السبت, 02 آب/أغسطس 2014
الصفحة الرئيسية دراسات الديمقراطية
مرحبا بكم » رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب-  الإمام الشافعي
مرحبا بكم » في موقعي الشخصي الذي يهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان
الديمقراطية PDF طباعة أرسل إلى صديق
منذ أواخر القرن الماضي أصبح مصطلح ( الديمقراطية ) يُتداول بكثرة في خطابات وأدبيات التيارات التي تسعى ضمن أهدافها المُعلنة إلى بناء أنظمة سياسية حديثة في البلاد العربية والعالم الثالث عموما، غير أنه على مستوى التطبيق والممارسة، غالبا ما تبقى الديموقراطية مجرد حلم يراود المنظرين والمثقفين، وهدف غير متيسر التحقيق بالنسبة للنخب السياسية التي تتطلع إلى التمتع بحقها في المشاركة في تدبير الشأن العام، ولا تجد إلى ذلك سبيلا، بسبب ما يسود من أنظمة وعقليات تولي الاعتبار للأشخاص، أكثر مما توليه للقوانين ومبادئ العدل، وروح المواطنة، وتنعدم فيها أو تضيق المشاركة الجماعية لفائدة النفوذ الشخصي، والعائلي والعشائري، أو النفوذ السلطوي أو المالي، فضلا عما تعرفه المجتمعات المتخلفة عموما من علاقات تكرس سيطرة الأب داخل الأسرة، وسيطرة المعلم على التلاميذ في المدرسة، وسيطرة شيخ القبيلة أو عون السلطة في دائرة نفوذه، وسيطرة المسؤول الأول في الجمعية أو النقابة أو الحزب حينما توجد مثل هذه التنظيمات ... ولهذا نرى رؤساء وقادة يستمرون في مواقعهم، ولا يغادرونها إلا بالوفاة، سواء تم ذلك بتعيين دائم، أو بتكرار " انتخابهم " بالإجماع أو ما يشبه ذلك.

وكل مجتمع أو مؤسسة أو منظمة، تعاني من ظاهرة سيطرة الشخص، أو تعرف في ممارساتها وسلوكيات أفرادها، ترجيح النفوذ الشخصي، أو غيره من أشكال النفوذ الذي لا ينتج عن المشاركة الفعلية للمعنيين بالأمر، لا تخلو من الاستبداد، وبالتالي فإنها حتى ولو أرادت أن تُطلق على نفسها وصف الديموقراطية، فإن ذلك لا يتعدى الناحية الشكلية، أما من حيث الجوهر تبقى غير منسجمة مع هذا الوصف لأن طبيعة العلاقات ونوعية السلوكيات داخلها، غير ديمقراطية.

وقبل أن نتعرض لمقومات النظام الديمقراطي لابد من تحديد مفهوم الديمقراطية:

مفهوم الديموقراطية:

من المعلوم أن مصطلح ( الديموقراطية ) الذي أصبح يُتداول بكثرة في العصر الحاضر ليس جديدا، وإنما هو من أقدم المصطلحات السياسية، حيث يرجع إلى كلمة يونانية مركبة وتعني (حكم الشعب) فكانت أثينا وغيرها من مدن اليونان، منذ القرن السادس قبل الميلاد، تُحكم بواسطة ما عُرف بالديمقراطية المباشرة، وتتجلى في اجتماع الرجال ( دون النساء ) في ساحة عامة، ويقترحون القوانين ويصوتون عليها (السلطة التشريعية)، ويختارون أفرادا منهم يتولون تنفيذ ما وقع حوله الاتفاق (السلطة التنفيذية).

ومن المعلوم أيضا أن فلاسفة اليونان مثل ( أفلاطون ) و ( أرسطو) انتقدوا بشدة الديمقراطية على النحو المذكور، ووصفوها بحكم الجهلاء والدهماء والرعاع، ودعوا إلى حكم الفلاسفة أو حكم العقلاء، وهو نوع الحكم الذي طُبق في العهد الروماني الأول وسيطرت من خلاله الطبقة الأرستقراطية على الحكم.

ولم يستعد المفهوم الأصلي للديمقراطية (أي حكم الشعب) بريقه إلا بعد مرور عدة قرون من الزمن، وجاء اعتناقه في الغرب كرد فعل في مواجهة الأنظمة الإقطاعية وما كانت تتميز به من استبداد وطغيان واحتقار للشعوب، وتطورت أساليب ممارسة الحكم الديمقراطي بحسب تطور المجتمعات التي اعتمدت الديمقراطية منهجا لنظامها السياسي، وعلى مدى الثلاثة عقود الأخيرة سقطت حكومات قوية بأمريكا اللاتينية، وشرق أوربا، وانهار الاتحاد السوفييتي، وإن كان هذا السقوط كما يقول(Francis Fukuyama) لم يفسح المجال في جميع الأحوال لقيام ديمقراطيات ليبرالية مستقرة، والتي تبقى في نظره الأمل السياسي المتسق الوحيد الذي امتد ليشمل مناطق وثقافات مختلفة على صعيد العالم، ويعتقد (Fukuyama) أن الديمقراطية الليبرالية تعتبر مؤشرا على نهاية المطاف للتطور الإيديولوجي للبشرية، ويمثل "الصيغة النهائية لنظام الحكم البشري"(1) .

وبقطع النظر عما يكتنف الرأي السابق من مبالغة في التبشير بمفهوم كوني ونهائي للديمقراطية الليبرالية، فإن التطورات السياسية التي تعرفها معظم دول العالم تسير في اتجاه توسيع مشاركة الشعوب في تدبير شؤونها بنفسها، وهذا ما يسمى بالدمقرطة، وإن كانت وتيرة هذا التطور تختلف من منطقة إلى أخرى في العالم، حيث سارت في أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية بكيفية أسرع، بالمقارنة مع معظم بلدان العالم الثالث، ومنها المغرب والدول العربية، التي تخضع لأنظمة تختلف أشكالها غير أنها ما زالت تتوحد في الابتعاد ـ ولو بتفاوت نسبي ـ عن إرادة الشعوب، التي هي الركن الأساسي في النظام الديمقراطي، وذلك تحت غطاء الدين، أو الاختلاف الثقافي، أو الخصوصية، أو غيرها من الذرائع التي لا تصمد أمام أي نقد موضوعي.

 

وقد ظل المفهوم العام للديمقراطية على مدى القرون، يرتكز في جوهره على تدبير الشعب لشؤونه بنفسه، وتكاد تُجمع كل الكتابات في العصر الحاضر حول هذا الموضوع، بأن الديمقراطية هي (حكم الشعب بالشعب ولمصلحة الشعب)، وهي مقولة لأبراهام لنكولن،(2) الذي استمدها من الأصل اليوناني لكلمة الديمقراطية، غير أن تحليل هذه المقولة، وترجمتها إلى واقع، كثيرا ما اصطدم بالصعوبات الناجمة عن تحديد المقصود بالشعب الذي يفترض أن يتولى الحكم، والمراد بالشعب الذي يجب أن يكون الحكم في مصلحته، وفي هذا الصدد اختلفت المذاهب والتيارات السياسية، واجتهد كل منها في إعطاء الديمقراطية مفاهيم ومضامين من خلال توجهاته الإيديولوجية، وأهدافه السياسية، وكانت هذه الإشكالية تطرح بحدة حينما كانت المنظومة الشيوعية في أوج نشاطها وإشعاعها الإيديولوجي المناهض لليبرالية، إذ كانت تطرح مفهوما خاصا للديمقراطية، يقوم على حصر حق الممارسة السياسية وتولي الحكم في طبقة اجتماعية معينة تدعى ( البروليتارية ) وهي طبقة العمال، أو في تحالف هذه الأخيرة مع الفلاحين الفقراء، وذلك في إطار حزب وحيد، أو جبهة تتكون من تيارات ذات نفس المرجعية الاشتراكية، وتحكم باسم الشعب، ولا تسمح لقوى سياسية أو فئات اجتماعية أخرى بالتعبير عن وجودها، والإفصاح عن خياراتها المخالفة، وتسمي الطبقة الحاكمة طريقتها في الحكم ب (الديمقراطية المركزية) .

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وسقوط جدار برلين، أصبح المفهوم الليبرالي للديمقراطية هو السائد نظريا، والنموذج الذي تسعى الدول الاشتراكية السابقة ومعظم بلدان العالم الثالث للاقتداء به في مجال التطبيق، وهو المفهوم الذي اعتُمد في أوربا الغربية وأمريكا الشمالية منذ قرون.

ويرتكز المفهوم الليبرالي للديمقراطية على فكرة التمثيل أو النيابة، لأنه يتعذر من الناحية العملية أن يتولى الشعب بأجمعه الحكم،  فينتدب ممثلين عنه لمجلس نيابي يختص بالسلطة التشريعية، وتنبثق عن أغلبيته السلطة التنفيذية، أي الحكومة، في حين تكون السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين، وتتعدد الأحزاب السياسية التي تؤطر وتمثل مختلف فئات وطبقات الشعب، وتتنافس في الحصول على أغلبية المجلس النيابي ليؤول إليها حق تشكيل الحكومة، بينما تضطلع الأقلية بدور المعارضة، فتراقب العمل الحكومي، وتطرح البدائل التي تراها مناسبة، أو تعتقد أنها الأكثر جدوى في تحقيق الصالح العام.

ومع استمرار التنافس بين الأحزاب السياسية، واجتهاد كل منها في وضع البرامج التي تتجاوب أكثر مع رغبات المواطنين، وابتكار المناهج الفعالة في تدبير الشأن العام، يتحقق تداول السلطة، وينتقل الحكم إلى المعارضة، ليس عن طريق العنف والإقصاء، وإنما بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التي تجري بشكل دوري، ولا يمكن أن يستمر أي حزب في الحكم، إلا بقدر تفوقه في الاستجابة لحاجات وتطلعات المواطنين، وبالتالي تكون إرادة الشعب هي مناط السلطة.

