المجتمع المدني
الخميس, 23 تشرين1/أكتوير 2014
الصفحة الرئيسية دراسات المجتمع المدني
مرحبا بكم » رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب-  الإمام الشافعي
مرحبا بكم » في موقعي الشخصي الذي يهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان
المجتمع المدني PDF طباعة أرسل إلى صديق

مع تراجع دور الدولة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أصبحت عدة مؤسسات وهيئات دولية تساعد المنظمات غير الحكومية لتقوم بأنشطة تكمل دور الدولة، مما شجع على تزايد المبادرات الجماعية لتكوين تنظيمات وجمعيات ذات أهداف متنوعة، وعرفت البلاد العربية ودول العالم الثالث عموما في العقود الأخيرة حركية ملحوظة في تقوية وتوسيع النسيج الجمعوي الذي يستقطب الأفراد للانخراط في أعمال وأنشطة جماعية منظمة، تقوم في الأساس على التطوع في مجالات اقتصادية واجتماعية ودينية وثقافية وبيئية ورياضية...لتحقيق أهداف مجتمعية، باستقلال عن الدولة، وفي إطار القوانين المتعلقة بالجمعيات والهيئات المدنية، وتعرف هذه الجمعيات في بعض الدول العربية بالمجتمع الأهلي، بينما تعرف لدى المؤسسات الدولية، وفي الكتابات العربية الحديثة بالمجتمع المدني، أو المنظمات غير الحكومية.

غير أن المبادرات التطوعية للأفراد والجماعاعت المنظمة، والتي تقدم خدمات مجتمعية ليست ظاهرة حديثة، ولم ينحصر وجودها في منطقة جغرافية محدودة، مما يجعل التجارب في هذا المجال متعددة ومتباينة، من حيث الأنظمة التي تخضع لها، وأساليب عملها، ومستويات تطورها، وأهدافها، والعلاقات التي تربطها بالدولة ومكونات المجتمع السياسي، وبالتالي فإن تعميم  إطلاق مصطلح المجتمع المدني على الهيئات المدنية، بمختلف أشكالها وأنظمتها ومستوياتها، وبقطع النظر عن الظروف التي نشأت فيها، والبيئة المحيطة بها، يصطدم بعدة صعوبات، لدرجة أن هناك من اعتبر أن المجتمع المدني ليس واقعا بديهيا قابلا للتعريف، ولكنه قابل للدراسة والتفسير والتحليل، ولا يمكن معرفته بصفة مباشرة، وإنما يمكن إخضاعه للتأويل ما دام يحمل في أعطافه سيرورة اجتماعية، ونمطا من الروابط يستحفان الوقائع والظواهر التي تؤول على أنها تدل عليه(1).

ولمحاولة تذليل الصعوبات التي تعترض وضع تعريف دقيق وشامل للمجتمع المدني، لابد من تسليط الضوء على أصل المصطلح، ومدلوله في التربة التي نشأ فيها، والبيئة التي تطور في إطارها، قبل التعرض للمقومات التي تشترك فيها منظمات المجتمع المدني بمفهومه العام المتداول حاليا على الصعيدين الوطني والدولي.  

مفهوم المجتمع المدني

لقد ظهر مصطلح المجتمع المدني ((La société civile مع تطور الفكر الغربي الذي أنتجه، وكان (طوماس الأكويني) في تعليقه على كتاب السياسة ل (أرسطو) يدافع عن المكون الجماعاتي للتجمع السياسي، معتبرا المدينة مجالا للتواصل، وأن الإنسان حيوان سياسي وأهلي بطبيعته، أي أنه اجتماعي، وهي المعاني التي تشكل منها مفهوم(Communicatio Politica)، وعندما ترجم (Leonardo Bruni) كتاب (أرسطو) المذكور في القرن الخامس عشر، بدأ انتشار مفهوم ((Societas Civilis والانتقال من مفهوم (Communicatio) إلى مفهوم (Societas) لما يمثله من إشارة واضحة لانبثاق النزعة الإنسانية المدنية التي شهدتها مدن إيطاليا (2).

وانشغل بمفهوم المجتمع المدني فلاسفة التنوير في مرحلة مقاومة أنظمة الحكم المطلق، ولم تحل النظرة الفلسفية دون إضفاء الطابع السياسي على هذا المفهوم، إذ جعلوه مقابلا للدولة الاستبدادية، وانتشر تداول هذا المصطلح في أوربا في القرن السابع عشر مع نشوء الديموقراطيات التي أقيمت على أنقاض الأنظمة السياسية التي كان يسودها الحكم المطلق، ونفوذ الكنيسة، وهيمنة الإقطاع؛ وفي هذا السياق يأتي كتاب المفكر السكوتلاندي (آدم فرجسون) حول تاريخ المجتمع المدني الصادر سنة 1767، والذي أثار فيه تساؤلات حول تمركز السلطة السياسية، واعتبر أن الحركة الجمعوية هي النسق الأفضل للدفاع ضد مخاطر الاستبداد السياسي؛ وفرق (توماس هوبز) بين الدولة والمجتمع المدني في كتابه حول حقوق الإنسان الصادر سنة 1791، ودعا إلى حكومة محددة الوظائف ومجتمع مدني حر وسام، غير أن هذه الدعوة لم تجد صداها مع نمو المجتمع الرأسمالي(3).

