المشهد السياسي المغربي أي تطور؟ وأي آفاق؟
السبت, 20 أيلول/سبتمبر 2014
الصفحة الرئيسية مفالات المشهد السياسي المغربي أي تطور؟ وأي آفاق؟
مرحبا بكم » رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب-  الإمام الشافعي
مرحبا بكم » في موقعي الشخصي الذي يهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان
المشهد السياسي المغربي أي تطور؟ وأي آفاق؟ PDF طباعة أرسل إلى صديق
التطور من النواميس التي تخضع لها مختلف المجتمعات البشرية، ويمس كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، غير أن وتيرة التطور ووِجْهَتَهُ تتغيران من بلد إلى آخر بحسب الأنظمة السائدة والإرادة السياسية، وطبيعة الحكامة المتبعة، والإمكانات المتاحة، والوسائل المتوفرة.
  
والتطور السياسي الذي يسير في اتجاه الدمقرطة وتوسيع فرص المشاركة أمام سائر فئات المجتمع، يكون بمثابة رافعة للتطور الإيجابي في مختلف المجالات الأخرى لما يخلقه من ثقة وحماس، وما يقترن به من تجنيد لكل القوى الحية، وتعبئة للطاقات المبدعة والخلاقة؛ ونجد تفسيرا واضحا لذلك في مستوى التطور الذي تعرفه البلدان الديمقراطية، والذي لا نجد له نظيرا في الدول التي يتعثر فيها البناء الديمقراطي، أو البلدان التي تسودها أنظمة استبدادية.
وبالنسبة للمغرب فإنه لم يكن بمنأى عن رياح التغيير المناصرة لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي هبت على العالم منذ أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، وعرف كل من المشهد السياسي والحقوقي بعض التحولات الإيجابية.
غير أن قوى الجذب إلى الخلف التي ظهرت بشكل واضح منذ السنوات الأولى للاستقلال لم تتخل عن دورها في خلط الأوراق السياسية، وتمييع التعددية الحزبية، وتشويه المشهد السياسي، وهي اللعبة التي بدأت مع تأسيس أول حزب إداري سنة 1958 على أسس عنصرية، وتطورت بشكل أكثر وضوحا ونشازا بتأسيس ما يعرف بالفديك سنة 1963، وما أعقب ذلك من أحداث خطيرة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
واستمرت نفس اللعبة مع بداية ما سمي بالمسلسل الديمقراطي بخروج «الأحرار» من جبة السلطة سنة 1977، ثم الاتحاد الدستوري سنة 1983؛ وبعد كل ولادة قيصرية من هذا النوع فإن غالبية المهرولين لتعزيزها تتمثل في طوائف من الانتهازيين والوصوليين لكسب مواقع وجني ثمار قد يصعب الوصول إليها، أو يتطلب وقتا طويلا وجهدا كبيرا في حالة اتباع المسالك المشروعة.
ونفس الأيادي المولدة للأحزاب التي أطلق عليها المغاربة إسم «أحزاب الإدارة» كانت تدفع في اتجاه تفجير أحزاب وطنية، وخلق انشطارات حتى داخل صنائعها الإدارية، إلى أن أصبح المشهد الحزبي والسياسي في أسْوَءِ صورة تبعث على النفور والعزوف، وهو ما برز بشكل مفجع في الانتخابات التشريعية لسنة 2007، وليس هناك ما يفيد بأن الصورة قد تتغير في الاستحقاقات المرتقبة سنة 2009.
والقوى التي توارثت لعبة تمييع المشهد الحزبي والسياسي، والتشجيع على التكاثر غير الطبيعي لللأحزاب، كانت دائما تتوخى تحقيق أهداف مترابطة وهي:
* إعطاء صورة للعالم الخارجي بأن المغرب يضمن التعددية الحزبية.
* بناء ديمقراطية شكلية تركز على حضور الواجهات، دون تحقيق المبدأ الأساسي والجوهري للديمقراطية وهو سلطة الشعب.
* تسويق صورة نمطية وهي أن الأحزاب متشابهة، وكلها ضعيفة ومنقسمة على نفسها، وأن الجهة الوحيدة التي لها مصداقية هي السلطة العليا في البلاد، أو ما يسميه البعض بالمخزن استئناسا بالتراث السياسي التقليدي، وأن هذه السلطة هي التي تتوفر على القدرة والديناميكية للتجاوب مع المواطنين وخدمة مصالحهم.