وهذا المفهوم هو السائد لدى مفكري الغرب المعاصرين، فيرى ( ليبزت) أن الديموقراطية هي النظام السياسي الذي يوفر فرصا دستورية مستمرة لتغيير الحكام، وأنها الآلية الاجتماعية التي تسمح لأكبر نسبة من المواطنين بالتأثير في عملية صناعة القرارات الأساسية، وذلك عن طريق اختيارهم لممثلين من ضمن منافسين مرشحين لشغل وظائف سياسية؛ ويرى ( روبرت دال ) أن الخاصية الأساسية للديمقراطية، تكمن في استجابة نظام الحكم بكيفية مستمرة لخيارات المواطنين، باعتبارهم متساوين سياسيا، وبناء الحكم الديمقراطي يقوم على مبدأي المنافسة العامة، والحق في المشاركة، ويعتبر أن هذين المبدأين أساسا لقياس درجة دمقرطة المجتمعات، ويفترض في نفس الوقت، استحالة أي نظام سياسي في العالم المعاصر، من الوصول إلى المجتمع الديمقراطي المثالي، الذي يتمثل في أقصى درجات المنافسة السياسية والمشاركة الجماهيرية؛ ويضيف (جورج سورينسون) إلى المبدأين المذكورين الحريات المدنية، ويشاطره في ذلك ( ريموند كاستل)  الذي يرى أن للحرية أهمية خاصة في الديموقراطية، وأن مستوى تطبيق النظام الديمقراطي يختلف باختلاف درجات الحقوق السياسية والمدنية.(3)

وقد كانت كلمة الديمقراطية تقحم في عدة مجالات، خاصة في عهد انتشار الإيديولوجيا، فيقال مثلا الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية للتعبير عن نوع من العدالة الاجتماعية، ويقال أن التعليم ديمقراطي، إذا كان يستوعب أبناء كل الطبقات الاجتماعية، ويوصف تسيير مقاولة ما بأنه ديمقراطي، إذا كان يقوم على مشاركة كل العاملين فيها...

غير أن الاتجاه السائد في الفكر الغربي المعاصر هو أن مصطلح الديمقراطية يستعمل للتعريف بنظام سياسي، وأنه يجب الفصل بين المسائل التي تدعى بالديموقراطية الاقتصادية والاجتماعية، عن موضوع جهاز تركيب الدولة، لأنه حسب هذا الاتجاه فإن الاختلاف بين الأنظمة في الأبعاد السياسية للديمقراطية، ليس لها علاقة بدرجة الاختلاف في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، ومن بين أصحاب هذا الاتجاه (لاري دايموند)  و(جوان لينز) و (ليبزت)، ويرى هؤلاء أن الديموقراطية نظام حكومي يجمع ثلاثة شروط أساسية هي: أولا التنافس شامل المعنى والمغزى بين الأفراد والأحزاب، لشغل كل المناصب المهمة في سلطة الحكم، وفي فترات غير متباعدة، وبدون استخدام القوة؛ وثانيا الدرجة العالية من المشاركة السياسية، في اختيار القادة والسياسات، من خلال انتخابات عادلة، تجري في فترات منتظمة، وبصورة لا يمكن فيها استبعاد أي مجموعة سياسية رئيسية؛ وثالثا درجة من الحريات السياسية والمدنية، كافية للتأكد من سلامة المنافسة والمشاركة السياسية.(4)

ومهما تعددت تعاريف الديمقراطية، القديم منها والحديث، فهي تتمحور حول مبدأ أساسي مفاده أن الشعب سيد نفسه ومصيره، فهو الذي يختار حكامه، ويراقبهم ويمتلك سلطة تغييرهم؛ وقد كرس هذا المبدأ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المعتمد في العاشر من دجنبر 1948، حيث نصت المادة 21 منه على أن: «1 ـ لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون بحرية. 2 ـ لكل شخص، بالتساوي مع الآخرين حق تقلد الوظائف العامة في بلده. 3 ـ إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة، تجري دوريا، بالاقتراع العام، وعلى قدم المساواة بين الناخبين، وبالتصويت السري، أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت».

ويمكن أن نضع تعريفا عاما للديمقراطية، فنقول بأنها: نظام سياسي، تتحدد قواعده الأساسية بقانون أسمى يدعى الدستور، ويتيح لكل المواطنين، رجالا ونساء على قدم المساواة، حق المشاركة في تدبير الشأن العام، عن طريق ترشحهم للانتخابات العامة، أو انتخابهم لمن ينوب عنهم في تنفيذ الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يرتضونها، بعد الاطلاع على البرامج والتدابير التي تقترحها الهيئات السياسية المتنافسة، وذلك عن طريق انتخابات حرة ونزيهة، تجري بكيفية دورية، وتكون بمثابة سلطة للناخبين، يتمكنون بواسطتها من الاختيار بين الموافقة على استمرار نفس التوجهات والبرامج، أو تغييرها إذا اعتبروا أن مصلحتهم العامة تقتضي ذلك.

وصور الممارسة الديمقراطية ليست على شكل واحد ثابت لا يتغير، وإنما تختلف من دولة إلى أخرى، بحسب التقاليد والثقافات، وتشمل الاختلافات طرق التعبير عن الإرادة العامة، وأساليب انتخاب المؤسسات التمثيلية، ومناهج عملها، ووسائل مراقبتها لعمل السلطات الموكول إليها التدبير المباشر للشأن العام، غير أنه مهما تعددت أوجه الاختلاف، فإنها تبقى في نطاق النظام الديمقراطي، إذا لم تتعارض مع المبدأ الجوهري لهذا النظام، القائم على ضمان سلطة الشعب في اختيار حكامه، وامتلاكه لزمام أموره، لأن احترام هذا المبدأ نظريا وقانونيا وعمليا، هو ما يميز النظام الديمقراطي عن غيره من الأنظمة.

مقومات النظام الديمقراطي:                         

ونستخلص مما تقدم أن إرادة الشعب هي جوهر النظام الديمقراطي، فهي مناط السلطة، والمرجع لتحديد الخيارات العامة، وبالتالي فإنه لا يكفي لقيام نظام ديموقراطي، وجود دستور ينظم السلطات في الدولة، ومؤسسات لتمثيل المواطنين، وقوانين تسمح بتعدد الأحزاب، و تنص على حرية الصحافة، لأن الآليات والمظاهر التي لا تخلو منها المجتمعات الديمقراطية، قد تبقى فارغة المحتوى، ومجرد واجهات شكلية، لا تعكس المضامين الحقيقية للديمقراطية على أرض الواقع، والتي لا تتحقق إلا بتوفر مجموعة من المقومات الأساسية ومن أهمها:

1) الحريات الفردية والجماعية:

 

الحرية من الحقوق الملازمة لحياة الإنسان، فمن خلالها يستطيع أن يعبر عن حاجاته وطموحاته، ويفصح عن اختياره لأسلوب العيش الذي يريده، ويفجر طاقاته الفكرية والإبداعية، ويمرن قدراته على ابتكار الوسائل الكفيلة بتحسين مستوى عيشه، ويعبر عن رأيه حول ما يجري في محيطه، في مختلف المجالات، وفي طريقة تدبير الشأن العام في مجتمعه، ويدافع عن معتقداته وقيمه، وقد جاء في الجملة الأولى من المادة الأولى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه «يولد جميع الناس أحرارا..».

 

وباعتبار أن إرادة الشعب التي هي العمود الفقري في كل نظام ديمقراطي، فإنه لا يمكن التعبير عنها بوضوح إلا في مناخ الحرية الذي ينبغي أن يسود المجتمع، ويتيح للأفراد والجماعات إبداء آرائهم ومواقفهم دون أي قيد، ويطرحون أفكارهم بعيدا عن أي ضغط، ويناقشون أفكار غيرهم، وينتقدون السلطات العمومية دون خوف من الانتقام أو القمع، ويستطيعون الانخراط أو المساهمة في تأسيس الحزب السياسي، أو التنظيم النقابي، أو الإطار الجمعوي، الذي يتلاءم مع ميولاتهم السياسية، ومصالحهم المهنية، ووضعياتهم الاجتماعية،  وقناعاتهم الفكرية، وطموحاتهم الشخصية.

ولا يتسنى للأفراد والجماعات التمتع بالحرية، إلا بضمان حرية وسائل التعبير عن الآراء والمواقف، وتتمثل بصفة خاصة في حرية الصحافة، وحرية النشر وإصدار الدوريات والكتب، وحرية إنشاء المحطات الإذاعية والتلفزية، وعدم احتكار وسائل الإعلام العمومية من طرف الرأي الرسمي وحده، أو من قبل أي تيار سياسي، وإتاحة المجال للآراء المخالفة، وحرية التواصل والحق في تلقي وتداول المعلومات، عن طريق جميع وسائل الاتصال، وحرية تنظيم التجمعات العمومية، وحرية التظاهر والتجمهر، وحرية شن الإضراب عن العمل، والقيام بالوقفات الاحتجاجية..

وبطبيعة الحال فإن الحريات ليست مطلقة، وإنما تنتهي حرية كل فرد أو جماعة عندما تبدأ حرية الآخرين، كما أن الحرية لا تعني عدم المسؤولية، فلا يمكن باسم الحرية الاعتداء على حقوق الغير، أو المساس بكرامتهم، أو انتهاك حرماتهم، ولذلك يعرف البعض الحرية بأنها« قدرة الشخص على التصرف بما لا يضر الآخرين »(5)، وانطلاقا من هذا المفهوم تضع الأنظمة الديمقراطية القوانين التي تنظم الحريات الفردية والجماعية، لتكون أداة تساعد الأشخاص والهيئات والصحافة ووسائل الإعلام والاتصال على المساهمة في تطوير المجتمع والنهوض به، وتضع الضوابط التي تحول دون خلق الفتن داخله، وتحدد القواعد التي تسري على الجميع بالتساوي، ودون أي ميز على أساس السلطة، أو النفوذ، أو الجاه، أو الجنس، أو اللون، أو المعتقد الديني، أو الانتماء السياسي، أو النقابي..

ولا يكفي بطبيعة الحال سن القوانين التي تنص على ضمان الحريات الفردية والجماعية، وتحدد القواعد والضوابط المتعلقة بممارستها، وإنما لابد من احترام مضامينها على أرض الواقع، وعدم تجاوز مقتضياتها في الحياة اليومية، لأن القوانين التي لا تُحترم أو لا تسري في مواجهة الجميع، لا يكون لوجودها أي مدلول، وبالتالي حينما تمنع الصحف عن الصدور، ويتم اعتقال الصحفيين بسبب ما يعبرون عنه من آراء معارضة للسياسات المتبعة، أو منع تظاهرات سياسية، أو عروض فنية، بدعوى انتقادها لأسلوب الحكم، أو سخريتها من بعض الممارسات الصادرة عن السلطات العمومية، أو مواجهة الوقفات الاحتجاجية، وتفريق المسيرات السلمية، باستعمال العنف والقمع، مثل هذه الظواهر تتنافى مع الممارسة الديمقراطية السليمة، وتكشف عن وجه استبدادي قد يكون مستترا وراء قوانين ليس لها سوى وجود شكلي، ولا تجد صداها في مجال التطبيق.