وتطور مفهوم المجتمع المدني في الفكر الليبرالي بالموازاة مع التطورات السياسية والاقتصادية التي عرفها العالم الغربي وبروز نزعة الدفاع عن المصالح المشتركة للطبقة البرجوازية؛ وبدأ يتبلور المفهوم الحديث للمجتمع المدني من خلال ما كتبه (هيجل) في مؤلفه (مبادئ فلسفة الحق) الصادر سنة 1812، حيث أشار فيه إلى أن     « المجتمع المدني يقع بين الأسرة والدولة، وأنه يتكون من الأفراد والطبقات والجماعات والمؤسسات، وتنتظم كلها داخل القانون المدني» (4)؛ أما في الفكر الماركسي فإن مفهوم المجتمع المدني ظل يستعمل كسلاح في مواجهة السلطة الشمولية، واعتبر (كارل ماركس) أن المجتمع المدني هو « ساحة الصراع الطبقي» وعالج المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) موضوع المجتمع المدني من منظور جديد، فاعتبره ليس ساحة للتنافس الاقتصادي، وإنما ساحة للتنافس الإيديولوجي، منطلقا من التمييز بين السيطرة السياسية، والهيمنة الإيديولوجية، فمع نضج العلاقات الرأسمالية في أوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وانقسام المجتمع إلى طبقات ذات مصالح متفاوتة أو متناقضة، واحتدام الصراع الطبقي كان لابد للطبقة الرأسمالية السائدة من بلورة آليات فعالة لإدارة هذا الصراع واحتوائه بما يضمن حماية مصالحها، وتحقيق الاستقرار في المجتمع (5)، ويقول (غرامشي) أن المجتمع المدني هو مجموعة من البنى الفوقية، مثل النقابات، والأحزاب، والصحافة، والمدارس، والكنيسة، ويعتبر أن الفاتيكان أكبر منظمة خاصة في العالم، ويفصل بين أدوار ومهام المجتمع المدني ووظائف الدولة، ويفسر ذلك المفكر الألماني المعاصر (يورفن هابرماس) بقوله إن وظائف المجتمع المدني في مفهوم (غرامشي) تعني الرأي العام غير الرسمي، أي الذي لا يخضع لسلطة الدولـة. (6)

ومع اتساع دور المجتمع المدني وتزايد أهميته في المجتمعات الديموقراطية، فقد أصبح يحظى باهتمام الكثير من المفكرين والباحثين المعاصرين في الغرب وفي العالم العربي، ولذلك نجد أن هناك عدة تعاريف للمجتمع المدني، من بينها التعريف الذي يقترحهDominuque Colas))  ويعتبره عمليا فيقول بأن المجتمع المدني « يعني الحياة الاجتماعية المنظمة انطلاقا من منطق خاص بها وبخاصة الحياة الجمعوية التي تضمن دينامية اقتصادية وثقافية وسياسية» (7)، ويعرفه (برتراند بادي) بأنه « كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع دون تدخل أو وساطة من الدولة» (8)، ويعرفه (وايت جوردون) بأنه « مملكة توسطية تقع بين الدولة والأسرة، وتقطنها منظمات منفصلة عن الدولة، وتتمتع باستقلال ذاتي في علاقتها معها، وتتشكل طوعا من أفراد يهدفون إلى حماية مصالح أو قيم معينة» (9)، ويعرفـه عبد الغفار شكر بأنـه  «مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة، التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح، والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف» (10)، ويعرفه سعد الدين إبراهيم بأنه: « المجال الذي يتفاعل فيه المواطنون، ويؤسسون بإرادتهم الحرة، تنظيمات مستقلة عن السلطة، للتعبير عن المشاعر، أو تحقيق المصالح، أو خدمة القضايا المشتركة»، ويفيد مصطلح المجتمع المدني في التداول السوسيلوجي المعاصر، أو بتعبير آخر في الأدبيات السياسية الحديثة، معنى «الوسائط المبادرة» (11).

ويرى محمد عابد الجابري أنه مهما كان الاختلاف في تعريف المجتمع المدني، فإن ما هو بديهي ولا يمكن أن يكون محل اختلاف، هو أن المجتمع المدني أولا وقبل كل شيء «مجتمع المدن» ، وأن مؤسساته هي التي ينشئها الناس بينهم في المدينة، لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فهي إذن مؤسسات إرادية، أو شبه إرادية، يقيمها الناس وينخرطون فيها، أو يحلونها، أو ينسحبون منها، وذلك على النقيض تماما من مؤسسات المجتمع البدوي التي هي مؤسسات «طبيعية» يولد الفرد منتميا إليها، مندمجا فيها، ولا يستطيع الانسحاب منها كالقبيلة والطائفة (12).

وتتفق عدة دراسات أكاديمية وجامعية على أن المجتمع المدني هو « مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها، هذه التنظيمات التطوعية الحرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها، أو لتقديم خدمات للمواطنين، أو ممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح، والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف» (13).

وباعتبار أن مصطلح (المجتمع المدني) من إنتاج غربي، ويرتبط بمفاهيم الديموقراطية الليبرالية، فإن هناك من ينتقد نقل المفهوم الذي يعبر عنه المصطلح، من بيئته الغربية إلى المحيط العربي، الذي يعد المغرب جزءا منه، دون تهيئة تربة جديدة ملائمة لغرسه، ويذهب عبد الله حمودي إلى أن هذا النقل يؤدي إلى عدم الأخذ بعين الاعتبار « خصوصية الدولة المغربية وتركيبها، وأسس ونوعية العلاقات التي تنبني عليها سلطتها ومشروعيتها.. وإغفال ما يمكن تسميته بالشعور الذاتي لهذه التنظيمات، والرؤية التي تكونها عن نفسها ومسؤوليتها»، ويضيف أن هناك إهمالا لتعريف (هيكل) للمجتمع المدني الذي يركز على فكرة الوسائطية، التي تجعل المجتمع المدني وسيطا بين الأسرة والدولة، مما يستلزم تجاوز البنية العلائقية الأسرية والقبلية والعشائرية (14).

وهناك من حاول أن يبحث عن بديل للمصطلح الغربي (المجتمع المدني)، وذلك بمحاولة إدراج ما يفيده هذا المصطلح ضمن منظومة « المفاهيم الإسلامية» بإطلاق مفهوم (مؤسسات الأمة) التي تتميز عن (مؤسسات السلطة) (15).

غير أنه بالرغم مما يطرحه نقل المفاهيم والمصطلحات الغربية إلى الثقافة العربية من إشكاليات، خاصة في المجال المعرفي والفلسفي، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا لإغلاق الأبواب لمنع دخولها، أو تجنب استعمالها، أو البحث عن بدائل يكتنفها الغموض، ولا تستوعب المفهوم المقصود، خاصة وأن هناك ظواهر كونية تشترك فيها المجتمعات البشرية، ومن هذه الظواهر نزوع الإنسان بطبيعته للعمل الجماعي لتحقيق منافع مشتركة، وفي التراث الإسلامي ما يزكي ذلك، حيث ورد في الحديث النبوي:« يد الله مع الجماعة»، وإذا كانت تجليات المجتمع المدني متعددة ومتنوعة، وتحمل كل منها خصائص المجتمع الذي انبثقت منه، والمكان والزمان الذين وُجدت فيهما، فإنها لا تخلو من عناصر مشتركة بينها، يعيد إنتاجها العقل الإنساني الكوني في أماكن مختلفة، وعصور مغايرة، ويطبعها كل شعب بطابعه الخاص انطلاقا من هويته المتميزة.

