الأربعاء, 23 تموز/يوليو 2014
الصفحة الرئيسية مفالات الحرية والمسؤولية
مرحبا بكم » رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب-  الإمام الشافعي
مرحبا بكم » في موقعي الشخصي الذي يهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان
الحرية والمسؤولية PDF طباعة أرسل إلى صديق

إن الحرية بمفهومها العام تشكل العمود الفقري في المنظومة الحقوقية، وتندرج ضمن المقومات الرئيسية للمجتمع الديموقراطي، وتعد عنصرا أساسيا لإتاحة المجال للإبداع والخلق، ولا يمكن بدونها تحقيق التطور والتقدم في حياة الإنسان؛ وهي لا تُنتج كل ما تنطوي عليه من قيم ومزايا إلا بارتباطها الوثيق مع المسؤولية التي يحدد مداها القانون.

ولكل من الحرية والمسؤولية أبعاد وجوانب فلسفية وسياسية وقانونية واجتماعية وأخلاقية، ليست هي موضوع هذه العجالة، التي نتوخى منها فقط محاولة تبسيط فكرة الربط بين حق التمتع بالحرية، وتحمل المسؤولية كالتزام ناتج عن ممارسة هذا الحق.

 فإذا كان كل شخص من حقه الطبيعي والقانوني أن يمارس حريته في الفكر والتعبير وفي الانتماء، وفي اختيار المجال المهني الذي يعمل فيه، وفي ممارسة النشاط السياسي والنقابي والثقافي والرياضي والجمعوي الذي يرغب فيه..أو في الإعراض عن ذلك، أو عدم ممارسة أي نشاط، فإن كل شخص إذ يمارس حريته يبقى مسؤولا عن كل ما يصدر عنه، أي أن حريته ليست مطلقة، وأنه لا يمكنه باسم الحرية أن يفعل أي شيء يتبادر إلى ذهنه، أو يروق مزاجه، أو يراود مخيلته، دون أي اعتبار لما قد يترتب عن ذلك من أضرار للآخرين، فالشخص الذي يمر في الشارع العمومي ويرشق الناس بالحجارة، لا يمكن أن يوصف فعله بممارسة الحرية، وإنما يوصف من طرف المجتمع بالجنون، ويكيف قانونا بالاعتداء، الذي يستوجب العقاب، كما أنه لا يمكن التشهير بأعراض الآخرين، والمس بمشاعرهم ومعتقداتهم الدينية، أو السخرية من مقدساتهم، أو النيل من كرامتهم، أومحاولة الإساءة إلى سمعتهم، عن طريق خطابات موجهة إلى العموم، أو عبر مقالات صحفية، أو رسومات كاريكاتورية، أو غيرها، بدعوى حرية التعبير،  لأن الحرية محدودة في إطار ما لا يضر بالآخرين، ولا يحد من حرياتهم، ولا يتجاوز حقوقهم، ولا يمس معتقداتهم الدينية، ولا يحد من ممارستهم لشعائرهم، ولا يخدش مشاعرهم وكرامتهم، ولا يضرب الأسس التي يرتكز عليها المجتمع، وهذه الحدود هي التي يرسمها عادة القانون الذي ينظم حياة الأفراد في الجماعة، ويخول لكل متضرر الدفاع عن حقوقه، والتصدي لأي اعتداء يتعرض له برفع الأمر إلى القضاء، الذي له وحده صلاحية البت في كل نازلة تعرض عليه، طبقا للمقتضيات القانونية.

ودور القانون هو وقاية المجتمع من الاختلال والاضطراب، وصيانة قيمه من العبث، وحماية الأفراد ومصالحهم، وضمان التكافؤ بينهم، وتحقيق التوازن بين المصالح المختلفة، وهو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، كما جاء في الفصل الرابع من الدستور المغربي، لأن السلطة التي تشرع وتصدر القوانين، تكون وفق القواعد الديموقراطية نابعة من الشعب، وممثلة لفئاته المختلفة، فتأتي القوانين معبرة عن الإرادة الجماعية للأمة؛ واحترام سيادة القانون داخل دولة ما من طرف الجميع، حاكمين ومحكومين، مؤسسات وأفرادا، ودونما اعتبار للمواقع السياسية والنفوذ، والأصل السلالي والجاه والمال، هو ما يعرف بدولة القانون.

