ولا غرابة في أن ينتشر استعمال هذه الوسيلة النضالية من طرف عدة منظمات نقابية في
دفاعها عن حقوق ومصالح فئات الأجراء والموظفين الذين تمثلهم، خاصة بعد أن تصل جلسات
الحوار إلى الباب المسدود، كما أنه لا غرابة في تنظيم (وقفات إحتجاجية) للتعبير عن
مواقف سياسية أو حقوقية حينما لا تكون هناك وسائل أخرى كافية لتبليغ هذه المواقف
لمن يعنيهم الأمر، وإحداث التأثير المقصود منها.
لكن ما يثير الانتباه هو اتساع الأغراض والأهداف التي يتم من أجلها اللجوء إلى
(الوقفات الاحتجاجية)، كاستعمالها في مواجهة برنامج تبثه قناة تلفزية، ويتضمن
أفكارا لا تروق البعض، أو استعمالها ضد أفكار نشرت ضمن مقال في صحيفة أو مجلة، أو
بصفة عامة اتخاذها كوسيلة لاحتجاج جماعة من الناس على القناعات التي تعبر عنها
جماعة أخرى من نفس المجتمع.
ففي مثل هذه الحالات تكون(الوقفة الاحتجاجية) ظاهرة غير عادية، وتنم عن ترجيح أسلوب
لا يمكن أن يكون هو الأفضل بالنسبة للثقافة الديموقراطية التي تجعل الحوار الفكري
هو أساس التعامل بين التيارات المتعارضة، والمكونات المختلفة للمجتمع.
ويتجلى وجه الغرابة بشكل أوضح، حينما يصبح التنافس بين مجموعات متعارضة في مذاهبها
السياسية ومشاربها الفكرية، يتمثل في وقوف عناصر من هذه المجموعات في الشارع العام،
وتردد كل واحدة منها شعارات وهتافات، دون الحديث عن الشتائم، ويتصرف كل طرف وكأن من
يستطيع أن يجند أكثر عدد من المناصرين، ويحقق أعلى صراخ هو الذي يكون منتصرا على
خصمه!!!
فأي نتيجة يمكن تحقيقها من (الوقفات الاحتجاجية) بهذا الشكل؟ وهل يمكن لأي طرف يقوم
بمثل هذا (الاحتجاج) أن يقنع الطرف المقابل له بفكرة ما؟ وهل يمكن للمتنافسين بهذه
الطريقة أن يفيدوا المجتمع بشيء؟ والجواب عن هذه التساؤلات هو بطبيعة الحال لا شيء،
وبالتالي يكون التعامل بهذا الأسلوب بمثابة حوار الصم الذي يكون فيه كل طرف معتقدا
بأن موقفه هو الصواب المطلق، وأن موقف الخصم هو الخطأ المطلق، وأنه لا مجال لأي
نقاش أو حوار فكري هادئ، ولا يمكن أن يؤدي ذلك إلا لتأجيج التعصب والتطرف، وإذكاء
الكراهية وعدم التسامح، ولا يساعد بالتالي على دمقرطة(*) المجتمع علما بأن
الديموقراطية لا تكتمل إذا غابت ثقافتها عن المجتمع، وانعدمت
مقوماتها في العلاقات بين مكوناته والتيارات السائدة فيه.
ـــــــــــــ
(*) يعتبر عبد الهادي بوطالب أن كلمة (دمقرطة) خطأ في اللغة العربية، وأن الصحيح هو
(دقرطة) غير أني أفضل استعمال الكلمة (الخطأ) باعتبارها الأقرب إلى التبليغ، خاصة
وأن كلمة (الديموقراطية) التي هي المصدر غير عربية، وإنما يونانية الأصل كما هو
معروف، ودخلت إلى لغة الضاد من ترجمة الفكر الغربي (أنظر عبد الهادي بوطالب، معجم
تصحيح لغة الإعلام العربي، جريدة العلم، فاتح فبراير 2005، الصفحة الأخيرة).