وتجدر الإشارة إلى أن تعميم بعض الكتابات للأحكام التقييمية على الأوضاع في مختلف البلدان العربية، فيه كثير من الإجحاف، خاصة حينما يتعلق الأمر ببعض الظواهر التي ترتبط بمدى الحريات الفردية والجماعية المتاحة، ومستوى التطور نحو الحياة الديموقراطية، بحيث لا مجال للمقارنة في هذا الصدد بين المستوى الذي وصل إليه المغرب والوضع في السعودية أو الكويت أو سوريا، وتصعب المقارنة حتى داخل بلدان المغرب العربي بسبب الاختلاف في الأنظمة السياسية والتفاوت في الأوضاع القائمة بكل دولة، وبالتالي لا يمكن إصدار حكم عام ينفي وجود المقومات الأساسية للمجتمع المدني في كل العالم العربي، لأن هذا الحكم إذا كان يصح نسبيا في ظل بعض الأنظمة العربية والمغاربية، فإنه لا يصح بالنسبة للبعض الآخر ومن ضمنه المغرب الذي عرف منذ زمن طويل، تنظيمات مدنية نشأت بعفوية، واستجابة لحاجات مجتمعية، وتتمتع بالاستقلالية؛ وإذا كانت الظروف السياسية قد أفرزت بعض الكيانات خارج هذا الإطار، فإن ذلك لم يؤد إلى اندثار أو تغييب العمل الجمعوي المنبثق من المجتمع، والذي يعمل انطلاقا من وعيه الذاتي، وباستقلال عن الدولة كما سنرى.


مقومات المجتمع المدني

ورغم تعدد واختلاف تعاريف المجتمع المدني فإن معظمها يركز على مقومات أساسية يستند عليها في وجوده ويمكن تلخيصها فيما يلي:

 

1)    الطوعية:

وتعني أن تنظيمات المجتمع المدني باختلاف أنواعها وأهدافها، تتأسس بناء على الرغبة المشتركة لأصحابها، وانطلاقا من إرادتهم الحرة، أو الطوعية، وبالتالي فهي غير مفروضة من طرف أي جهة، ولا يتم إحداثها استجابة لتعليمات أو توجيهات الحاكمين وذوي النفوذ، أو غيرهم، وتمارس نشاطاتها التي تستجيب للأهداف التي سطرتها لنفسها بعيدا عن أي ضغط أو تأثير خارجي.

وعادة ما تنبع الرغبة في تكوين هيئات المجتمع المدني، من شعور الأفراد بانتمائهم للمجتمع الذي يعيشون فيه، وبكونهم معنيين بما يحدث فيه سلبا أو إيجابا، ووعيهم بما لهم من مسؤولية تجاهه، وبأهمية الانخراط في قضاياه بالاشتراك مع الآخرين، وما يقتضيه ذلك من تطوع وتضامن وتعاضد وتعاون من أجل الصالح العام، ثم الإحساس بلذة تحقيق النتائج، وجني الثمار، التي تعود بالنفع على المجتمع ككل، وعلى أفراده من خلال العمل المشترك.

 

2)    التنظيم:

إن الحرية والتلقائية التي تطبع تأسيس الجمعيات التي تندرج ضمن مفهوم المجتمع المدني، لا تعني العشوائية أوعدم الضبط، لأن وجود كل واحدة من هذه الجمعيات يخضع للقوانين السائدة والتي تتيح حرية تأسيسها من جهة، كما تخضع في تسييرها وقيامها بمهامها لقوانينها الأساسية، وأنظمتها الداخلية من جهة ثانية، وبذلك تتميز عن الجماعات والمكونات التي عرفتها مجتمعات عربية وإسلامية في الماضي كالقبيلة والعشيرة والزاوية.

وتقوم العلاقة بين أعضاء الجمعية على أساس التكافؤ واحترام كل الآراء والاجتهادات، في إطار العمل الجماعي لفريق يتوخى تحقيق نفس الأهداف، وهي علاقات أفقية، وليست رأسية أوعمودية، مثل العلاقة بين الأجير والمؤجر، أو بين السلطة والمواطن، أو بين شيخ الزاوية والأتباع، مما يجعل الجمعية إطارا يتيح  ويشجع كل الأعضاء على الابتكار والإبداع، والمساهمة الإيجابية في الوصول إلى الغايات المشروعة المشتركة.

 

3)    الاستقلال عن الدولة:

كما أن هيئات المجتمع المدني لا تؤسسها الدولة، ولا تُحدث بإيعاز منها، فهي لا تكون أداة تُسخر من طرفها  لخدمة أهدافها السياسية، إنها منظومة ذاتية التأسيس والاشتغال، وحينما تفقد أي جمعية استقلاليتها عن الدولة، وعن نفوذ السلطات العمومية، فإنها تفقد بذلك العنصر الجوهري الذي يميز المجتمع المدني الذي تتبلور في نسيجه رغبات أفراده، ويخضع لنظام خاص به، وله منهجيته؛ وتأكيدا لمبدأ الاستقلالية فإن جمعيات المجتمع المدني تعرف في الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وفي المؤسسات الدولية عموما، بالمنظمات غير الحكومية، وتختصر إسمها ب (O.N.G.).