 

2)التعددية الحزبية:

 

التعدد والتنوع والاختلاف من الظواهر الطبيعية في أي مجتمع بشري، فمهما كانت القيم المشتركة التي تسود المجتمع، فإن مصالح الناس تختلف وتتعارض، واهتماماتهم تتباين، والقضايا التي تنشغل بها جماعة ما، تتعدد تصوراتهم حولها، وتتنوع اجتهاداتهم في طرق تناولها، وأساليب التعامل معها.

وإذا كان نظام الحكم الفردي، أو الحزب الوحيد، يجعـل الفـرد أو الحـزب ”ينوب“ عن الأمة بمجموعها، دونما اعتبار للتباينات الاجتماعية، والاختلافات الفكرية والمذهبية، ويدير الشأن العام وفق منهج أحادي لا يتغير إلا في حالة تغيير النظام من جذوره، فإن النظام الديمقراطي يقوم على الإقرار بالتنوع والتعدد، والأحزاب السياسية هي التي تتبلور من خلالها رغبات وتوجهات مختلف الطبقات الشعبية، ولا تحظى بشرف النيابة عن الشعب إلا الأحزاب التي تتجاوب اجتهاداتها وبرامجها أكثر مع طموحات ورغبات الأغلبية.

والحزب كما يقول (Maurice Duverger) هو الأداة الرئيسية للنشاط السياسي الشعبي في الدولة الحديثة، وهو ظاهرة سياسية برزت مع ظهور الديموقراطية في أوروبا، وانتشرت منها إلى قارات أخرى، والحزبية السياسية مرتبطة بالحرية السياسية، التي من مظاهرها تعدد الأحزاب،  سواء كانت تعددية ثنائية، أو تعددية أوسع.(6)

ولا يمكن تصور قيام نظام سياسي ديموقراطي دون تعددية حزبية، أي دون وجود أحزاب سياسية تعكس طبيعة المجتمع، وتعبر عن واقعه، وما يسوده من  تباينات اجتماعية، واختلافات بين المذاهب والتيارات السياسية المتعددة، وتباشر الأحزاب في نطاق القانون، عملها في تأطير وتمثيل المنخرطين فيها، والمناصرين لمبادئها وطروحاتها، والدفاع عن مصالحهم الاجتماعية، وتصوراتهم المشتركة فيما يتعلق بتدبير الشأن العام، وذلك من خلال التوجهات التي تتبناها، والبرامج التي تقترحها، وتعلن عنها للرأي العام.

وبهذا المفهوم فإن التعددية الحزبية تنبع بتلقائية من حاجات المجتمع، ومن رغبات وتطلعات فئاته، فكل شخص لا يستطيع بمفرده أن يشكل قوة ضاغطة للدفاع عن مصالحه بشكل فعال، داخل مجتمع تتناقض فيه المصالح، ولا يستطيع إعطاء الحياة والحضور لأفكاره في محيط تتجاذبه عدة تيارات، فينتظم داخل مجموعة تشاطره نفس الأهداف، وينسجم أو يقترب مذهبها مع ما يراوده من أفكار، وتتجاوب برامجها مع ما يسكنه من آمال وطموحات، ومن خلال المجموعة يمكن التعبير عن الذات بصوت يتحدد مستوى صداه ومدى تأثيره، بحسب قوة ووزن المجموعة داخل المجتمع.

وهكذا تتكون مجموعات في إطار تنظيمات سياسية تسمى الأحزاب،   وتختلف في توجهاتها وتصوراتها باختلاف المصالح والأهداف المشتركة التي تربط بين الفئات المكونة لها ، ويتسع أو يضيق الحزب السياسي بحسب نسبة المتجاوبين مع مبادئه وبرامجه، الأمر الذي يتوقف على مدى قدرته على التواصل مع المواطنين، وإقناع الرأي العام بصواب خياراته، وجدوى ما يبتكره من تدابير لمعالجة القضايا التي تهم أوسع الشرائح الاجتماعية.

وفي العهد الكولونيالي، تأسست بعض الأحزاب السياسية في البلدان التي خضعت للاحتلال الأجنبي، انطلاقا من حاجة الشعوب للتحرر من ربقة الاستعمار، ورغبتها في الحرية والانعتاق، كحزب الاستقلال في المغرب، وجبهة التحرير الوطني في الجزائر، والحزب الحر الدستوري في تونس، وحزب الوفد في مصر... وكان العمل الحزبي يقتضي السرية في كثير من الأحيان، ويقوم على التضحية التي قد تصل إلى حد الاستشهاد في سبيل الوطن.

أما في العصر الحاضر فإن الأحزاب السياسية تتأسس انطلاقا من حاجة الطبقات الاجتماعية للدفاع عن مصالحها، والاختلاف في المصالح، والتباين في التوجهات والمناهج، يؤدي بشكل تلقائي وطبيعي إلى التعددية الحزبية، ولا يتم الدفاع عن المصالح المتعارضة عن طريق التطاحن والصراع الطبقي، كما كانت تدعو إلى ذلك المدرسة الماركسية، وإنما عن طريق التنافس الشريف بين الأحزاب السياسية في إطار القانون، من أجل الوصول إلى السلطة، لتدبير الشأن العام، واعتماد الخيارات والمناهج التي ترى أنها هي الأصلح لتحقيق التطور والتنمية، وفق تصوراتها وأهدافها الخاصة.

وفي البلدان التي لم تترسخ فيها الممارسة الديمقراطية السليمة، قد تتأسس بعض الأحزاب بإيعاز ودعم من السلطات العمومية، وفي هذه الحالة يكون وجودها خارج نطاق التعددية الديمقراطية، لأنها تنطوي على اختلاق قوى سياسية مزيفة، لتمييع التعددية التلقائية، ولمساندة الطائفة الحاكمة التي تصنع لنفسها أغلبية وهمية، تتمكن من خلالها أن تكرس اغتصابها للحكم، وفرض اتجاه أحادي استبدادي في إطار ديمقراطية شكلية مزيفة، ضدا على إرادة أغلبية الشعب، التي هي مناط السلطة في النظام الديمقراطي.

ويمكن أن تتعدد الأحزاب السياسية، بسبب الانشقاقات والانقسامات التي تحصل داخل بعض الهيئات، كنتيجة للخلافات الشخصية بين أعضاء قياداتها، أو بسبب غياب الممارسة الديمقراطية السليمة داخل تنظيماتها، مما يؤدي إلى استنساخ هيئات سياسية تضيف أرقاما إلى المشهد الحزبي، ولكنها لا تقدم أي أطروحة جديدة، ولا تتمكن من اقتراح أي اجتهاد مغاير لما كان موجودا من قبل، وبالتالي تكون التعددية الناتجة عن هذه الحالات مجرد تشتيت للقوى السياسية الذي لا يخدم الديمقراطية في شيء.

 

3)الانتخابات الدورية وتداول السلطة:

الانتخابات العامة هي الآلية التي يتمكن من خلالها كل مواطن يتمتع بصفة ناخب، من المشاركة في تدبير الشؤون المحلية أو الوطنية، وذلك بكيفية مباشرة بالترشيح للانتخابات، فيتحمل المسؤولية التمثيلية، والنيابة عن المواطنين في القرار والتسيير، في حالة فوزه وحصوله على ثقة الناخبين، أو بكيفية غير مباشرة، بالمشاركة في التصويت، وتزكية المرشح أو لائحة المرشحين الذين يقترحون البرنامج الذي ينسجم أكثر مع توجهاته وطموحاته.

وإجراء الانتخابات بكيفية دورية، أي بعد كل فترة زمنية محددة قانونا، تصل إلى أربع أو خمس سنوات، يرسخ سلطة الاختيار بين أيدي الناخبين، ويجعل الثقة التي تمنحها أغلبيتهم لحزب، أو ائتلاف حزبي معين، غير مطلقة، وإنما محددة في مدة الولاية الانتخابية، ففي حالة الوفاء بالالتزامات المعلن عنها خلال الحملة الانتخابية، وتحقيق نتائج تعتبرها أغلبية الناخبين مرضية، تتجدد الثقة، وإذا ذهبت كل الوعود أدراج الرياح، وكانت النتائج سلبية في نظرهم، فإنهم يعاقبون الحزب أو الائتلاف الحزبي الذي سبق أن حظي بثقتهم، بسحب هذه الثقة، ومنحها لحزب أو ائتلاف آخر.

وبإعمال الدينامية المذكورة، لا يمكن احتكار تسيير الشأن المحلي أو الشأن العام من طرف نفس الأشخاص أو نفس الحزب أو التحالف، لأن الهيئة الناخبة تتوفر على أداة للمساءلة، وتمتلك سلطة الاختيار، ولها الحق في التغيير عندما ترى أن المصلحة العامة تقتضي ذلك، ويؤدي التغيير إلى ما يعرف بتداول الحكم، أي الانتقال السلمي لسلطة القرار السياسي من تيار إلى آخر وفق إرادة الناخبين، التي تفرزها صناديق الاقتراع، في انتخابات حرة ونزيهة.

وبذلك يختلف النظام الديمقراطي عن غيره من الأنظمة التي يسودها اتجاه أحادي، ولا تتغير فيها الطبقة الحاكمة إلا عن طريق العنف أو الضغط العسكري، أو أي صورة من صور الإجبار أو الإكراه، التي قد يتم اللجوء إليها من طرف أي قوى سياسية لا تقبل الاحتكام إلى إرادة الشعب في انتخابات عامة.

وبتداول الحكم كذلك، يتميز النظام الديمقراطي السليم عن الديمقراطيات المغشوشة، والتي يتم فيها اغتصاب سلطة الحكم عن طريق تزوير الانتخابات، وتنصيب مؤسسات تمثيلية صورية لا تعكس الإرادة الحقيقية للشعب، أو بتعيين لجان أو إحداث مؤسسات وإطلاق وصف "الشعبية" عليها، دون أن يكون للشعب رأي في طبيعة اختصاصاتها، ولا في اختيار أعضائها، ويتم بذلك تكريس الخيارات والتوجهات التي تريدها الطبقة الحاكمة، ولو لم تتلاءم مع طموحات أغلبية الطبقات الشعبية.

