|
المسلمون والإسلاميون !
لم تكن كلمة إسلامي أو إسلامية في الماضي تثير أي إشكال في مدلولها، فحينما يقال
مثلا الدول الإسلامية، يكون المقصود هو الدول التي يعتنق سكانها دين الإسلام،
وحينما يقال الفكر الإسلامي، يعني ذلك الاجتهادات والأفكار التي ينتجها أو يستخلصها
فقهاء ومفكرون مسلمون انطلاقا من تعاليم الإسلام.
ومنذ عدة عقود من الزمن، انتشر في المغرب وفي غيره من البلدان العربية والإسلامية،
وصف بعض المجموعات والتيارات والخلايا التي تشتغل في الحقل السياسي ب(الإسلامية)،
وأصبحت الأنشطة والأعمال التي تقوم بها هذه الحركات تسمى ب(الإسلام السياسي)،
باعتبارها تدخل في إطار الصراعات السياسية، والتسابق للوصول إلى السلطة كهدف رئيسي
للعمل السياسي.
وكل مسلم لا ينتمي تنظيميا وسياسيا لإحدى الحركات المذكورة، حينما يفكر بتمعن في
الأمر، قد يستعصي عليه فهم واستيعاب المدلول الخاص الذي يراد تحميله لكلمة
(إسلامي)، والذي يتجاوز المعنى اللغوي العام الذي يفيد الانتماء للإسلام، إلى مفهوم
اصطلاحي يعني الانتماء إلى جماعة سياسية لا تتوفر بالضرورة لأعضائها المؤهلات
اللازمة لتفسير تعاليم الدين، وإنما تستعمل (الاجتهاد) السياسي، الذي تصل من خلاله
إلى جعل الدين مطية وأداة لتحقيق الأهداف السياسية، كما تتصورها وتتوخاها هذه
الجماعات، علما بأنها هي نفسها تختلف فيما بينها حول مقاصد التعاليم الدينية.
ويصبح الأمر في غاية
الغموض والالتباس، عندما تتعدد الجماعات التي تتخذ الإسلام غطاء لنشاطها السياسي،
وتزعم كلها أنها تنطلق من الإسلام، وقد لا تختلف فيما تعتمده من أسلوب
للاستقطاب، لأنها كلها تعزف على نفس الوتر وهو الدين الذي يحرك مشاعر الناس، غير أن
الخطابات قد تتناقض باختلاف المصالح السياسية، كما قد تتباين وسائل العمل وطرق
الاشتغال بتباين التاكتيك المتبع من طرف كل مجموعة، ويصبح الأمر أكثر إغراقا في
الضبابية حينما يصل التعارض بين المجموعات المعنية إلى تكفير بعضها البعض، وإلى
التناحر فيما بينها، ولا يجد المتتبع كيف يصنف هؤلاء وأولائك، هل على أساس درجات
التطرف والتشدد في الطروحات، والتحجر والتزمت في الفكر؟ أم على أساس استعمال العنف
أو نبذه ولو ظاهريا؟ أم بحسب مدى قبول الانخراط في المؤسسات الديمقراطية التي
يرتضيها باقي الفاعلين السياسيين، أو عدم قبول الانخراط فيها؟ أم على أساس معايير
أخرى؟ وإذا لم يكن هناك مجال للتمييز بين الجماعات التي توصف ب (الإسلامية) هل يمكن
على مستوى المغرب مثلا أن نضع تحت نفس الوصف ما يسمى الصراط المستقيم، والسلفية
الجهادية، والهجرة والتكفير، والعدالة والتنمية، والعدل والإحسان، والحركة من أجل
الأمة، والبديل الحضاري..؟
وفضلا عن الغموض الذي يثيره تعدد وتناقض التيارات السياسية التي تشتغل تحت غطاء
الإسلام، فإن وصف هذه الجماعات ب(الإسلامية) يثير الكثير من الالتباس، حيث يوحي
وكأن المجتمع ينقسم إلى مسلمين وغير مسلمين، دون وجود أي معيار منطقي، أو عقلاني،
أو شرعي لهذا التمييز، لأنه لا تتوفر الأهلية لأي فرد أو جماعة داخل مجتمع
المسلمين، لإصدار أحكام بنزع صفة المسلم عن هذه الجماعة أو تلك، أو عن هذا الفرد أو
ذاك، بل إن أي أحد من البشر لا يمكن أن يخول لنفسه صلاحية تحديد من هو مؤمن حقا
بتعاليم الإسلام، ومن هو أقل إيمانا من غيره، ومن هو غير مؤمن، فأحرى أن يحكم
بتكفير الدولة وفئات عريضة من المجتمع، فالله سبحانه وتعالى هو العالم وحده بما في
الصدور، وهو وحده الرقيب الحسيب على أعمال الناس.