واستقلال المجتمع المدني عن الدولة لا يعني بالضرورة أنه نقيض أو خصم لها، أو لا توجد بينهما أي صلة، وإنما تفيد أن علاقته بها لا تتسم برابطة التبعية، وعندما تكون هناك أوراش تساهم فيها الدولة والمجتمع المدني في نفس الوقت، فإن طبيعة العلاقة في هذه الحالة تكون مبنية على الشراكة والتعاون، ووظيفة المجتمع المدني وإن كانت لا تختلف في مجالات تدخلها عن تلك التي تهتم بها مؤسسات الدولة، فإنها قد لا تكون من بين أولوياتها، ولذلك يصف البعض دور المجتمع المدني بأنه مكمل للمهام التي تقوم بها مصالح الدولة، ويسد الفراغ أو النقص في بعض الخدمات التي تهم العموم، أو تهم فئات معينة.

غير أن علاقات التكامل بين المجتمع المدني والدولة على النحو المذكور، لا تتحقق إلا في الدولة الديموقراطية التي تكون فيها السيادة للأمة، والشعب مصدر السلطات، وتتميز بشفافية تدبير الشأن العام، وتخضع فيها كل العلاقات لسيادة القانون، أما إذا كانت الدولة تقيد الحريات، وتنهج أسلوب القمع مع الأفراد والجماعات، فإن هيئات المجتمع المدني في هذه الحالة، إن وجدت، تكون قوة معارضة.

 

4)    خدمة الصالح العام:

إن أعمال ومبادرات منظمات المجتمع المدني لابد أن تصب في خدمة الصالح العام، من خلال تقديم خدمات لفائدة المجتمع، أو بعض الفئات المستهدفة منه، وهناك مجالات كثيرة ومتنوعة لاشتغال المجتمع المدني، في بلد يعاني من التخلف، ويعرف الكثير من الاختلالات والخصاص، ومن هذه المجالات: الأعمال الاجتماعية التي تستهدف الفئات المحتاجة، ورعاية الأشخاص المعاقين، وحماية الطفولة، والاهتمام بقضايا المرأة والشباب، ومحاربة الأمية، والوقاية الصحية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعميم مفاهيمها وثقافتها، ونشر قيم المواطنة، وحماية البيئة، والمساهمة في تنمية الحواضر والقرى، ومحاربة الفقر والإقصاء الاجتماعي، وترسيخ مقومات الهوية الوطنية، وما تتميز به من غنى وتنوع، والنهوض بالفنون، والتشجيع على الإبداع، وخلق فضاءات للتنشيط الثقافي والرياضي والترفيهي، وغير ذلك من المجالات التي يمكن للمجتمع المدني أن يساهم من خلال الاشتغال بها في تنمية المجتمع والنهوض به، دون أن تكون الغاية من وراء ذلك هي التجارة أو الربح، أو المصلحة الذاتية للأعضاء.

 

5)   عدم السعي للوصول إلى السلطة:

على الرغم من كون أنشطة وأهداف المجتمع المدني لا تبتعد عن مجالات الشأن العام، وأن بعض الجمعيات تشكل أحيانا قوة ضاغطة على السلطات العمومية، وتقوم بانتقاد العمل الحكومي، فإنها لا تسعى من خلال ذلك للوصول إلى السلطة، ومن هذه الزاوية يتميز المجتمع المدني عن الأحزاب السياسية التي من طبيعتها أن تعمل للوصول إلى الحكم.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك من يتوسع في مفهوم المجتمع المدني فيعتبر الأحزاب السياسية جزءا منه، غير أن أهداف الأحزاب ومنهج عملها مغايران، فهي تتنافس في الاجتهادات والبرامج التي تهم مختلف مجالات الشأن العام، وتقوم بعرضها على الرأي العام، وعلى الناخبين لنيل ثقتهم، والوصول بالتالي إلى الحكومة لتنفيذ تلك البرامج؛ بينما أي جمعية من المجتمع المدني لا تتدخل في كل المجالات، وإنما تختار أن تقدم خدمات معينة في مجال محدد، ولا تدخل في المنافسة الانتخابية التي تعني الأحزاب السياسية.

 

6)   عدم اللجوء إلى العنف:

إذا كان من حق منظمات المجتمع المدني أن تقوم بالاحتجاج على السياسة التي تتبعها السلطات العمومية في مجال ما، أو في مواجهة إحدى الظواهر السلبية في المجتمع، ومن حقها أيضا ممارسة الضغوط لتحقيق فوائد للمجتمع، ومكتسبات للشرائح الاجتماعية التي تدافع عن مصالحها، فإنها لا يمكن أن تستعمل في ذلك إلا الوسائل السلمية المتحضرة، والمتمثلة في رفع المطالب، وإبداء الملاحظات، والحوار مع الجهات المعنية، واستعمال وسائل الإعلام والاتصال لتوضيح مواقفها، ويمكنها أن تلجأ إلى التظاهر السلمي إذا اقتضى الأمر ذلك؛ ولا يمكنها مطلقا اللجوء إلى العنف، لأن المجتمع المدني من المفروض أن يساهم في تهذيب السلوك العام، وليس في ترهيب المجتمع، ويعبئ الطاقات لخدمة الصالح العام، ولا يهيج الناس من أجل التخريب، ويعمل على نشر قيم التضامن والتسامح، ولا يزرع الحقد والكراهية.

ولذلك فإن التنظيمات التي لا تتورع عن استعمال العنف، وتمارس الإرهاب بأي شكل من الأشكال، مهما كانت أهدافها المعلنة، لا يمكن أن تندرج ضمن المجتمع المدني، لأنها تجعل نفسها ضد أمن وسلامة واستقرار المجتمع، وبالتالي تكون ضد الأهداف النبيلة، والرسالة الحضارية التي يضعها المجتمع المدني على عاتقه.

 

مزايا المجتمع المدني

ويعد المجتمع المدني في العصر الحاضر من المكونات الأساسية لكل مجتمع ديموقراطي حداثي، ويضطلع بدور حيوي في تعبئة  الطاقات لخدمة الصالح العام، والمساهمة الفعالة في تحقيق التنمية والتقدم، حيث يشتمل في تنظيماته وفي أدائه لمهامه على مزايا كثيرة وفوائد متعددة، نشير إلى أهمها فيما يلي:

 

1) ترسيخ الثقافة الديموقراطية، والتربية على المواطنة، وما يعني ذلك من حرية، ومسؤولية، وتنظيم، ومشاركة، وتعدد، واختلاف، وحوار، وخضوع للأغلبية، وتسامح، واحترام الرأي الآخر، وتعامل في إطار مؤسساتي وقانوني.