و بمزية تداول الحكم التي لا تقوم للديمقراطية قائمة بدونها، تعرف الحياة السياسية حيوية متواصلة، ومن خلال التنافس بين الأحزاب تتطور الاجتهادات، ويتحسن أداء المسؤولين الذين يتمكنون من الوصول إلى مواقع القرار، لشعورهم بما يربطهم من التزامات مع الهيئة الناخبة، وبكونهم تحت مراقبة الرأي العام، وعرضة للمساءلة ، مما يقلل الانزلاقات في مهاوي الفساد من جهة، ويحول دون التراخي والجمود، و يساعد على الدفع بعجلة التقدم إلى الأمام من جهة أخرى.

غير أن تحقيق التداول السلمي للسلطة على النحو المذكور، يتوقف على شرطين أساسيين:

أ ـ قيام التنافس الشريف والمتكافئ بين أحزاب وكتل سياسية لها وجود فعلي، وتتمتع بالاستقلال الكامل عن السلطات العمومية، في قراراتها ومواقفها وخياراتها، وتزاول أنشطتها بالاعتماد على وسائلها الذاتية، وفي إطار القانون الذي يضمن المساواة والتكافؤ بين جميع الأحزاب السياسية، وترتكز في تمثيليتها على النتائج التي تحصل عليها في الانتخابات العامة.

ب ـ إجراء انتخابات دورية، نزيهة وشفافة، وممارسة الناخبين لحقهم في التصويت في جو من الحرية، وبعيدا عن أي ضغط أو إكراه، إداري، أو مالي، أو قبلي أوعشائري، أو غير ذلك من أشكال الضغوط والعوامل التي تؤثر على الإرادة الحقيقية لكل ناخب.

وبتحقق الشرطين السالفي الذكر، يتوفر المناخ الطبيعي لتداول الحكم بشكل تلقائي، وتنتقل السلطة بكيفية سلمية، وفي إطار المشروعية، التي تستند على الإرادة الحرة للناخبين، وفي ظل سيادة القانون الذي يتساوى أمامه الجميع.

وتجدر الإشارة إلى أنه بعد أن عرف المغرب إجهاض الخطوات الأولى نحو الديمقراطية في بداية الستينات من القرن العشرين،  وبعد وصول ديمقراطية الواجهات الشكلية إلى الباب المسدود، واقتربت البلاد بسبب التدهور الاقتصادي والاجتماعي، إلى ما وصفه الملك الراحل الحسن الثاني بالسكتة القلبية، وأمام التحولات الكبرى التي شهدها المحيط الدولي، بدأ التفكير مع بداية التسعينات، في استقطاب نخب جديدة للمساهمة في تدبير الشأن العام، في محاولة لإضفاء نوع من المصداقية على المؤسسات الشكلية للديمقراطية الموجهة، وبالتالي لم تكن الغاية هي فتح المجال للتداول التلقائي الذي تفرزه صناديق الاقتراع في انتخابات حرة ونزيهة، كما تقتضي ذلك القواعد الديمقراطية، وإنما كان الهدف ينحصر في إشراك أحزاب المعارضة في الحكومة،  عن طريق نفس الأسلوب القديم المتمثل في تحديد الخريطة السياسية قبل إجراء الانتخابات التشريعية، التي تبقى مجرد عملية شكلية، تتحكم فيها السلطة ولا تخرج نتائجها العامة عن التوزيع المحدد من قبل، والذي يمر من مرحلتين: أولاهما تتمثل في صنع قوى سياسية وهمية باختلاق السلطة لحزب أو أحزاب مزيفة تعرف بالأحزاب الإدارية، والمرحلة الثانية، هي تزييف الانتخابات لفائدة الصنف الذكور من "الأحزاب"، وبعد الفشل في قيام تناوب "مخدوم" في سنة 1994 وسنة 1995، أجريت انتخابات تشريعية سابقة لأوانها سنة 1997، غير أنها كانت أسوأ من سابقاتها، وباستعمال آليات أشد للتحكم في النتائج،(7) التي أدانتها أحزاب الكتلة الديموقراطية،وهي حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديموقراطي الشعبي، غير أن الأحزاب الثلاثة الأولى شاركت في الحكومة، بعد تعيين الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي وزيرا أولا، وباعتبار أن تلك الحكومة لم تكن نابعة من صناديق الاقتراع، فقد أطلق عليها المعتدلون (حكومة التناوب التوافقي)، ونعتها عدد من المهتمين والمتتبعين للمشهد السياسي في المغرب، بأنها حكومة تناوب مخزني ممنوح، أو تناوب فوقي، أو قيصري (نسبة إلى عملية قيصرية)، أو التناوب (الحتمية، الإرادي ـ الممنوح أو التعاقدي ـ الفوقي) المندرج في متاهة البحث عن الحل السياسي(8)، وهناك من وصفها بالمسار التكتيكي والاستراتيجي للانتقال العسير(9)، وهناك من  اعتبر أن التجربة لا تحمل أي جديد، وأن "التغيير الوحيد هو تغيير الذين أتوا بقصد التغيير"، وليس هناك تناوب وإنما المعارضة "تمخزنت"، (10) .

وفي جميع الأحوال فإن ما سمي بحكومة (التناوب التوافقي) التي شكلت سنة 1998، بمشاركة أحزاب المعارضة الرئيسية، لا علاقة لها بتداول الحكم بالمفهوم الديمقراطي، بل إن كلمة التناوب في حد ذاتها، والتي أقحمت تجاوزا في وصف تلك الحكومة، لا تفي في اعتقادي بالمعنى الدقيق والمفهوم الاصطلاحي لتداول الحكم كأحد المقومات الأساسية للنظام الديموقراطي، وحتى الذين راهنوا على الانتقال من (التناوب التوافقي) إلى التناوب الديموقراطي الذي تفرزه صناديق الاقتراع، خاب ظنهم لأن ما حصل بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2002، رغم أنها كانت أقل سوءا من سابقاتها، هو الانتقال مما سمي بالتناوب التوافقي، إلى اللا تناوب، أو إلى مرحلة تخرج عن أي سياق منطقي وتمتنع عن الوصف (11).

 

4)فصل السلط واستقلال القضاء:

إن تسيير شؤون الدولة العصرية، يرتكز على قواعد دستورية، تنظم السلطة السياسية في إطار ضوابط وأنظمة، تعمل وفق أحكامها وفي نطاقها، وتتجه الدساتير في الأنظمة الديموقراطية، للحد من تضخم السلطة على حساب الحرية، وعلى حساب إرادة الشعب التي هي أصل السلطة، ولهذا الغرض وقع استنباط عدة آليات تستهدف التنظيم الداخلي للسلطة السياسية ذاتها، وذلك بتوزيع الصلاحيات والاختصاصات بين أجهزة تتمتع بكياناتها المستقلة عن بعضها البعض، مع ضمان التوازن فيما بينها، حتى لا تطغى أي واحدة منها على الأخرى، ولا يتم التفاعل والتعامل بينها إلا في إطار المقتضيات التي يحددها الدستور والقوانين،  ويتولى أحد هذه الأجهزة وضع القواعد العامة، وإصدار التشريعات الضرورية لسير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية،  والجهاز الذي يتولى هذا الاختصاص يسمى السلطة التشريعية، ويتولى جهاز آخر السهر على تنفيذ البرامج والقوانين الموضوعة، ويسمى السلطة التنفيذية، أما البت في المنازعات، أو في حالة الاختلاف حول مضامين القوانين، فيرجع لجهاز ثالث وهو السلطة القضائية.

ومن المبادئ الأساسية التي لا يُتصور قيام نظام ديمقراطي بدونها، مبدأ فصل السلط، الذي يعني عدم جمع السلط المذكورة في يد واحدة، وبالتالي لا يمكن أن تكون الجهة التي تتولى التشريع في الدولة هي نفسها المسؤولة عن التنفيذ، ويرجع إليها كذلك الفصل في المنازعات،  ومعروف في تاريخ الفكر السياسي أن الدعوة إلى هذا المبدأ ترجع إلى الكاتب والفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو Montesquieu  (1689 ـ 1755) ضمن كتابه الشهير (روح القوانين)، حيث يقول إن السلطة بطبيعتها تغري بالانحراف، وأن تجميع السلطات في يد واحدة، يضاعف من خطر الاستبداد، والوسيلة المثلى لمنع ذلك، هي توزيع السلطات بين هيئات مختلفة، وكان لنظرية (مونيتسكيو) في فصل السلطات أثر كبير على الثورتين الأمريكية والفرنسية.

وباعتماد مبدأ فصل السلط، يتميز النظام الديمقراطي عن الأنظمة ذات السلطة المطلقة، والتي تعرف بالحكم المطلق أو الحكم الفردي، حيث تجتمع كل صلاحيات الحكم في يد واحدة، ولا يبقى هناك مجال للمراقبة والمساءلة، أو الانتقاد والمعارضة، وتطغى القوة المستحوذة على كل السلطات، وتستبد بكل شيء، ويتخذ الحكم الصبغة الديكتاتورية التي هي نقيض الديمقراطية.

ويتم تنظيم السلطات وتوزيعها في الأنظمة الديموقراطية، بإسناد السلطة التشريعية لمؤسسة منتخبة تدعى البرلمان، الذي يتكون من مجلس أو مجلسين، ويتولى نيابة عن الشعب الذي انتخبه لمدة محددة، إقرار السياسة العامة من خلال الثقة التي يمنحها للحكومة، وإصدار القوانين التي تهم مختلف المجالات، كما يقوم البرلمان في نطاق صلاحياته النيابية بمراقبة الحكومة، التي تنبثق عن الأغلبية البرلمانية، وتشكل السلطة التنفيذية التي تتولى السهر على تنفيذ السياسة العامة والقوانين التي يقرها ويصدرها البرلمان.

