ذكريات بالصور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس المقالات

أزمة الثقافة الديموقراطية

أزمة الديموقراطية

الاختلاف بين الرحمة والنقمة

الانتقال الديموقراطي

التناوب

الحرية والمسؤولية

نقد السياسة وسياسة النقد

بعد 50 سنة من استقلال المغرب

الشرق الأوسط الكبير ـ 1 ـ

الشرق الأوسط الكبير ـ 2 

الشرق الأوسط الكبير ـ 3 ـ

حوار الصم

حتى لا يتكرر ما جرى

صفحة الماضي

علال الفاسي كمنظر للمجتمع الديموقراطي الحداثي

خطاب الإصلاح

إدانة الإرهاب لا تكفي

التعدد السياسي

الحق في الاختلاف

المسلمون والإسلاميون

دمقرطة المجتمع

في السياسة والتسيس

وحدة الثقافة الديمقراطية

حول اغتيال الرئيس صدام حسين  

التدبير التقليدي والتدبير الديموقراطي

 

خطاب الإصلاح

                 يمكن القول بأن كلمة (الإصلاح) أصبحت هي الأكثر تداولا واستعمالا في الخطابات والكتابات والمنتديات والمؤتمرات، منذ بداية العشرية الأخيرة من القرن الماضي إلى اليوم، حيث إن بعض المؤسسات الدولية، وبعض الدول العظمى، تدعو الحكومات في الدول المتخلفة ـ ومنها المغرب ـ إلى ضرورة إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية، لمواكبة تيار العولمة الذي قد يجرف كل الكيانات الهشة، وفي نفس السياق، وبطرح أكثر إلحاحا، جاء المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير، ثم الصورة المعدلة لهذا المشروع والمتمثلة في منتدى المستقبل، حيث « تنوب » الولايات المتحدة الأمريكية عن العرب الذين يبدو أن لا حول لهم ولا قوة أمام مخططات الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية.

 وعلى الصعيد الوطني صدرت عن الأحزاب الديموقراطية مبادرات هادفة للإصلاح السياسي والدستوري، وانعقدت عدة ندوات لتدارس الإصلاحات التي ينبغي أن تطال عدة مجالات، والوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الإصلاحات، وتبشر الخطابات الرسمية بالإصلاح، ولا تخلو التصريحات الحكومية من الحديث عن فتح أوراش الإصلاح، وتصدر الكتب المُنظرة للإصلاح، وتتعرض الصحف بمختلف مشاربها وألوانها لقضايا الإصلاح، ويتحدث الناس في كل مكان عن ضرورة الإصلاح، وما زال المواطنون ينتظرون ثمار الإصلاح، ويرى المتفائلون أن الإصلاح آت لا ريب في ذلك، وأن هناك ما يبشر بقرب انتشاره في مختلف ثنايا الدولة والمجتمع، ويرى المتشائمون أنه مجرد سراب يراود عقول بعض الفئات، ويمتنع عن التحقق على أرض الواقع.

وهذا التضخم الذي عرفه خطاب الإصلاح في المغرب، يفيد بأن هناك تراكمات ثقيلة من حالات ومظاهر الفساد والانحراف والاعوجاج والاختلال والتسيب والميوعة، عمت مختلف القطاعات والمجالات، وانتشرت في البر والبحر والفضاء، وحتى في الجبل الذي كان الناس فيه على فطرة، وأن هذه التراكمات ليست سوى نتيجة طبيعية لما تميزت به المراحل السابقة من تزييف لإرادة المواطنين، وتنصيب لمؤسسات »ديموقراطية« شكلية لا مصداقية ولا فعالية لها، وصنع أغلبيات حزبية من ورق، وسيطرة ذوي المصالح الخاصة على زمام الأمور، وقمع وإسكات كل صوت يفضح التزييف والتمييع، ويقاوم الفساد والانحراف، تحت غطاء هاجس أمني قصير النظر، وكان من مظاهر القمع، ومصادرة الحريات ما عرف بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي أصبحت عبئا ثقيلا على المغرب، وتكلفه اليوم صرف طاقات وإمكانات هائلة في محاولة لجبر الأضرار، أو بالأحرى للتخفيف من الآثار السياسية والنفسية في أحسن الأحوال.