 

2) توسيع قاعدة المهتمين بالمصلحة العامة، وتقوية الشعور بالانتماء الوطني، وروح التطوع، والعمل الجماعي المنظم، والحد من النزعة الفردية والأنانية، وتحقيق الاندماج والتعاون بين أفراد تجمعهم الرغبة المشتركة في خدمة المجتمع.

 

3) امتصاص حالات الاحتقان السياسي والاجتماعي، والتنفيس عنها بتفجير الطاقات بصورة إيجابية، واعتماد النهج السلمي في اتخاذ المواقف المختلفة، والتعبير العلني عن  القناعات المتباينة.

 

4) تلبية الاحتياجات المتعددة والمتنوعة للأفراد من خلال انخراطهم في الأنشطة الجمعوية التي تتلاءم مع تخصصاتهم وميولاتهم وتطلعاتهم، وبضمان حرية تكوين الجمعيات، والانخراط فيها بدون تمييز، لا يبقى المجال لأي تيار أو فئة لاحتكار العمل في المجالات الاجتماعية والثقافية والحقوقية وغيرها.

 

5) تكوين النخب وإفراز القيادات الجديدة، حيث تتيح منظمات المجتمع المدني لأعضائها التدريب على الخدمة العامة، والتمرس على العمل الجماعي المنظم، ومن خلال أدائها لوظيفتها، تبرز المواهب والكفاءات في التدبير، ويتم اكتساب المهارات الجديدة، وتعميق الخبرة والتجربة، كما أن تبوء مواقع المسؤولية، والقيام بتوزيع الأدوار، وتنظيم العمل، وتدبير الاختلاف، والتوفيق بين الآراء، يساعد على امتلاك فن القيادة، وبذلك يصبح المجتمع المدني منجما للنخب المؤهلة، والقيادات المدربة.

 

الديمقراطية كفضاء لنمو المجتمع المدني

إذا كانت منظمات المجتمع المدني تتأسس بناء على الإرادة الطوعية المشتركة لمجموعة من الأفراد الذين يرغبون في القيام بأعمال أو تقديم خدمات لفائدة المجتمع، فإن هذه الإرادة إذا لم يتوفر لها الهامش الكافي من الحرية، لا يمكنها أن تحقق الغاية المطلوبة من طرف أصحابها، ولذلك يمكن القول بأن المجتمع المدني يرى النور بتوفر الحرية، أما نموه وتحقيقه لأهدافه فيبقى مرتبطا بطبيعة المحيط الذي يوجد فيه، بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، وكلما كانت العلاقات التي تسود المجتمع مرتكزة على القواعد الديمقراطية المؤسساتية، ومتشبعة بقيم التعدد والاختلاف، وروح المواطنة، والتنافس في خدمة المصلحة العامة، وحرية الاجتهاد، والمراقبة والمساءلة والنقد، فإن توفر هذه القواعد والقيم يفتح الفضاء الطبيعي لنمو المجتمع المدني وتطوره.

وقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد في 10 دجنبر  1948، على الحق في تكوين الجمعيات والانخراط فيها، والحق في المشاركة في الحياة السياسية، وفي الحياة العامة، باعتبارها من الحقوق والحريات الأساسية لكل الأفراد، على أساس المساواة ودون أي ميز، وتشكل في مجموعها شروطا لا يغني بعضها عن الآخر لقيام وتطور البناء الديمقراطي للمجتمع.

والارتباط الوثيق بين الديمقراطية والمجتمع المدني، جعل البعض يرى أن المجتمع المدني لا يوجد من دون دولة ديمقراطية، كما لا توجد دولة ديمقراطية من دون مجتمع مدني(16)، غير أن هذه الفكرة ليست قطعية، لأن كثيرا من الجمعيات المدنية تأسست في ظل أنظمة غير ديمقراطية في دول مختلفة من العالم، وكثيرا ما كان المجتمع المدني يستعمل كأداة لمواجهة أنظمة الحكم الاستبدادي المطلق، خاصة في أوربا الغربية قبل أن تنتقل إلى الديمقراطية، وهناك تجربة معروفة في الربع الأخير من القرن العشرين، والمتمثلة في الدور الذي قامت به منظمة (تضامن) في بولونيا، حيث واجهت النظام الشمولي الذي كان مواليا للاتحاد السوفييتي قبل انهياره، وأدت تلك المواجهة إلى نهاية ذلك النظام في بولونيا، كما أنه في عدة دول عربية لم يؤد غياب الديمقراطية إلى انعدام الجمعيات المدنية ذات الأهداف المتنوعة، وعلى سبيل المثال فإن مصر التي مازالت تبحث عن طريقها نحو الديموقراطية، توجد بها حوالي 17 ألف جمعية مسجلة، فضلا عن الجمعيات غير المسجلة(17).

غير أنه كلما ساد المناخ الديمقراطي في الحياة السياسية، وانتشرت الثقافة الديمقراطية، وترسخت قيمها في المجتمع، كلما ساعد ذلك على نمو وتطور المجتمع المدني، واتساع مجالات تدخله، وازدياد فعاليته في تحقيق أهدافه المجتمعية؛ ويمكن القول باختصار أن الحرية هي التي تساعد المجتمع المدني كي يرى النور، والديمقراطية هي الفضاء الطبيعي الذي يتيح له أن يعيش وينمو ويتطور.


المجتمع المدني في المغرب


نبذة تاريخية:

قبل الحماية الفرنسية والإسبانية كانت مؤسسات المجتمع في المغرب ذات شكل بدائي، وتتمثل في القبيلة والجماعة والزاوية والعائلة، وكان العمل التطوعي للأفراد يتجلى في عملية (الوقف)، وذلك برصد أموال أو عقارات لتأمين خدمات في المجالات الدينية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، أو البيئية، وبعد أن تمكن الاحتلال من القضاء على جيوب المقاومة في الريف والأطلس وبسط نفوذه على مجموع التراب المغربي في أواخر العشرينيات من القرن الماضي، بدأ البحث عن أسلوب جديد للدفاع عن المقومات الوطنية بشكل منظم، فتأسست بالرباط سنة1926 جمعية (الرابطة المغربية)، واتخذت إسما مستعارا هو(أنصار الحقيقة)، وتأسس فرع لها بتطوان، وآخر بطنجة، وعملت هذه الجمعية على نشر التعليم، وتأسيس الفرق الرياضية والمسرحية، ومناهضة الخرافات، وانحلال الأخلاق، ومقاومة الاستعمار، وكانت هذه الجمعية من الروافد الأولى للحركة الوطنية الاستقلالية (18).