ونظرا للأهمية التي يكتسيها القضاء كضمانة لاحترام حقوق وحريات ومصالح الأفراد والجماعات، وباعتباره الآلية المعهود إليها بضمان سيادة القانون، ومساواة الجميع أمام مقتضياته، فلابد أن تتولاه سلطة تتمتع بكامل الاستقلال عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولهذا تحرص معظم الدساتير على التنصيص الصريح على مبدأ استقلال السلطة القضائية(12) ومعنى الاستقلال أنه لا يجوز باسم أي سلطة سياسية أو إدارية، أو أي نفوذ مادي أو معنوي، التدخل في أي عمل من أعمال القضاء، أو التأثير عليه بأي شكل من الأشكال، ولا يجوز لأي شخص أو مؤسسة من السلطة التنفيذية، ولو كان وزير العدل أو رئيس الدولة، أن يتدخل لدى القضاء بخصوص أي قضية معروضة عليه للبت فيهـا، أو ممارسة ضغط مباشر أو غير مباشر للتأثير على المحاكم فيما تصدره من أحكام قضائية، وألا يخضع القضاة وهم يزاولون مهامهم إلا لضمائرهم، ولا سلطان عليهم لغير القانون.

ولضمان الاستقلال التام للسلطة القضائية، لابد من إسناد كل ما يتعلق بتسيير الجهاز القضائي، ، إلى هيئة عليا تتكون من القضاة أنفسهم، ولا تتدخل في شؤونها أي سلطة أخرى، ولا أي جهة من خارج القضاء، وتتولى هذه الهيئة البت في الوضعيات الإدارية والمادية للقضاة بجميع مستوياتهم، واتخاذ القرارات المتعلقة بترقياتهم، أو بتغيير أماكن عملهم، أو بتأديبهم عندما يثبت لها ما يدعو إلى ذلك، دون أن يكون لأي سلطة أخرى حق التدخل أو التأثير أو التوجيه، لا في تسيير الجهاز القضائي، ولا فيما يزاوله القضاة من عمل، وما يصدرونه من أحكام. كما يجب أن تسهر نفس الهيئة على أن توفر للقضاة الظروف الملائمة،  والوسائل المادية والمعنوية التي تصون كرامتهم، وتحصنهم في مواجهة أي إغراء أو تأثير يمكن أن يمارس عليهم من لدن ذوي النفوذ، أو المال، أو الجاه.

وتجدر الإشارة إلى أنه في كل من مصر والأردن ولبنان، يترأس المجلس الأعلى المشرف على سير شؤون القضاة، رئيس محكمة النقض (أو محكمة التمييز كما تسمى في بعض القوانين العربية)، ولا يتكون المجلس في الدول المذكورة إلا من القضاة، بينما في المغرب يترأس المجلس الأعلى للقضاء الملك، وينوب عنه وزير العدل، وفي تونس يترأس المجلس وزير العدل.

5) حكومة سياسية مسؤولة ومتضامنة:

تنبثق الحكومة في النظام الديموقراطي من الأغلبية البرلمانية، وبالتالي فإنها لا يمكن إلا أن تعكس الخريطة السياسية التي تفرزها صناديق الاقتراع، فتتكون من الحزب أو الائتلاف الحزبي الذي تتشكل منه الأغلبية، لأن مزاولة الحكومة لمهامها مشروط بحصولها على ثقة البرلمان، وبهذه الطريقة تكون الهيئة الناخبة هي التي تختار التوجهات العامة، والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعتبرها هي الأصلح لتدبير الشأن العام، وذلك بعد المقارنة بين الخيارات التي تتبناها الأحزاب السياسية المتنافسة، ومن خلال البرامج المرحلية، والتدابير الظرفية، التي تقترحها هذه الأحزاب في الحملة الانتخابية.

والأغلبية التي تنبثق عنها الحكومة لا تعني مجرد عملية تجميع عدد من البرلمانيين يفوق 50% من العدد الإجمالي للأعضاء الذين يتكون منهم المجلس الذي يمنح الثقة للحكومة، وإنما لابد من وجود تناغم فكري، وقواسم مشتركة في البرامج، وأهداف سياسية موحدة بين مكونات الأغلبية، ولذلك فإنه كلما تزايد عدد هذه المكونات، إلا وتضيق فرص توفر الانسجام في الائتلاف الحكومي، مما يؤثر بكيفية سلبية على أدائه.

وفي سائر الأحوال فإن الحكومة لا يمكن إلا أن تكون سياسية، وتلتزم أمام الشعب بإنجاز برنامج محدد، الأمر الذي يقتضي أن يكون جميع أعضائها نابعين من الأغلبية، ويتمتعون بتمثيلية حقيقية داخلها، ولهم حضور في الحياة السياسية للبلاد باسمها، ويخضعون للمراقبة والمساءلة داخل أحزابهم، ويدركون حق الإدراك بأنهم مطالبون من خلال تلك الأحزاب بتقديم الحساب في آخر الولاية التشريعية للناخبين الذين ترجع إليهم كلمة الفصل.

والحكومة السياسية هي التي تتحمل كامل المسؤولية في تنفيذ برنامجها، ومسؤولة عن السير العام للجهاز التنفيذي للدولة، فلا يمكن على سبيل المثال أن تحدث حالات من الاختفاء القسري أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، دون أن يكون لها علم بذلك، ولا يمكنها التهرب من مسؤولية منع أو قمع أو استعمال العنف في مواجهة مسيرات الاحتجاج التي ينظمها بعض المواطنين، ولا يمكنها الادعاء أمام الناخبين، وأمام الرأي العام، بعد انتهاء ولايتها، أنها لم تكن مسؤولة عن بعض القطاعات، أو أن هناك جيوبا كانت خارجة عن مراقبتها، أو أنها لم تكن على علم بطرق تدبيرها، لأن آلية الانتخابات في أي منظومة ديمقراطية، بالإضافة إلى ضرورة نزاهتها، فهي بمثابة توكيل لحزب أو أحزاب الأغلبية لتحمل مسؤولية التشريع والتدبير في سائر مجالات الشأن العام، وفي كل ما يمس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مصالح وحريات وحقوق الأفراد والجماعات.

ويتحمل أعضاء الحكومة السياسية مسؤولية تدبير الشأن العام بالتضامن فيما بينهم، وباعتبارهم جميعا نابعين من الحزب أو الأحزاب المكونة للأغلبية، فإنه لا يمكن لأي حزب مشارك في الحكومة الادعاء بأن مسؤوليته محدودة في القطاعات التي يشرف عليها بكيفية مباشرة.

وتجدر الإشارة إلى أن وجود ما تسميه بعض الصحف في المغرب ب (وزراء السيادة)، لا يستند على أي أساس في الدستور المغربي، ووجود وزراء ممن يطلق عليهم الوصف المذكور في الواقع يخل بمبدأ التضامن والمسؤولية المشتركة للهيئة الوزارية، التي من المفروض وفق القواعد الديمقراطية، أن تكون نابعة من إرادة الناخبين، وتتكون في مجموعها وليس فقط بعض أفرادها من الحزب أو الائتلاف الحزبي الذي تتشكل منه الأغلبية المنبثقة من صناديق الاقتراع.

وبالنسبة لما يسمى ب (الحكومة التقنوقراطية) أو (الوزراء التقنوقراطيين) فإنه يخرج عن نطاق النظام الديمقراطي، لأن المساهمة في تدبير الشأن العام من موقع القرارات السياسية في هذا النظام، تجد سندها ومشروعيتها في الصفة التمثيلية، التي لا يُتصور وجودها خارج نطاق العمل السياسي، الذي تؤطره الأحزاب الخاضعة للمراقبة والمحاسبة من طرف الرأي العام عن طريق وسائل الإعلام، وعند إجراء الانتخابات العامة، وبالتالي فإنه لا معنى مثلا لتعيين مهندس فلاحي على رأس وزارة الفلاحة، بدعوى أنه (تقنوقراطي)، في حين أنه يمكن للمهندس الفلاحي أن يتولى حقيبة وزارة الفلاحة أو غيرها من الوزارات، إذا كان يزاول العمل السياسي في إطار إحدى الهيئات التي تتكون منها الأغلبية؛ كما أنه لا معنى لوجود وزراء (لامنتمين) أو (محايدين) لأنه إذا كان من حق كل شخص أن  يختار بحرية عدم الانتماء لأي حزب سياسي، أو الحياد في مواجهة التيارات الموجودة، فإن هذا الاختيار يعني عدم الرغبة في ولوج المنافسة السياسية، إما لعدم الاقتناع بأي اتجاه من الاتجاهات المتنافسة، أو لعدم الاهتمام بالشأن السياسي أصلا، وبالتالي عدم الانشغال بالنشاط الذي يؤهل وفق القواعد الديمقراطية لتولي المناصب السياسية.

6)ضمان حقوق الأقلية:

إذا كانت الأغلبية البرلمانية هي التي تنبثق عنها الحكومة، وهي التي تحسم داخل السلطة التشريعية في تحديد أولويات التشريع، وتوجهاتها واختياراتها هي التي تسري في تحديد مضامين القوانين،  والمشاريع التي يناقشها البرلمان ويصادق عليها، فإن هذه الامتيازات التي تستمدها من تمثيليتها الواسعة للمجتمع، لا تعني الهيمنة المطلقة، لأنه إذا كان من الممكن تحقيق الإجماع حول بعض المشاريع، أو بالنسبة لبعض القضايا، فذلك لا يحدث إلا في حالات محدودة، ولا تكون ظاهرة الإجماع بارزة إلا في مجتمع الرأي الواحد المناقض للمجتمع الديمقراطي القائم على التعددية، ومهما اتسع حجم الأغلبية، يبقى دائما هناك رأي مخالف تمثله الأقلية، ولا يمكن إلغاؤه، أو عدم إعطائه أي اعتبار، لأن الأقلية هي كذلك منتخبة، وتمثل شرائح معينة في المجتمع، واختلافها مع الأغلبية يجعلها تقوم بدور المعارضة التي يجب أن تتمتع بكامل الحرية في التعبير عن توجهاتها المخالفة، وإبداء انتقاداتها لبرنامج وأداء الحكومة، والتعريف بالبدائل التي تقترحها، والتنبيه لما تعتبره من قبيل الأخطاء، أو التقصير في تحمل المسؤوليات الحكومية، والمطالبة بتجنب الثغرات، وتلافي السلبيات، وبذلك فهي تؤدي خدمات لا يمكن الاستهانة بها في إغناء العمل الحكومي نفسه، وفي خدمة الصالح العام.

