجمة الفكر الغربي. (أنظر عبد الهادي بوطالب معجم تصحيح لغة الإعلام العربي، جريدة العلم فاتح فبراير 2005).

   
جميع  الحقوق محفوظة لصاحب الموقع ويمنع إعادة نشرمواد هذا المنبر دون ذكر