وفي شمال المغرب بمجرد موافقة سلطات الحماية الإسبانية على مطلب الوطنيين بإصدار الظهير المتعلق بحرية الاجتماع وتأسيس الجمعيات في 23 شتنبر1931، تم تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية بتطوان بعد ستة أيام من صدور هذا الظهير، ثم تأسست جمعية الطالب المغربية بتطوان كذلك برئاسة الأستاذ عبد الخالق الطريس في 23 مارس 1932، وأسس الحاج عبد السلام بنونة بنفس المدينة سنة 1933 عصبة حقوق الإنسان، وكان الطريس من بين أعضائها، وهي الأولى من نوعها في المغرب والعالم العربي، وربما في كل العالم الثالث.

وتوالى بعد ذلك تأسيس الجمعيات في شتى المدن المغربية، والتي بدأت تشتغل في ميادين مختلفة، مع الحضور القوي للحس الوطني، وشكلت في كثير من الأحيان ذراعا للحركة الوطنية في نضالها ضد الاستعمار.

ومع بداية الاستقلال صدر قانون الحريات العامة في 15 نونبر 1958، وساد حماس وطني للمشاركة في بناء المغرب المستقل، وأدى ذلك إلى إنشاء العديد من الجمعيات باهتمامات متنوعة، كما أدى التنافس بين الأحزاب الوطنية إلى تكوين عدة جمعيات قريبة منها، أو موازية لها، كالشبيبة الاستقلالية، وبناة الاستقلال، وفتيات الانبعاث، والعصبة المغربية للتربية الأساسية ومحاربة الأمية، والكشفية الحسنية التي انفصل عنها معظم قادتها وأطرها وأسسوا منظمة الكشاف المغربي، وكل هذه التنظيمات مرتبطة بحزب الاستقلال، ولعبت دورا أساسيا في شق وبناء طريق الوحدة، وفي عمليات التشجير، ومحاربة الأمية، وغيرها من الأعمال والأنشطة الاجتماعية والثقافية والبيئية؛ كما كانت هناك جمعيات مرتبطة بحزب الشورى والاستقلال، غير أن حضورها كان أضعف نسبيا.

وقد أدت التراجعات التي عرفها الحقل السياسي منذ بداية الستينات، والحصار الذي ضُرب على القوات الحية بصفة عامة، وما صاحب ذلك من قمع ممنهج، ومصادرة للحريات العامة، وهيمنة النفوذ المخزني التقليدي كوجه من أوجه الحكم المطلق، هذه العوامل أدت إلى التقليص نسبيا من حركية النسيج الجمعوي التلقائي، وذي التوجهات الوطنية الحداثية، ووضعت الحواجز للحيلولة دون توسعه.

ولم يؤد الوجه القمعي الذي أبانت عنه الدولة إلى إيقاف حيوية المجتمع، بل كان رد الفعل هو أن المجتمع أصبح يرى في الدولة خصما لامجال للتعاون معه، وتأججت ثقافة الصراع، وانعدام الثقة، وأضحت المنظمات النابعة من المجتمع رديفا للقوى السياسية الديمقراطية في مواجهة آلة القمع المخزني، والدفاع عن الحريات، وحماية كرامة المواطنين، وفي هذا السياق تأسست العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1972، ثم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 1979، ثم المنظمة المغربية لحقوق الإنسان سنة 1988؛ وتعددت بعد ذلك المنظمات الحقوقية، وتكونت عدة جمعيات نسائية للدفاع عن حقوق المرأة، والمطالبة بالمساواة وفق ما تقتضيه الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعتمدة في 18 دجنبر 1979؛ وفي نفس المرحلة عرفت المنظمات الوطنية للشباب حركة نشيطة، وفتحت جسور التعاون والتنسيق فيما بينها، وباعتبارها مرتبطة بالقوى الديمقراطية، فقد كان للتنسيق بينها أثرا إيجابيا على المشهد الحزبي، حيث بدأ التحول بشكل واضح للثقافة السياسية بتراجع ظواهر الأحادية الإقصاء والتنافر، وانفتاح الأحزاب الوطنية على التعاون لبناء المجتمع الديمقراطي، بعد أن أدركت القيادات الحزبية أن أي حزب لن يستطيع  بمفرده تحقيق التغيير المنشود.

وفي غمرة الصراع والمواجهات بين الدولة والمجتمع، وتعميقا لتوجه منحرف، قامت الإدارة المخزنية باختلاق ما عرف ب (الأحزاب الإدارية)، كما أنشأت «جمعيات» جهوية، أصبحت تعرف لدى الرأي العام ب (جمعيات السهول والجبال والوديان..)، وأغدقت عليها بالكثير من الأموال والمساعدات من خزائن الدولة، وذلك في محاولة لفك العزلة التي أصبحت تشعر بها سلطات المخزن في مواجهة المجتمع من جهة، ومن أجل تحجيم وإقصاء الأحزاب الديمقراطية والمنظمات المنبثقة من المجتمع من جهة أخرى؛ وساهم ذلك في ترسيخ ثقافة الموالاة والتبعية والخضوع، وهي الظواهر التي تتنافى مع مبادئ الديموقراطية  وقيم المواطنة، وتتعارض مع أحد المرتكزات الأساسية التي لا تقوم للمجتمع المدني قائمة بدونها، ألا وهي الاستقلالية.


تطور المجتمع المدني في المغرب الحديث:

وفي أواخر العقد الثامن وبداية العقد التاسع من القرن الماضي، شكل المجتمع المدني، وخاصة مكوناته الحقوقية والنسائية والشبابية، قوة ضاغطة ومؤثرة في الحياة السياسية، معززة القوى الديمقراطية في نضالها من أجل التغيير الذي يعيد الاعتبار لمؤسسات المجتمع، ويفسح المجال لبناء الديمقراطية الحقة، وإقرار واحترام الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وتعبئة الطاقات الوطنية لتدارك الزمن الضائع، وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.