 

ومن حقوق الأقلية العمل بكل الوسائل المشروعة، على أن تصبح أغلبية، ومن أهم هذه الوسائل، حرية الاتصال بالمواطنين، لتنظيمهم والمساهمة في تأطيرهم، وإبلاغهم أفكارها، والعمل على إقناعهم بجدوى برامجها، وما تبتكره من اجتهادات مخالفة لتوجهات الأغلبية، وما تقترحه من حلول وتدابير لمواجهة ما قد يسود المجتمع من مشاكل ومعضلات اجتماعية واقتصادية أو غيرها، وإذا استطاعت أن تقنع أوسع الفئات الاجتماعية بصواب خياراتها، ونجاعة بدائلها، فإنها يمكن أن تحصل على ثقة أغلبية الناخبين في الانتخابات العامة الموالية، وتنتقل تبعا لذلك من موقع المعارضة إلى الحكومة، في إطار التداول الديمقراطي للحكم الذي يرتكز على إرادة الشعب، وفي ظل سيادة القانون، وبعيدا عن العنف والتسلط.

7) شفافية تدبير الشأن العام:

إن تدبير الشأن العام في النظام الديمقراطي، لابد أن ينطلق من مبدأ أساسي، وهو أن كل شيء يهم الشعب، باعتبار أن الحكومة التي تتولى السلطة التنفيذية، تزاول مهامها نيابة عن الشعب، وبناء على الثقة التي يمنحها لها ممثلوه في البرلمان، وهو المعني بما تسهر على تنفيذه من برامج ومشاريع، ومعني بسير كل الأجهزة والمرافق التي تدير الحكومة بواسطتها سياستها العامة، وبالتالي فإن للشعب كل الحق في تتبع ومراقبة سير العمل الحكومي في كلياته وجزئياته، وحتى يتسنى له ذلك لابد من إضفاء الشفافية الكاملة على سير مختلف الإدارات والمؤسسات الحكومية بجميع مستوياتها وأنواعها، أي أن عملية صنع القرارات، وإنجاز الأعمال، والعلاقات داخل هذه المرافق، والروابط التي تجمعها بالخواص، يجب أن تكون مكشوفة، تتيح لمن لهم المصلحة وللرأي العام الحصول على المعلومات وتداولها، وتسمح لذوي الشأن بكشف المساوئ والسلبيات والتنبيه إلى ذلك، عن طريق المساءلة داخل المؤسسات التمثيلية، أو في إطار المواقف التي تتخذها الأحزاب السياسية، وهيئات المجتمع المدني، وما تنشره وتتداوله الصحافة ووسائل الاتصال المختلفة.

والشفافية التي تعني إدارة الشأن العام بطريقة مكشوفة، والتدفق الحر للمعلومات، وتداولها من طرف الرأي العام، ليست ضرورية فقط للمراقبة والمساءلة، وإنما كذلك لتمكين المعارضة من إعداد تصوراتها، وما تطرحه من بدائل، بناء على معطيات صحيحة، مما يساعدها على القيام بدورها بكيفية جادة وموضوعية، ولا يبقى نشاطها منحصرا في ترديد الشعارات، والخوض في العموميات.

8)  سيادة القانون:

القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، كما ورد في الفصل الرابع من الدستور المغربي، فهو يصدر عن السلطة التشريعية المنتخبة من طرف الشعب، ويجسد مبدأ السيادة للأمة، لأنه من المفروض أن يعكس رغبتها واختيارها لطريقة العيش التي تريدها،  وهو أداة لتنظيم المجتمع، وضمان تساكن وتعايش مكوناته المختلفة، وحماية مصالح وحقوق وحريات الأفراد والجماعات داخله، غير أنه لا يكفي أن توجد ترسانة هائلة من القوانين لإقامة التوازن بين المصالح المتعارضة، وتحقيق العدل والإنصاف بين الناس، وضمان حسن سير مؤسسات الدولة لما فيه مصلحة عموم الشعب، وفق ما تقتضيه قواعد المجتمع الديمقراطي، وإنما لابد من توفر أربعة شروط أساسية وهي:

أ ـ أن تكون مضامين القوانين تنظم الحياة في المجتمع على أسس عادلة،  بدءا من الدستور الذي يجب أن ينظم مؤسسات الدولة على قواعد ديمقراطية، ويقيم التوازن بين السلط، ويضمن الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، ثم القوانين التي تنظم مختلف المجالات، والتي ينبغي أن تؤمن الحماية من جميع أشكال الظلم والتعسف والحيف والشطط، أو سوء المعاملة، من طرف أشخاص عاديين، أو ذوي النفوذ، أو من قبل أشخاص معنويين، مثل  الدولة ومؤسساتها..

ب ـ أن تسري القوانين في مواجهة الجميع بشكل متساوٍ، ودون أي ميز، بسبب الجنس، أو اللون، أو المعتقد الديني، أو الانتماء السياسي أو النقابي، أو بسبب النفوذ السلطوي، أو العلاقات العائلية أو الشخصية مع ذوي المراتب العليا في هرم الدولة، أو بسبب الجاه والمال، أو الإرشاء وتقديم الهدايا للمسؤولين.

والمساواة أمام القانون من المبادئ الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث جاء في مادته السابعة أن " الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز.." ويتم التنصيص الصريح على هذا المبدأ في معظم الدساتير، (الفصل الخامس من الدستور المغربي، والمادة 6 من الدستور الأردني، والمادة 7 من الدستور اللبناني، والمادة 40 من الدستور المصري، والمادة 3 من الدستور الإيطالي... ).

ج ـ  أن يتم احترام القوانين على أرض الواقع، فلا تكون مجرد نصوص شكلية، ولا يتم تعطيلها، أو عدم تطبيقها إلا بكيفية انتقائية، وإنما ينبغي أن تسري على جميع الحالات المشابهة.

د ـ أن توجد الوسائل الكفيلة بتطبيق القوانين، وأن يتم حل الخلافات والمنازعات، باللجوء إلى سلطة قضائية مستقلة ونزيهة، وجديرة بالثقة، وأن تكون قراراتها وأحكامها ملزمة لجميع الفرقاء، ولا تقبل التعطيل أو التماطل في تنفيذها من طرف المحكوم ضدهم، ولو كانوا يمثلون الدولة، أو إحدى مؤسساتها، وألا تستعمل آلية العفو لتعطيل الأحكام القضائية في مواجهة ذوي الجاه والنفوذ.

ومن المعلوم أن القوانين ليست جامدة، وإنما هي قابلة دائما للتغيير، لمواكبة التطورات والمستجدات التي تعرفها مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن المفروض أن يكون دور السلطة التشريعية في هذا المجال يعكس حيوية المجتمع وسيرورته وتطوره، إلا أن تغيير القوانين السائدة، وإصدار تشريعات جديدة، وتطبيقها في المجالات التي شرعت من أجلها، لا يمكن أن يتم إلا في نطاق الشروط السالفة الذكر، وإلا وقع الإخلال بمبدأ سيادة القانون.

 

9( انتشار الثقافة الديمقراطية:

إن بناء الديمقراطية لا يتم إلا بالإنسان ولصالح الإنسان، الذي يتخذ في إطار الدولة صفة المواطن، ولذلك فإن هذا الأخير لا يمكن أن يكون معزولا عما يجري حوله،  وغائبا عما يُدار باسمه ولأجله، وإنما لابد أن يكون مشاركا في الحياة السياسية، والحد الأدنى لهذه المشاركة، هو تتبع طرق إدارة الشأن العام، والمقارنة بين البرامج التي تتقدم بها الأحزاب السياسية، والإدلاء بالصوت في الانتخابات العامة، ولكي تكون المشاركة ولو في حدها الأدنى المذكور إيجابية، يجب أن يكون المواطن مدركا للقواعد التي ينبني عليها المجتمع الديمقراطي، ومتشبعا في ذهنيته وثقافته وسلوكه بالقيم الديمقراطية، وإذا كان ذلك من الصفات الضرورية التي ينبغي أن يتحلى بها المواطن العادي، فما بالك بالنخب التي تعمل من أجل الوصول إلى مواقع القرار في الجماعة أو الدولة، والمساهمة الفعلية في تدبير الشأن العام، وهنا يتضح مدلول المقولة المعروفة وهي (لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين)، لأن الديمقراطية لا تصبح أمرا واقعا في الحياة العامة، بوجود دستور وقوانين، وأحزاب وصحافة، وانتخابات ومؤسسات، وإنما تتوقف بالإضافة إلى كل ذلك، على وجود المواطن الديمقراطي داخل أسرته، وفي محيطه الاجتماعي والمهني والسياسي، أي أن تكون الثقافة الديمقراطية شائعة بين المواطنين العاديين، والمناضلين السياسيين والنقابيين، والفاعلين الجمعويين، والكتاب والمثقفين والصحافيين، والموظفين والمسؤولين الإداريين، والقادة السياسيين، والماسكين بزمام السلطة ومواقع القرار..

وتجدر الإشارة إلى أن الكثير من دول العالم الثالث التي أصبحت نُخبها تدرك أهمية الخيار الديمقراطي، وتتحدث عنه نظريا، ما زالت تفتقر للثقافة الديمقراطية في حياتها السياسية، وفي سلوكيات أفرادها داخل المجتمع بصفة عامة؛ وفي المغرب الذي يعد من العالم الثالث، رغم أن اختيار النظام الديمقراطي ليس حديثا من الناحية النظرية، فإن التعثر في إقرار هذا النظام على مدى عدة عقود من الزمن ساهم في تعميق أزمة الثقافة الديمقراطية التي من بين مظاهرها على سبيل المثال:

·                   غياب النقد الذاتي ومحاسبة النفس، حيث لا يكاد يُقرا أو يُسمع عن أي زعيم حزبي أو مسؤول في موقع سياسي يعترف بأنه أخطأ في موقف ما، أو أنه جانب الصواب في خطة معينة، مع العلم أن كل عمل بشري معرض للخطأ، ولا يخلو في جميع الأحوال من النقص، ويحتاج دائما للتقويم، ومع العلم كذلك بأنه لا مجال للحديث عن التطور أو التقدم في حياة الأفراد والهيئات والأمم دون تصحيح الأخطاء، وتدارك الثغرات، بعد التعرف عليها، وتحديد أسبابها.

