|
إدانة الإرهاب لا تكف
صحيح أن المغرب ظل ينعم بالأمن والاستقرار على مدى سنوات كانت فيها مناطق أخرى من
العالم تتقاذفها موجات العنف والصراعات الدموية على السلطة، والنزاعات التي يغذيها
التعصب العقائدي، والتطرف الأعمى الذي يصل حد رفض التعامل مع الآخر بأي وجه من
الوجوه .
وفي غفلة عن بعض النخب التي تصدرت الحياة السياسية خلال السنوات الماضية، والتي
ربما أسكرتها نشوة الاستقرار، وعلى هامش المؤسسات الشرعية، التي تعمل تحت الأضواء،
نمت وترعرعت في بؤر الظلام، خلايا مَرَضِية، متلهفة لاختراق ثنايا الجسم المغربي،
الذي طالما تغنينا بسلامته وعافيته ، وبينما نامت الكثير من العيون، ظلت بؤر الظلام
تكبر وتولد داخلها خفافيش تتغذى من منابع كثيرة تساعد على نموها وانتشارها، وتحولها
إلى قنابل موقوتة تهدد المجتمع كله بالدمار والخراب .
ومن الخطأ القول بأن المرض كله قادم من خارج الحدود،لأنه إذا كانت هناك فعلا عوامل
خارجية تتجلى فيما أصبح يعرف ب ( عولمة الإرهاب ) بسبب حروب المصالح، والتسابق
للسيطرة على ثروات الأرض، واحتلال أرض الغير، واحتقار بعض الثقافات لثقافات أخرى،
وتزايد حالات التعصب والعنصرية والتطرف، وتجاهل حق الشعوب في العيش الآمن، وحق
البشرية في السلام، وما ينتج عن كل ذلك من أعمال العنف والعنف المضاد؛ فإنه إلى
جانب هذه العوامل المتفاعلة على الصعيد الدولي، والتي تتسرب تداعياتها إلى بلادنا،
هناك عوامل داخلية غذت وما زالت تغذي وتقوي نزعة الحقد، والسلوك العدواني، وتخلق
دوافع الإرهاب، ومن هذه العوامل يمكن الإشارة على الخصوص لارتفاع نسبة الأمية،
وتفاقم معضلة البطالة، واتساع دائرة الفقر، وتنامي الأحياء الهامشية التي يفتقر
سكانها لأبسط وسائل العيش الكريم، وتفاحش الهوة بين أقلية محظوظة وأغلبية محرومة،
وطغيان الزبونية والمحسوبية في إسناد بعض المسؤوليات على حساب الكفاءة والمؤهلات،
وانتشار الانتهازية والوصولية، والفساد ونهب المال العام والإفلات من العقاب،
والاستهتار بمصالح المجتمع، وانهيار القيم الأخلاقية، وانتشار سلوكيات مشينة في وسط
بعض النخب التي تمارس السياسة السياسوية، وشراء الذمم أمام الملأ في الانتخابات،
وتمييع التعددية الحزبية، واستغلال العواطف الدينية للمواطنين لتحقيق أهداف سياسية
خاصة، والفهم الخاطئ من طرف البعض للحرية، وتداول مفهوم مغلوط للجهاد ...
إن الأمراض والمظاهر المشار إليها وغيرها مما ينخر المجتمع، يساعد التيارات التي لا
تقبل العمل في العلانية والوضوح، وأصحاب التنظيمات المشبوهة، والذين يتخذون من
الدين غطاء لأنشطتهم المريبة، على بث سموم الحقد والضغينة، والرغبة في الانتقام من
المجتمع، والاستحواذ على عقول الشباب الذين يعصف بهم اليأس، ويؤدي ذلك إلى انزلاق
عدد من اليافعين، وسقوطهم في شبكات التنظيمات الظلامية التي تجعلهم أدوات للعمل
الإرهابي، وتسخرهم لارتكاب جرائم بشعة ضد أنفسهم، وضد مجتمعهم، طلبا ل( الجنة )
التي يوعدون بها من طرف مجموعة من الجهلة، والمتزمتين والمتعصبين الذين ينصبون
أنفسهم للإفتاء بتكفير من لا يساير عقلياتهم الظلامية، وأفكارهم البئيسة، ومواقفهم
المتطرفة والحاقدة.
واليوم أصبح الإرهاب واقعا مرعبا لا يمكن الاستهانة به، وقد أكد المجتمع المغربي
بكل مكوناته إدانته الشديدة للعمليات الإرهابية التي استهدفت عدة مواقع في الدار
البيضاء، وقبل >لك بمراكش، وهذا أمر طبيعي،غير أن الإدانة وحدها لا تكفي لمواجهة
الإرهاب، لأن الحوادث المشار إليها ليست سوى ناقوس للخطر، لا يكفي أن نقتصر على
سماع دقاته، وإنما لابد من استيعاب إشاراته من طرف الجميع، وتحمل المسؤوليات التي
يقتضيها الأمر بكامل الجدية والحزم والثبات.
وإذا كانت العوامل الخارجية الدافعة للإرهاب تتجاوز قدراتنا، وتتوقف على تعاون
المجتمع الدولي ككل لإزالتها واستئصال جذورها، فإن العوامل الداخلية يمكن التغلب
عليها بتحسيس
كل الأطراف بمسؤوليتها،
وعدم الاقتصار في الوقاية والعلاج على الجانب الأمني، وطرح المشكل في كليته،
وعدم تجاهل أي سبب من أسبابه المباشرة وغير المباشرة، وتهيئ الظروف المناسبة لتعبئة
كل الطاقات لمواجهة التحديات، وحماية المكتسبات، والدفاع عن قيم الإسلام الصحيحة
الداعية للتسامح والحوار والعمل الصالح، الذي يخدم المجتمع، ويبعد الأذى عن أفراده،
ويضمن طمأنينتهم، كما يجب السير بخطى لاتقبل التردد في بناء دولة الحق والقانون،
ومحاربة الأمية والجهل، وتعميم الثقافة الديمقراطية، وتحقيق التنمية والعدالة
الاجتماعية، وتلك هي صمامات الأمان الحقيقية التي تضمن الاستقرار والاطمئنان،
ووقاية المجتمع من فتنة الإرهاب.
(نشر بجريدة العلم في 22 ماي 2003) |