وساعدت التحولات السريعة، والتطورات الهامة، التي عرفها المحيط الدولي في تلك المرحلة، على خلق مناخ سياسي جديد، وأصبحت السلطات العليا أكثر انفتاحا على المجتمع، مع الاتساع النسبي لهامش الحريات، وعرفت منظمات المجتمع المدني نتيجة لذلك دينامية جديدة، وتزايد تأثيرها، ويمكن الإشارة على سبيل المثال أنه على إثر إعلان خمس منظمات حقوقية عن تحضيرها للميثاق الوطني لحقوق الإنسان في بداية سنة 1990، قام الملك الراحل الحسن الثاني بإنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في نفس السنة، ونص دستور سنة 1992 على احترام المغرب لحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا، وأحدثت سنة 1993 وزارة لحقوق الإنسان، وصدر العفو الملكي عن عشرات المعتقلين السياسيين، وسمح بعودة العديد من المغتربين لأسباب سياسية، ثم وقع الاعتراف بوجود المعتقلات السرية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بعد إنكار دام عدة سنوات.. كما أن حركية الجمعيات النسائية أثمرت بعض التعديلات في مدونة الأحوال الشخصية، في نفس المرحلة قبل أن يتزايد الضغط الجمعوي الذي سيؤدي إلى تغييرات جوهرية في المدونة التي أصبحت تحمل إسم مدونة الأسرة سنة2004، ورفع تحفظ الدولة المغربية عن بعض بنود الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة؛ وأسفرت مبادرات الجمعيات الثقافية الأمازيغية عن تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وإدراج اللغة الأمازيغية ضمن مناهج التعليم.

ويمكن القول بصفة عامة أنه منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين، اتسعت أكثر اهتمامات المجتمع المدني في المغرب، وأصبح يقتحم مختلف المجالات، ويقوم بدور أكثر فاعلية في الحياة العامة، ومن الميادين الجديدة التي أصبح المجتمع المدني يهتم بها في هذه المرحلة، محاربة الرشوة وحماية المال العام، وحماية المستهلك؛ وتحقق الجمعيات المتعددة، سواء على مستوى الأحياء، أو على صعيد المدن والقرى، عدة إنجازات تنموية، وتقوم بمبادرات إيجابية لحماية البيئة، فضلا عما تقوم به في مجال التربية على المواطنة وحقوق الإنسان، والعمل على إقرار المساواة بين المواطنين إناثا وذكورا، واحترام سيادة القانون، ومحاربة الأمية والفقر والتهميش، والوقاية الصحية، ومساعدة المرضى من ذوي الاحتياج، والدفاع عن مصالح وحقوق مختلف الفئات الاجتماعية، وإشاعة ثقافة التضامن والتعاون من أجل الصالح العام.

ورغم التطور الذي عرفه النسيج الجمعوي بالمغرب، والحركية الملحوظة، والأنشطة المتنوعة لعدة جمعيات، فإن هناك من يعتبر أنه لا يوجد حتى الآن مجتمع مدني قائم بذاته وفاعل، لوجود عدة معوقات ذاتية وموضوعية (19)، غير أن قيام المجتمع المدني بمبادرات وأعمال ذات تأثير إيجابي في شتى المجالات، بالرغم من وجود المعوقات، ليس مؤشر ضعف، وإنما على العكس من ذلك، يفيد أن المجتمع المدني يتوفر على إرادة قوية للعمل، ويبذل الجهد على واجهتين، أولاهما محاولة تخطي الصعوبات والعقبات، والثانية العمل على تحقيق الأهداف التي رسمتها كل جمعية لنفسها؛ ومن الطبيعي إذا تيسرت الظروف، وتم التغلب على كل المعوقات، أن يتطور المجتمع المدني أكثر، ويصبح ذا فاعلية أقوى.

 

تطور المجتمع المدني على الصعيد الدولي:

لقد أدى تيار العولمة الذي تقوده القوى الاقتصادية العظمى في العالم إلى فرض اقتصاد السوق، وحرية تنقل رؤوس الأموال والاستثمارات والبضائع والخدمات دون حواجز أو قيود، مما يخدم بالأساس المصالح الاقتصادية للدول الصناعية الكبرى، وأمام قوة هذا التيار الذي فرض على بلدان العالم الثالث ومنها المغرب، إعادة الهيكلة، مما جعلها تعاني الكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وللتخفيف من حدة هذه المشاكل، عملت المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، على توظيف المجتمع المدني في القيام ببعض المهام التي تنسحب منها الدولة، أو لا تبقى ضمن أولوياتها، وخاصة في المجال الاجتماعي ومحاربة الفقر والتهميش.

ويتأكد هذا التوجه من خلال التقارير السنوية للبنك الدولي، التي تشير إلى المجتمع المدني كقوة محركة لنشاطات ونمو القطاع الخاص، وأهميته كأداة لتحقيق أهداف التكيف الهيكلي فيما يخص تراجع دور الدولة، وخوصصة الثروات العامة، والخدمات الاجتماعية (20)، كما تشير إلى الدور الحاسم للمنظمات غير الحكومية في التصدي للعوامل التي تحول دون تطور القطاع الخاص (21).

ويعتبر البنك الدولي أن الشراكات بين المجتمع المدني والحكومة والقطاع الخاص، أصبحت أكثر الطرق فعالية في تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي القابل للاستمرار، وتتجلى فوائد هذه الشراكات فيما يلي:

 

ـ منح أصحاب المصالح فرص أكثر للتعبير عن آرائهم، مما يضع آراء مختلف الفئات الاجتماعية في الاعتبار عند وضع البرامج، واتخاذ القرارات.

ـ تعزيز مساءلة وشفافية القطاع العام.

ـ تعزيز التعبئة العامة والدعم المحلي لعمليات الإصلاح.

ـ تكوين أفكار وحلول جديدة.

ـ تقديم الخبرة المهنية، وزيادة القدرة على تقديم الخدمات، خاصة في الحالات التي يصبح فيها القطاع العام غير قادر على ذلك (22).