كما يفيد تضخم خطاب الإصلاح في هذه المرحلة التي تقترن ببداية «عهد جديد» أن مختلف الفاعلين والمتتبعين أصبحوا على بينة من التراكمات السلبية، ومُدركين للحاجة القصوى إلى الإصلاح، حتى لا تبقى صور الماضي الكئيب تهيمن على الحاضر، وتنشر ظلالها المظلمة في الآفاق، وحتى يتخلص المغرب من العاهات والأمراض التي طالما عرقلت طريقه نحو التقدم.

وإذا كانت أسباب ودواعي تضخم خطاب الإصلاح معروفة، فهل يكفي إطلاق العنان للألسن والأقلام في تناول موضوع الإصلاح؟ وهل يمكن القول بأن كل الأطراف التي يروق لها الخوض في هذا الموضوع صادقة مع نفسها ومع مُخاطبيها فيما تدعو إليه؟ وبعبارة أخرى هل هناك إرادة جماعية حقيقية للتغلب على المشاكل الموروثة، وتخطي الواقع المأزوم، بكل تجلياته وأبعاده السياسية والإدارية والأخلاقية؟ وعلى فرض أن كل هذه العناصر متوفرة، فهل هناك مقاربات مشتركة، وتصورات متكاملة للإصلاح؟ أم أن كل طرف يغني على ليلاه التي تختلف صورتها باختلاف معايير الحسن والجمال، ومقاييس الجاذبية لدى الأطراف؟

وفي جميع الأحوال وكيفما كانت نوايا ودوافع كل طرف، فإن هناك وعيا جماعيا بأن أوضاعا كثيرة في حاجة إلى تصحيح، وأن البلاد لن تتحمل إعادة إنتاج نفس العاهات والأعطاب التي طبعت المراحل السابقة، ولا شك أن الجميع يدرك أيضا بأن الإصلاح لا يتحقق بتراكم الخطابات والكتابات، ولن يتحقق على المستوى العملي باستمرار نفس الآليات والأدوات والرموز، وبالتالي فإنه لا مناص من تغييرات عميقة تنطلق من إرادة سياسية حقيقية، وتعتمد قرارات سياسية شجاعة، وتشمل إعادة النظر في وظائف المؤسسات، لضمان التوازن بينها، والفعالية في عملها، وإلغاء الآليات التي لا طائل من ورائها، أو التي أحدثت لأسباب سياسية أثبتت التطورات أنه لا مبرر لوجودها، لتخفيف الأعباء عن الدولة، والانتقال إلى منطق الجدوى والمردودية، أو ما يصطلح عليه اليوم بالحكامة الجيدة أو الصالحة، بدل المظاهر والواجهات الشكلية.

ومن المعلوم أن الزمن لا يرحم، وأن من يسير ببطء في عالم متحرك وسريع لا يمكن إلا أن يتخلف، وإذا كان أصلا يعاني من التخلف كما هو الحال بالنسبة لبلادنا فإن المشكل يصبح أعقد ولا يقبل الانتظار، ولا ينفع معه الترقيع بعمليات جزئية هنا أو هناك، وإنما يتطلب استراتيجية متكاملة تهم مختلف المجالات، وتكون كفيلة بإحداث تغيير ملموس في الحياة السياسية للبلاد، وفي الحياة اليومية للمواطنين، وبذلك يتحقق تصالحهم مع الشأن العام ومع العمل السياسي، ويصبح لقيم المواطنة معنى، ويتحقق التجاوب والتعبئة لخدمة الصالح العام.

(نشر بجريدة العلم في 17 دجنبر2004 ص 7)

   
جميع  الحقوق محفوظة لصاحب الموقع ويمنع إعادة نشرمواد هذا المنبر دون ذكر