وبالإضافة إلى ظاهرة التكفير، التي تعد أكبر بلية أصابت أمة المسلمين، وأخطر نزعة
تهدد أمن واستقرار مجتمعاتهم، فإن إطلاق وصف (الإسلاميين) على جماعة أو جماعات داخل
مجتمع المسلمين، قد يوحي للبعض بأن من يحملون هذا الوصف هم أكثر معرفة بشؤون
الإسلام، وأكثر تمسكا بتعاليمه، مما يخولهم دون غيرهم من معتنقي الدين الإسلامي
صلاحية تفسير أحكامه، والإفتاء في شؤونه، في حين أن الأمر يتعلق في الواقع بأناس
يمارسون السياسة تحت غطاء الإسلام، ويسعون لتحقيق أهداف سياسية في عمقها وظاهرها،
وقد لا يفقه معظمهم أي شيء في علوم الدين وأصوله وأحكامه.
وحتى على فرض أن من يطلق عليهم وصف (الإسلاميين) كلهم من فطاحل علماء الإسلام ـ
وهذا أمر يفنده الواقع ـ فإن ما يفترض أنهم يتوفرون عليه من معرفة ودراية بشؤون
الدين، لا يجعلهم في مرتبة دينية أسمى من باقي المسلمين، لأنه لا رهبانية في
الإسلام، ولا يؤهلهم ذلك لاحتكار حق الاجتهاد والفتوى، ولا يخول لهم أبدا احتكار
الحديث باسم الدين، ولا يعني مطلقا أنهم يمتلكون الحقيقة، وبالتالي فإن كل ما يدلون
به من آراء، أو يطرحونه من اجتهادات وتصورات، لا يمكن أن تكون ملزمة للدولة، ولا
للمجتمع، ولا لأي أحد، لأنها حتى إذا كانت موضوعية، وخالية من الغلو والتشدد،
وبعيدة عن أي خلفية سياسية أو غيرها، تبقى مجرد اجتهادات تحتمل الصواب كما تحتمل
الخطأ، ومن أكرمهم الله فعلا بالتفقه في علوم الدين، من المفروض أن يوظفوا علمهم
ومعرفتهم في خدمة المجتمع،
وضمان تلاحمه وتضامنه،
وحمايته من الشرخ، وإبعاد عوامل الفتنة عنه، ومن واجبهم العمل على ترسيخ القيم
الإسلامية السمحة، التي لا ينازع فيها أحد، ولا يمكن التشكيك فيها، والتي تدعو
للتسامح والتعاون وليس العداء والحقد، وتحث على الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن،
وتنهى عن الإكراه والضغط، وتمجد من يميط الأذى عن الطريق، ويخدم الناس، ولا تقبل
ترويعهم في مساكنهم وفي الأماكن العمومية، وتدعو للسلم والأمن، وليس الإرهاب وقتل
الأبرياء، وتنادي بإصلاح المجتمع، وعدم تعريضه للدمار والخراب، وتحث على إعمال
العقل بدل التعصب والتزمت، والأخذ بالعلم والاجتهاد، وليس بمقولات جاهزة وجامدة منذ
قرون، والانفتاح على التطور والتقدم، وليس الانغلاق في سراديب الماضي...والذين
يقومون بواجبهم في هذا الاتجاه، لا
يصفون أنفسهم ب(الإسلاميين) ولا يقبلون أن يطلق عليهم هذا الوصف، لأنهم لا يدعون
أنهم أكثر إسلاما من غيرهم، ولا يكفرون أحدا، وإنما يتحملون مسئوليتهم في خدمة
المجتمع الإسلامي الذي ينتمون إليه، انطلاقا من القيم المشرقة للإسلام.