وعرف المجتمع المدني منذ أواخر القرن العشرين تطورا هاما وتوسعا كبيرا، وأصبح نشاط بعض المنظمات يتجاوز حدود الدول ليشمل فضاء أرحب، وتكونت مجموعات وفيدراليات تعمل على الصعيد الدولي، وارتغع عدد المنظمات غير الحكومية الدولية من 6.000 منظمة سنة 1990، إلى 26.000 منظمة سنة 1999، وأصبحت شريكا بارزا في عملية المساعدة الإنمائية على مستوى العالم، وتفيد منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، أنه تم في أواخر التسعينات، تقديم مساهمات عن طريق المجتمع المدني، تقدر بمبالغ تتراوح بين 6 و 7 بلايين دولار سنويا (23).

ولعب المجتمع المدني دورا حيويا خلال انعقاد المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان سنة 1993 بفيينا، وأسفر المنتدى الموازي الذي شاركت فيه مئات المنظمات الحقوقية من مختلف أنحاء العالم، والمنظمات الحقوقية غير الحكومية الدولية، عن عدة توصيات ومقتراحات، منها إحداث المندوبية السامية لحقوق الإنسان، وهو ما تقرر في المؤتمر الرسمي لممثلي حكومات الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.

وما فتئ الاهتمام بالمنظمات غير الحكومية يتزايد على الصعيد الدولي، وفي خطاب السيد كوفي عنان الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، بمناسبة الاجتماع الحادي عشر لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ب (ساوباولو) بالبرازيل في 5 يونيه 2004، أكد دور المجتمع المدني في الضغط على القيادات السياسية والإدارية، لإحداث تغيير في المجتمعات، قائلا «إن هذه المنظمات تكون أقرب إلى المشكلة وإلى الناس .. وهي التي تذكرنا دائما أن المشكلات والتهديدات التي تواجه العالم اليوم، لا تنحصر فقط في أسلحة الدمار الشامل والإرهاب، لكنها تتمثل كذلك في الفقر، والحرمان، والأيدز، وتدميـر البيئة» (24).

وهناك تيار للمجتمع المدني على الصعيد الدولي، يناهض العولمة المتوحشة، التي لا تهتم إلا بمصالح الشركات العملاقة العابرة للقارات، ومصالح القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، ويدافع عن القيم الإنسانية، وعن كرامة الشعوب في دول الجنوب، ويدعو لحماية مقوماتها الثقافية.

ومن المؤسف أن المجتمع المدني العربي والإسلامي بصفة عامة ليس له سوى حضور ضعيف نسبيا على الصعيد الدولي، لأنه ما زال يواجه الكثير من الصعوبات والعوائق داخل معظم البلدان العربية والإسلامية، بسبب ضيق مجال الحريات العامة، وطبيعة الأنظمة السياسية التي تبتعد عن الديمقراطية، ويسودها أشخاص بدل المؤسسات.

ـــــــــــــــ

هوامش:

1) محمد الغيلاني، محنة المجتمع المدني، مفارقات الوظيفة ورهانات الاستقلالية، دفاتر وجهة نظر، رقم (6)، ط1، 2005 مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، ص: 5 و6.

2) المرجع السابق، ص: 49.

3) محمد شخمان، جريدة الصحيفة، 26 فبراير-4 مارس 1999، ص:12.

4) أنظر عبد الغفار شكر، المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديموقراطية، سلسلة حوارات لقرن جديد، دار الفكر، ط:1 دمشق 2003، ص:176.

5) عبدالغفار شكر، نشأة وتطورالمجتمع المدني،

(http://www.pyd.be/pyd/arabic/)  

6) أنظر الحبيب الجنحاني، المجتمع المدني وأبعاده الفكرية، سلسلة حوارات لقرن جديد، دار الفكر، ط: 1، دمشق 2003، ص 18. وكذلك مصطفى أعراب ومحمد الهلالي، ماهو المجتمع المدني، ط 1، الرباط 1999، ص 5 وما بعدها.

7)Glossaire-société civile, (http//www.wolton.cnrs.fr/glossaire/fr)

8) B.Bertrand, Sociologie politique, Paris, Presses universitaires de France, 1997, p:105.

9) عن ناجح شاهين، المجتمع المدني والديموقراطية، شبكة الأنترنيت للإعلام العربي (أمين).

10) عبد الغفار شكر، المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديموقراطية، مرجع سابق، ص:37.

11) عن هند عروب، المجتمع المدني المغربي فعالية أم أوهام الفعالية؟ (المغرب في مفترق الطرف) منشورات وجهة نطر، ص: 163.

12) محمد عابد الجابري، إشكالية الديموقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، عدد 176، يناير 1993، ص:8.

13) عن عبد الغفار شكر، مرجع سابق، ص: 43.

14) عبد الله حمودي، المجتمع المدني في المغرب العربي، تجارب نظريات وأوهام في وعي المجتمع بذاته، عن المجتمع المدني في المغرب العربي، دار توبقال، 1998، ص:227.

15) سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، التجديد السياسي والواقع العربي المعاصر:رؤية إسلامية، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، مركز البحوث والدراسات السياسية، مكتبة النهضة المصرية 1989، ص:180.

16 ) برهان غليون، اختيار الديموقراطية في سورية، دار بترا، دمشق 2003، ص: 117.

17 ) محمد مورو، المجتمع المدني إشكاليات المصطلح والممارسة ـ المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديموقراطية، مرجع سابق، ص:109.

18 ) عبد الكريم غلاب، تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب، الجزء الأول، مطبعة الرسالة بالرباط، 1987، ص:38.

19 ) سالم الساهل، تصورات عن المجتمع المني والمجتمع السياسي بالمغرب، مجلة أبحاث، العدد 55، 2003 ص: 51و52.

20 ) تقرير البنك الدولي عن سنة 1995.

21 ) تقرير البنك الدولي عن سنة 1998.

22 ) مجموعة البنك الدولي، المجتمع المدني،

www.albankaldawli.nsf.arabicweb/mn/org

23  ) المرجع السابق.

24  ) عن موقع منظمة الأمم المتحدة على شبكة الأنترنيت.