وممارسو هذه اللعبة يظنون أو يحاولون أن يوهموا من يهمه الأمر بأنهم «يخدمون» ثوابت المغرب ومؤسساته الدستورية، غير أن النتائج الفعلية التي حصدتها البلاد كانت دائما سلبية، ليس بالنسبة للأحزاب فقط، وإنما انعكست آثارها على المشهد السياسي ككل، وزعزعت مصداقية المؤسسات، وليس العزوف الذي يشتكي منه الفاعلون السياسيون اليوم سوى مظهر من مظاهر تداعيات ممارسة تلك اللعبة السيئة.
وخلاصة ما يمكن استنتاجه من التقييم الموضوعي للتجارب الماضية هي أن كل المحاولات الرامية لصنع قوى سياسية لتكون قريبة من السلطات العليا للبلاد، أو تعمل باسمها، أو تحت غطائها، أو من أجلها، أو دفاعا عن سياستها، يكون مآلها هو الفشل، ونتيجتها هي الإفلاس، لأن القوى السياسية التي تكسب المصداقية وتحظى بالاحترام، هي التي تتولد عن حاجة مجتمعية واضحة، وترى النور بإرادة تلقائية ومبادرة مستقلة لمؤسسيها، وبعيدة عن كل اشتباه بكونها «مخدومة» أو موحى بها، أو مطلوبة من طرف أصحاب القرار، لتتولى مهمة تسويق وتصريف سياساتهم.
وإن تجاوز ما آل إليه المشهد الحزبي والسياسي في المغرب، وإصلاح الأعطاب التي أصيب بها على امتداد عقود من الزمن، لن يتم بخلق كيانات سياسية جديدة أو قديمة في حلة جديدة، قريبة أو بعيدة من الإدارة، في صيغة التجارب المفلسة السابقة أو في شكل مغاير، بشعارات حداثية أو تقليدية أو أصولية، لأن إضافة رقم إلى عدد الهيئات القائمة إذا لم يساهم في المزيد من خلط الأوراق وتعقيد الوضع، فإنه لا طائل يرجى من ورائه، باعتبار أن المشكل بنيوي في جوهره، ولا ينحصر في أداء بعض الأحزاب على فرض أن تأسيس حزب جديد سيأتي ببرامج ومناهج جديدة ومجدية، وبالتالي فإن التطور الإيجابي المنشود في المشهد السياسي المغربي يحتاج أساسا إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي، وإعطاء المصداقية للمؤسسات، واستعادة الثقة التي هي أساس التعبئة التي تحتاج إليها البلاد في المرحلة الراهنة، الأمر الذي يتوقف على عدة إصلاحات سياسية ودستورية يكون محورها الأساسي هو جعل إرادة الشعب مناط سلطة الحكم، أي أن تكون صناديق الاقتراع هي مصدر السياسات العامة، ومنبع التوجهات والقرارات الأساسية، وأن تكون الانتخابات الدورية فرصة لمحاسبة المسؤولين عن البرامج التي وضعوها، والأولويات التي حددوها، والأعمال التي أنجزوها أو لم ينجزوها، في إطار مسؤوليتهم الكلية عن تدبيرهم للشأن العام خلال مدة محددة، وبذلك يشعر الناخب بأهمية الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة.
وإلى جانب هذا الإصلاح الجوهري، فإنه لابد من احترام استقلالية الأحزاب السياسية في مواقفها، وفي تدبير شأنها الداخلي، وفي اختيار قادتها طبقا لقوانينها الداخلية، وفي اختيار مرشحيها في الانتخابات، وفي اقتراح ممثليها في الحكومة إذا كانت ضمن الأغلبية، وعدم فرض أي شخص باسم أي حزب ولو كان عضوا فيه.
وإذا كان من غير الممكن حل الكيانات السياسية التي اختلقت في فترة ما، وتسببت في تمييع التعددية، فإنه فضلا عن ضرورة تجنب إضافة أي رقم جديد مشابه ولو بطريقة مغايرة، فعلى الإدارة أن تنسى تماما أن تلك الكيانات خرجت من جلبابها، وأن تتعامل مع الأحزاب السياسية على أساس التكافؤ الذي من شأنه أن يُبقي على الأصلح، وبذلك من المؤكد أن تتغير صورة المشهد الحزبي تدريجيا نحو العقلانية.
أما إذا استمر العمل بنفس الأساليب ونفس الخلفيات التي اعتمدت في الماضي، ولو بأشكال مغايرة، فإنه لا يمكن التنبؤ للمشهد الحزبي والسياسي في المغرب بآفاق أفضل مما هو عليه حاليا، بل سيؤدي ذلك إلى مزيد من التمييع، وعدم الثقة وعدم المصداقية، وما يترتب عن ذلك من تطورات سلبية لا تُحمد عقباها.