ومسؤولية الأشخاص عن كل ما يصدر عنهم هي التي تفصل بين العقلانية والتسيب، بين الممارسة المتحضرة، والسلوك البدائي المتوحش، لأن الإنسان حينما يفعل كل ما يمليه عليه مزاجه دون تحكيم العقل، ودون التمييز بين ما ينفع الناس والمجتمع، وما هو مضر بالغير، أو حتى إذا كان قادرا على التمييز وأعرض عنه ليمارس ما تُمليه عليه الأهواء الخاصة، يكون قد غلب عليه السلوك غير المتحضر، بل غير الإنساني، وحماية للمجتمع من الفوضى والعبث والتسيب، يتحمل كل شخص متمتع بقواه العقلية، مسؤولية كل ما يصدر عنه من أفعال وأقوال وكتابات وسلوكيات، ولا مجال للتملص من الأحكام القانونية التي تطال ما يصدر عنه إذا كان مخالفا أو متجاوزا لتلك الأحكام.

وإذا كان من النبل الدفاع عن الحرية كإحدى القيم المرتبطة بكيان الإنسان، والملازمة لحياته، من طرف حقوقيين، أو مناضلين سياسيين، أو نقابيين، أو مثقفين وإعلاميين، فإنه من الوعي والنضج، ومن الشهامة أيضا، ربط الحرية بالمسؤولية، لأنه في هذه الحالة يتحقق كنه الحرية بالنسبة لسلوك الفرد في علاقته بذاته وبمجتمعه، وتتبلور الغاية الاجتماعية والإنسانية من التمتع بالحرية.

وفي البلدان التي تتطلع شعوبها لإقرار الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان، وخاصة في العالم الثالث، يتزايد الاهتمام بالارتباط القائم بين ثنائية الحرية والمسؤولية كوجهين لعملة واحدة، ويأتي ذلك في سياق تطور الثقافة السياسية، واتجاه نحو قيم المواطنة التي ترتبط فيها الحقوق بالواجبات؛ ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى (إعلان كامبالا بشأن الحرية والمسؤولية الاجتماعية) الصادر عن منتدى لمثقفين أفارقة في 29 نونبر 1990، والذي أصبح من الوثائق الدولية لحقوق الإنسان، كما نشير إلى ندوة (نحو صحافة حرة ومستقلة) التي انعقدت بالقاهرة في ماي 2003 بمشاركة نقابة الصحافيين المصريين والمنظمة العربية لحرية الصحافة، والاتحاد الدولي للصحفيين، وفي المغرب خلصت أشغال الملتقى الوطني للصحافة المنعقد في 12 مارس 2005، إلى التأكيد على أن «الحرية كمبدإ أصلي، ترتبط بالضرورة بالتزام المسؤولية، توخيا للتأثير الإيجابي على دينامية الإصلاحات الديموقراطية التي تحياها بلادنا».

ويمكن القول من الناحية النظرية أن التلازم بين الحرية والمسؤولية مبدأ بديهي، غير أن تبلور هذا المبدأ في الحياة العملية، يتوقف على مدى انتشار الثقافة الديموقراطية في المجتمع، ومدى تشبع مختلف الفاعلين بها، وإلى أي حد يترجمونها في سلوكهم اليومي، علما بأن المجتمعات التي لم تستقم فيها الممارسة الديموقراطية بعد، أو تجتاز مرحلة (الانتقال الديموقراطي)، يأخذ فضاء الحريات في الاتساع، وعندما تحرص مختلف مكونات المجتمع على استغلال ذلك في تعزيز المكتسبات، وتعميم وترسيخ الثقافة الديموقراطية، تكون قد اختارت الاتجاه الطبيعي والصحيح، بينما يؤدي الانزلاق في مواقف غير مسؤولة إلى تعطيل البناء الديموقراطي، والتشكيك في مقوماته وآلياته، لدرجة قد تصل إلى حد التيئيس من جدواه، وتترك الباب مفتوحا للعبث الذي لا تستفيد منه سوى طغمة الفاسدين.