·                   التعصب للمواقف والخيارات السياسية، وعدم الانفتاح بشكل إيجابي وفعلي على الحوار الديموقراطي، وغياب فضيلة حسن الإنصات للآخر، وانحطاط أساليب النقد المتبادل بين الأطراف في النزاعات السياسية، وضعف إن لم نقل غياب الاجتهادات الفكرية التي تعطي المصداقية للتنافس، وترتقي به للمستوى الحضاري الذي يسهم في تحقيق الجدوى والفعالية في العمل السياسي وفي تطوير المجتمع.

·                   عدم الإقرار بالهزيمة بالنسبة لمن لا يحالفهم الحظ في الانتخابات، فلم يُسمع قط عن أي مسؤول أو مناضل حزبي فشل في الانتخابات وبادر بتهنئة منافسه الفائز، بل إن ما يحدث عادة هو البحث عن مشجب تُعلق عليه أسباب الفشل، واللجوء دائما لاتهام (الآخر) بالمسؤولية عن الممارسات غير السليمة، والنتائج غير المرضية، وهذا إذا كان يصح في بعض الحالات نظرا للملابسات التي ما زالت تشوب الانتخابات في المغرب، فإنه لا يشكل قاعدة ثابتة لا تتغير.

إن وجود هذه الظواهر وغيرها من المؤشرات الواضحة لانتشار ثقافة غير ديمقراطية، ويرجع ذلك لأسباب كثيرة ومتداخلة، وذات جذور تعمقت عبر سنوات طويلة من الديمقراطية المغشوشة، ولتدارك ما ضاع من وقت، وتحقيق النقلة النوعية المطلوبة في الحياة السياسية، فإن تطوير الدستور، وتحسين القوانين، وإيجاد المزيد من ضمانات النزاهة، كل ذلك لا يكفي للوصول إلى الغاية المنشودة، لأن الصورة الحقيقية لكل مجتمع تتحدد من خلال ما يعتمل في ذهنيات أفراده من قيم وقناعات، وما تتعود عليه سلوكياتهم في الحياة اليومية من مواقف وأساليب التعامل، وإذا كانت هذه الصورة ممهورة بعاهات ترسبت مع الزمن، فإن إزالة ما لحق بها من تشوهات، وإعادة تركيبها بشكل صحيح، وفق منظور ديموقراطي حداثي، يتوقف على تغيير العقليات والسلوكيات السائدة، وأنماط العلاقات القائمة بين الأفراد والجماعات في الحياة اليومية، الأمر الذي لا يتأتى بسهولة، ولا يمكن تحقيقه بين عشية وضحاها، وإنما يتطلب تضافر مجموعة من العوامل، في مقدمتها تأهيل جيل جديد من القادة والمؤطرين السياسيين، والمسؤولين النقابيين، والفاعلين الجمعويين، الذين لا يتحدثون عن الديمقراطية بقدر ما يترجمون قيمها إلى أعمال ومواقف في ممارساتهم وعلاقاتهم، ويعطون القدوة الجيدة في السلوك الديمقراطي الذي لا يتلاءم مع احتكار المسؤولية، والتعصب، والاستئثار بالرأي، والإقصاء والزبونية...(13)   

وتجدر الإشارة إلى أن المفارقة القائمة بين الديمقراطيات الليبرالية الغربية، والتجارب الديمقراطية الفتية والمتعثرة في معظم الدول العربية، وفي العالم الثالث عموما، ترجع لكون الفكر الديمقراطي، والثقافة الديمقراطية، في الغرب، سبقا عملية مأسسة النظام الديمقراطي، حيث وقع التنظير من طرف مفكرين وفلاسفة، وعلى مدى قرون من الزمن، لقيم ومبادئ الحرية، والمساواة، وحقوق الإنسان، وسيادة الأمة، وحكم الأغلبية باسم الشعب...واتسع تداول هذه الأفكار، وأصبحت ثقافة سائدة في المجتمعات الغربية، وتهيأ من خلالها إقامة المؤسسات الديمقراطية، ونبتت هذه الأخيرة في مناخ ملائم لنموها وتطورها؛ بينما في ديمقراطيات العالم الثالث، جاءت الآليات الشكلية سابقة على انتشار الثقافة الديمقراطية، مما جعل البناء يتم على أرضية هشة وغير ملائمة، ويتبين ذلك بشكل واضح من خلال سلوكيات المسؤولين في البلدان التي لا تتوفر سوى على الواجهات الشكلية للديمقراطية، من حيث تمسك الحكام بالسلطة ولو بالتحايل وإفراغ القوانين من أي مضمون ديمقراطي، أو عدم احترامها في الممارسة، وتزوير الانتخابات، وقمع الحريات، وتحجيم المعارضة وتهميش دورها، وإقصاء ومصادرة الرأي الآخر، وإحاطة الحكام من طرف الفئات المستفيدة بهالة كبيرة من التمجيد، وكأنهم من العباقرة الذين لا يجود الزمان بمثلهم، رغم أنهم يكونون في غالب الأحيان مجرد بشر عاديين، يصيبون ويخطئون.

 

تكامل مقومات النظام الديمقراطي:

 

إن كل المقومات السالفة الذكر، تشكل فيما بينها وحدة متكاملة ومترابطة، ينبني عليها النظام الديمقراطي، وليست مجرد معايير لتمييز هذا النظام عن غيره من الأنظمة، فهي بمثابة أركان لبناء لا يكون سليما ومتوازنا إلا بوجودها مجتمعة ومكتملة، وغياب أو اختلال ولو واحد منها يجعل البناء هشا وغير قائم على أساس متين.

الانتقال الديموقراطي في المغرب

المغرب كغيره من بلدان العالم الثالث عرف تعثرا في بناء ديموقراطية سليمة، فرغم أنه من الناحية المبدئية والنظرية، اختار التعددية الحزبية، وحرية الصحافة، وحرية التجمع منذ بداية الاستقلال، من خلال قانون الحريات العامة الصادر سنة 1958، والدساتير المتعاقبة منذ سنة 1962، فإن بناء مؤسسات ديموقراطية حقيقية اعترضته عدة عقبات حالت دون تحقيق الانتقال في ظروف طبيعية.         

ومنذ منتصف السبعينات من القرن الماضي بدأ  مصطلح (المسلسل الديموقراطي) يُتداول في المنابر الإعلامية والخطابات السياسية، غير أن هذا (المسلسل) استغرقت حلقاته العديد من السنوات، وتكررت فيه المشاهد، حتى أصبحت مملة بالنسبة للمتتبعين من بعيد، ومخجلة لبعض الذين يؤدون أدوارها، ومقرفة بالنسبة لمن يتطلعون إلى نهاية سعيدة.

وبعد انتظار طويل، انتهى الكلام عن (المسلسل) الذي لم يصل إلى النهاية الطبيعية التي يُفترض أن يتجلى من خلالها تطور في البناء،  وظلت الديموقراطية مجرد حلم يراود الأجيال عبر العقود المتوالية من الزمن، وهدف تسعى إليه بعض النخب،  دون أن يتحقق منه على أرض الواقع سوى بعض المظاهر الشكلية، والخطابات النظرية، والواجهات التي تفتقر لمقومات البناء الديموقراطي السليم، وتنعدم فيها شروط المصداقية.

وعندما استنفذ الكلام عن (المسلسل) أغراضه التي انحصرت في تمطيط فترة الانتظار، دون تحقيق أي تقدم يذكر، بدأ الكلام في بداية العقد الأخير من القرن الماضي عن (الانتقال الديموقراطي)، مع ما رافق ذلك من بحث عن تناوب سياسي، يتوخى إدماج المعارضة السابقة في العمل الحكومي، وهو ما تم بالصورة التوافقية المعروفة سنة 1998، واعتبر الكثيرون أن تلك التجربة وإن كانت قد بنيت على انتخابات تشريعية مغشوشة، ومطعون فيها من طرف القوى الديموقراطية، ستكون هي البوابة التي سيتم عبرها الانتقال الديموقراطي!

والانتقال بمعناه العام يفيد وجود حركية وتحول، وخروج من وضع إلى آخر، مع تحقيق تطور بالنسبة للوضع السابق، وحينما يتعلق الأمر ببناء المجتمع الديموقراطي، فإن الحركية تعني إضافة لبنات جديدة تفضي إلى مرحلة متقدمة عن سابقتها في عملية البناء، أما إذا كانت الحركية لا تضيف أي شيء جديد، ولا تسفر عن أي تقدم، فإنها تكون بمثابة الدوران في الفراغ.

وإذا كان من الممكن بناء مقومات النظام الديمقراطي وتحقيق الانتقال على مراحل، فإن ما يأتي عادة في سياق التطور، هو ما يتحقق من تراكم إيجابي، في تجربة ديمقراطية صحيحة، وخالية من أي غش يفسد مضمونها، فتصبح التراكمات الناتجة عن ممارسة سليمة مرجعا يرسخ مجموعة من التقاليد والأعراف التي تُغني قواعد التعامل، ويكون الاستناد عليها مثل الاستناد على نصوص قانونية تحظى باحترام الجميع، خلافا للسوابق السلبية، والتجارب غير السليمة، والمشكوك في مصداقيتها، لا يمكن الاستناد عليها، أو الرجوع إليها، لأنها لا تتضمن ما يمكن الاقتداء به، ولا تحتوي على أي إضافة يمكن الاعتداد بها، ولذلك فإنه حينما يستغرق (المسلسل) أو (الانتقال) عدة عقود من الزمن، دون أن تكتمل مقومات النظام الديمقراطي، ودون أن يحصل أي تراكم إيجابي، أو تطور ملموس في هذا الاتجاه، لابد أن يثور الشك حول جدية حلقات المسلسل أو مراحل الانتقال، وحول وجود إرادة حقيقية في إقامة ديمقراطية سليمة، لأن تعدد التجارب خلال حقبة زمنية تقدر بعدة عقود إذا لم تثمر أي تقدم محسوس، يعني أن العجلة تدور في الفراغ.(14)

وقد لوحظ أنه بعد انتهاء تجربة (التناوب التوافقي) التي عفتها بلادنا، جاءت مرحلة (جديدة قديمة) يستعصي وصفها في ضوء النظريات المعروفة في الفقه الدستوري، فهي وإن كانت قد بنيت على انتخابات أقل سوءا من سابقاتها، ولم تكن محل طعن سياسي كما كان عليه الحال في كل التجارب الانتخابية السابقة، فإن ما ترتب عنها لا يمكن اعتباره خطوة إضافية للتقدم نحو الديموقراطية المنشودة، لأن الانتخابات حتى إذا مرت في أتم شروط النزاهة والشفافية، لا تعني أن الانتقال قد حصل، لأن الانتخابات ليست هي الغاية في حد ذاتها، وإنما هي مجرد وسيلة، يختار الشعب من خلالها من يتولى التدبير المباشر للشأن العام بالنيابة عنه، وتحت مراقبته؛ وحينما يشعر الشعب بأن إرادته هي التي تتحدد على أساسها السياسة العامة، وهي مرجع اختيار الحاكمين، وأن هؤلاء هم من يتحمل المسؤولية الكاملة في تنفيذ البرامج التي تتجاوب معها وتساندها أغلبية المواطنين، حينذاك يحس كل مواطن(ة) بمعنى المشاركة في الانتخابات، ويدرك كل ناخب(ة) المسؤولية الموضوعة على عاتقه وهو يدلي بصوته، ويشعر الشعب بأنه معني بالحياة السياسية، ويهمه أن يتتبع ما يتحقق من منجزات وما لا يتحقق، وعلى هذا الأساس يحدد اختياره في الانتخابات الموالية.