أما من يريد الاشتغال بالسياسة، فلا يمكن الاعتراض على حقه المشروع في ذلك، غير أنه
لا يمكن الدخول إلى هذا المجال تحت غطاء العقيدة الإسلامية التي هي ملك جميع
المسلمين، وإنما لابد من ولوج الميدان السياسي من بابه الطبيعي، الذي لا يخول
الامتياز لأي حزب، ولا لأي فئة، ويقتضي التنافس على أسس متكافئة، والاجتهاد في عرض
البرامج الهادفة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والمساهمة في ابتكار الحلول
للمعضلات التي يعانيها المجتمع، وطرح الوسائل الكفيلة بتنشيط الاقتصاد وخلق فرص
الشغل، ورفع مستوى العيش، وصون الكرامة الإنسانية لكل المواطنين، واقتراح المناهج
الأكثر جدوى في تدبير الشأن العام...والاحتكام لصناديق الاقتراع، واحترام القواعد
الديمقراطية، ونبذ جميع أشكال العنف والإرهاب.
والخلاصة هي أن وصف (الإسلاميين) سواء أطلقه المعنيون على أنفسهم، أو أطلقه عليهم
غيرهم، لا يوجد ما يبرره في مجتمع جل أفراده من المسلمين لعدة أسباب من أهمها:
·
لأنه ينطوي على
تمييز غير منطقي وغير واقعي، ويحمل في ثناياه تكفير جماعة لجماعات أخرى.
·
لأنه يخلق هوة
قد لا تحمد عقباها، بين فئتين لهما نفس العقيدة، ويفترض أن تكونا متلاحمتين
ومتضامنتين.
·
لأنه يثير
التباسا في الأذهان، حيث يطلق على المتشددين والمتعصبين في تعاملهم مع تعاليم
الإسلام، مما قد يوحي أنهم أوسع معرفة، أو
أكثر إيمانا من غيرهم
من المسلمين، الأمر الذي يتنافى مع الواقع.
·
لأنه لا
يمكن إطلاق نفس الوصف
على جماعات وقوى مختلفة ومتناقضة في المواقف والسلوكيات والأهداف، ولا يجمع بينها
سوى ادعاء الانطلاق من الإسلام والتطرف مع تفاوت درجاته.
·
لأن من يطلق
عليهم ذلك الوصف، يستغلون الدين لتحقيق أهداف سياسية، مما يتناقض مع قيم الصدق
والصفاء والوضوح التي يدعو إليها الإسلام، ويتعارض مع مبدأ التكافؤ بين القوى
السياسية، ويخل بقواعد الديمقراطية التي تضمن حق الجميع في المشاركة في الحياة
السياسية دون أي ميز.
وبناء على كل ما تقدم فإن مصطلح (الإسلاميين) يعتبر غير ذي موضوع وينبغي عدم
استعماله، وإعطاء كل فئة، أو جماعة سياسية الوصف المناسب لطبيعتها، فمن تطرف نسميه
المتطرف، ومن تزمت نسميه المتزمت، ومن أراد الرجوع بنا إلى عهد الجاهلية فهو رجعي،
ومن تمسك بخطاب متخلف ومنغلق ولا آفاق له، فهو ظلامي، ومن استغل الدين لتحقيق أهداف
سياسية نسميه المحتال أو المنافق، ومن استعمل أو حث على استعمال العنف، أو كان
يحاول فرض آرائه بالإكراه يسمى الإرهابي...ونحمد الله تعالى أن اللغة تضم الكلمات
والأوصاف المناسبة لكل النزعات والسلوكيات والمواقف، وكل أشكال وأنواع الجماعات
والتيارات التي تحاول بغير حق الاختفاء تحت مصطلح (الإسلاميين).
|