ذكريات بالصور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مبدأ تقرير المصير المفترى عليه

في إطار تجاوب المغرب مع الجهود الدولية لإيجاد مخرج من نفق النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وفي نطاق البحث عن حل سياسي يدعمه  المنتظم الدولي، ويحظى بموافقة جميع الأطراف، يأتي اقتراح الحكم الذاتي في الأقاليم المسترجعة، كخطوة عملية نحو حل ديمقراطي، يمنح سكان الصحراء حق تدبير شؤونهم بأنفسهم، وفق ما يرتضونه، وما تقتضيه خصوصيات المنطقة وطبيعتها.

وقد وُصفت المبادرة المغربية من قِبَلِ فاعلين أساسيين في المجتمع الدولي بأنها شجاعة وجدية، ومن شأنها أن تسير بالتسوية السياسية إلى الطي النهائي للملف الذي ظل مفتوحا على مستوى منظمة الأمم المتحدة، دون أن يجد طريقه إلى حل مقبول منذ أزيد من ثلاثين سنة.

ومن المعلوم أن سبب المشكل في أساسه يرجع لكون الجزائر اختارت أن تعاكس حق المغرب في استعادة وحدته الترابية، وأنها هي التي قامت بإذكاء نزعة الانفصال لدى مجموعة من المغاربة المنحدرين من الأقاليم الجنوبية، وجندتهم وسلحتهم، وجعلت منطقة تيندوف وهي من الأراضي المغربية التي ضمها إليها الاستعمار الفرنسي، والتي توجد اليوم تحت نفوذها، بمثابة قاعدة تهدد الأمن والاستقرار في المغرب، وتهدد السلم في المنطقة كلها، وأن الجزائر هي التي توفر لهم جميع وسائل الدعم المادي والسياسي، متوهمة أنها يمكنها أن تحقق من وراء ذلك إقامة دويلة ضعيفة تكون خاضعة لها، وتتمكن بالتالي من فتح منفذ لها على المحيط الأطلسي.

واستمرار تصلب الموقف الجزائري هو الذي يجعل التوتر المفتعل حول الصحراء المغربية أمام الباب المسدود منذ أزيد من ثلاثة عقود من الزمن، وهي تحاول أن تبرر عنادها وموقفها، بكونها تدافع عن (مبدأ تقرير المصير) لما تسميه بالشعب الصحراوي، متجاهلة عن قصد كل الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية التي تؤكد مغربية الصحراء، ومتغافلة عن قصد كذلك عن الواقع الذي يؤكد بأن الأغلبية الساحقة من سكان الصحراء المغربية يجددون تقرير مصيرهم بشكل علني، حينما يعبرون في مناسبات عديدة عن تمسكهم بمغربيتهم، وبالوحدة الترابية لوطنهم، وأدائهم لواجباتهم كمواطنين، من خلال انخراطهم في الأحزاب السياسية المغربية، ومشاركتهم المكثفة في الاستفتاءات، وفي الانتخابات على المستويات المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية، واندماجهم بحماس في أوراش البناء والتنمية، ومساهمتهم الفعالة في تحقيق التطور الهائل الذي تشهده أقاليم الصحراء المغربية.

وإن العديد من القادة المؤسسين لجبهة (البوليساريو) بعد تأكدهم من قذارة ونذالة لعبة الانفصال قرروا بكامل حريتهم العودة إلى وطنهم، ويعيشون اليوم مع أهلهم، ويساهمون مع إخوانهم المغاربة في خدمة بلدهم، والدفاع عن وحدته الترابية،  كما أن المئات من المواطنين، استطاعوا الفرار من جحيم مخيمات العار، والتحقوا بوطنهم المغرب ليعيشوا مع عائلاتهم معززين مكرمين؛ والباقون في المخيمات هم الذين لم يستطيعوا بعد الفرار من  الاحتجاز القسري المفروض عليهم.

إن التعنت وحده هو الذي يجعل الجزائر لا تقبل أن ترى الواقع، ولا تريد أن تعترف بأن المواطنين المغاربة في الصحراء المسترجعة قرروا فعلا مصيرهم، واختاروا الوحدة والتلاحم  بدل التمزق والضعف، والعزة والكرامة عوض التبعية والذل، والسلم والاستقرار بدل التوتر والصراع،  فهل ستظل الجزائر متجاهلة لما يجري تحت الشمس الساطعة في الأقاليم الصحراوية المغربية من مشاركة السكان، وتطور في المسار التنموي، وتشبث بالوحدة، لتبقى بالتالي متمسكة برهان خاسر تحت غطاء مبدأ (تقرير المصير) المفترى عليه، والذي لم يعد خافيا أنها تحاول توظيفه لتحقيق أهدافها الهيمنية.

وإذا افترضنا جدلا أن الجزائر تنطلق في موقفها من "الغيرة" على مبدأ تقرير المصير، وتجاوزنا تجاهلها لإرادة السواد الأعظم من سكان الصحراء المغربية الذين اندمجوا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمغرب الموحد، فلماذا لا تعمل الجزائر على رفع الحصار عن المغاربة المحتجزين في تيندوف ليقرروا مصيرهم، ويختاروا بحرية بين العودة إلى وطنهم، أو البقاء في مخيمات العار؟ أم أنها تخشى أن تفتح هذا الباب فينقلب السحر على الساحر، وتنتهي لعبة الدعوة إلى الانفصال، وتنكشف الحقائق  بالنسبة لمن ما يزالون ضحايا مغالطة (تقرير المصير).

وفي جميع الأحوال فإنه في حالة استمرار تصلب الموقف الجزائري رغم اقتراح المغرب للحكم الذاتي كأقصى ما يمكن تقديمه، فإنه لا يبقى سوى تعبئة المجتمع الدولي للعمل على إنهاء الحصار عن المغاربة المحتجزين بمخيمات تيندوف، ومنحهم فرصة التعبير الحر عن رأيهم، وضمان حريتهم في العودة إلى وطنهم المفتوح أمامهم، والالتحاق بأهاليهم الذين ينتظرونهم؛ ومن المؤكد أنه بمجرد إزالة الحواجز، لن تبقى في الجهة الأخرى سوى أقلية قليلة ممن ربطوا مصلحتهم بالوضع الحالي، وقد يختارون البقاء في الجزائر إذا قبلتهم بعد انتهاء اللعبة.

(نشر بجريدة العلم في 8 مارس 2007، ص:1

   
جميع  الحقوق محفوظة لصاحب الموقع ويمنع إعادة نشرمواد هذا المنبر دون ذكر