ومن خلال التأمل في المرحلة السياسية التي تجتازها بلادنا حاليا، والتي لا تختلف كثيرا عن المراحل السابقة لما عرف بالتناوب التوافقي، فإننا نواجه عدة تساؤلات تطرح نفسها بإلحاح من قبيل: ما هي الغاية من الانتخابات إذا لم تكن نتائجها هي المرجع في تأسيس الحكومة؟ وما الفائدة من التنافس بين الأحزاب في وضع البرامج الاقتصادية والاجتماعية، إذا كان عمل الحكومة لا يحتاج سوى لتقنوقراطيين أو إداريين لتنفيذ سياسة وبرامج معدة من قبل؟ وما الجدوى من التعددية الحزبية نفسها، إذا كان لا يتاح للأحزاب أن تتحمل كامل المسؤولية في تنفيذ برامجها، إذا  حظيت بثقة الناخبين، وحصلت على الأغلبية في مجلس النواب؟ وإلى أي حد تحق محاسبة أحزاب الأغلبية الحكومية، وهي مجرد مساهمة في التنفيذ؟ وما السبيل لمحاسبة أطراف أخرى مساهمة أيضا في التنفيذ دون أن تكون معنية بالانتخابات التي تجري في نهاية الولاية التشريعية؟ وكيف يمكن أن يتحقق الانتقال الديموقراطي، دون حضور وازن وفعال وذي مصداقية لأدوات الممارسة الديموقراطية، التي تأتي في مقدمتها الأحزاب السياسية؟؟

إن هذه التساؤلات تدخل في صلب الآلية الديموقراطية، وإذا ظلت معلقة، ودون أجوبة عملية تؤدي إلى تجاوزها والتقدم نحو الأمام، سيبقى الحديث عن الانتقال الديموقراطي، وإن اختلفت أساليبه ومصطلحاته من مرحلة إلى أخرى، مجرد تكرار لكلام يردده المتطلعون فعلا إلى الديموقراطية، كما يردده من يناوئونها في ذات الوقت على سبيل التمويه، ويظل الواقع دون تغيير حقيقي وإيجابي، حيث تنتصب عدة واجهات يتناوب عليها المتناوبون، دون أن تلامس بعملها ومردودها كنه الديموقراطية وجوهرها.  

ومن المؤكد أن ديموقراطية الشكل لم تستنفذ أغراضها فحسب، وإنما عفا عنها الزمان، وأصبحت بمثابة العائق الذي يحول دون بعث الحماس والتعبئة، ولا تسمح بإضفاء المصداقية على المؤسسات،  وتقف حجر عثرة في طريق التطور السياسي، والنمو الاقتصادي والاجتماعي، وتلك هي الإشكالية التي أضحى من الضروري طرحها بوضوح، وليس من الممكن تجاوزها إلا بمعالجتها، والانتقال إلى وضع يكون متقدما عن سابقه، ولا مجال فيه للعودة إلى التساؤلات المشار إليها.

وحتى لا يبقى انتظار استكمال حلقات الانتقال الديموقراطي، بمثابة انتظار الذي يأتي ولا يأتي، فإنه من المفروض القيام بعدة إصلاحات، لا تشمل النصوص والمجال النظري فقط، وإنما تتجاوز ذلك باتخاذ تدابير ميدانية، وخطوات عملية، لتحقيق انتقال فعلي إلى تجربة جديدة في أسسها، ومتطورة في طبيعتها ومضمونها، وذات قيمة مضافة في أدائها، ومنتجة في حصيلتها؛ وحينذاك سيصبح تحرك القطار واقعا ملموسا، مما سيفتح من جديد أبواب الأمل، ويعيد الحيوية للمشهد السياسي المغربي بعد أن أصبح مطبوعا برتابة مميتة.

خاتمة

وفي الختام يمكن أن نستخلص بأن الديمقراطية نظام يرتكز على مبدأ أساسي مفاده أن إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، وبالتالي فهي ليست قالبا جاهزا، أي كلباس يمكن أن نحصل عليه بأي وسيلة ونرتديه عندما نريد ذلك فنصبح ديمقراطيين، وهي حق طبيعي لكل شعب، وليست منحة أو هدية يتكرم بها الحكام على شعوبهم عندما يحلو لهم ذلك، كما أنها ثقافة وسلوك، وليست مجرد شعارات وواجهات شكلية، ولا يتحقق وجودها على أرض الواقع إلا بتوفر مجموعة من المقومات والعناصر المتكاملة، ووجود عدد من القواعد والمؤسسات والممارسات، وتنبع الديمقراطية من الإرادة الحرة للشعوب، ولا يمكن فرضها على أي شعب عن طريق الاحتلال العسكري لأرضه من طرف دولة أجنبية، أو فرضها بأي وجه من الوجوه من خارج البلدان المعنية.

وإذا كان لا يتحقق بين عشية وضحاها، الخروج من أي نظام استبدادي، أو حكم مطلق، أو وضع غير ديمقراطي، وإقامة نظام يستوفي مقومات وشروط الديمقراطية الحقة، فإن هذا لا يعني أن الأمر يتطلب قرونا، أو عدة عقود من الزمن، وبالتالي فإن التعثر الملحوظ في إرساء الديمقراطية في كثير من دول العالم الثالث لا يرجع لما يفرضه التدرج المنطقي الذي يستغرق في الزمن، وإنما يُفسر ذلك بالتردد، وغياب  الإرادة.

ولا يمكن رفض الديمقراطية ومناهضتها بدعوى الخصوصية، لأن سيادة الشعب، وتدبيره لشؤونه بنفسه، وتحكمه في مستقبله ومصيره، مبادئ لا ميز فيها بين الشعوب، بل هي من الحقوق الطبيعية والأساسية لكل شعب، ولا يمكن القول بأن بعض الشعوب تسمح لها ثقافتها وتقاليدها بأن تكون سيدة نفسها ومصيرها، وشعوب أخرى لا يسمح لها تراثها ومعتقداتها بذلك، في حين أن الخصوصية تجد مجالها في التطبيقات المختلفة، وفي طرق وأساليب تجسيد الديمقراطية على أرض الواقع، دون المساس طبعا بمبادئها الجوهرية، التي بغيابها أو اختلالها لا يبقى مجال للحديث عن الديمقراطية.   

ــــــــــــــ

هوامش:

1) Anthony Giddens، بعيدا عن اليسار واليمين، مستقبل السياسات الراديكالية، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، العدد رقم 286، أكتوبر 2002 .

2) ملفين أي.يورف سكي، المبادئ الأساسية للديموقراطية، موقع وزارة الخارجية الأمريكية، مكتب برامج الإعلام الخارجي، شبكة الإنترنت.

3) مفهوم الديموقراطية في نظر مفكري الغرب المعاصرين، عن موقع موسوعة النهرين بشبكة الإنترنت.

4( المرجع السابق.

5( القاموس السياسي، أحمد عطية الله، ط 3، دار النهضة العربية، القاهرة 1968، ص 458.

6) Maurice Duverger, Les parties politiques, Paris, Armand    colin, 1964,p.Ⅶ.              

7) العرض السياسي للأمين العام لحزب الاستقلال الأستاذ امحمد بوستة أمام المؤتمر الثالث عشر للحزب، منشورات المركز العام لحزب الاستقلال،16 مطبعة الرسالة 1998، ص 34 .

8) أحمد خضراني، النظام السياسي المغربي، مقاربة لتجربة دستور 1996، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، رقم 39، ص 47 و48.

9) اليزيد البركة، حكومة التوافق، المسار التكتيكي والاستراتيجي للانتقال العسير، منشورات مركز الدراسات الاستراتيجية مارو ـ تامسنا.

10) المهدي المنجرة، انتفاضات في زمن الذلقراطية، البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع، ط 2 ، 2001، ص 254 و 255.

11) أنظر مقالنا ـ من (التناوب التوافقي) إلى اللا تناوب ـ جريدة العلم، 14 فبراير، 2003، ص 1. وكذلك مقالنا (أزمة الديموقراطية) جريدة الأحداث المغربية، 18 يونيه 2004، ص 13.

12) إن الدستور المغربي إذ يشير إلى السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية لا يجعل من القضاء سلطة، وهكذا فإن الفصل 82 منه ينص على أن:"القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية"، غير أنه يصعب القول بأن هناك استقلالا حقيقيا للقضاء في المغرب على أرض الواقع، لاعتبارات تتعلق بطبيعة العلاقات التقليدية بين السلط من جهة، وللحضور الوازن للسلطة التنفيذية في المجلس الأعلى للقضاء من جهة أخرى.

13) أنظر مقالنا ـ (المسلسل) الديموقراطي، جريدة العلم 21 يناير 1997 الصفحة الأخيرة.

14) أنظر مقالنا ـ أزمة الثقافة الديموقراطية ـ جريدة الأحداث المغربية، 10 أكتوبر 2003، ص 11، ومقالنا ـ الانتقال الديموقراطي ـ جريدة الأحداث المغربية، 28 يناير 2005، ص:11.