|
أمريكا تنوب عن العرب في تحديد مستقبلهم!
3 / 3
بعد استعراضنا للسياق والظروف التي جاء فيها (مشروع الشرق الأوسط الكبير) في الجزء
الأول من هذا المقال، وتعرفنا على فحوى المشروع في الجزء الثاني، نخصص هذا الجزء
الثالث والأخير لطرح عدد من التساؤلات، وإبداء بعض الملاحظات.
إن المشروع الأمريكي يستند كما رأينا على الخلاصات المستنتجة من تقريري التنمية
البشرية العربية لسنتي 2002 و 2003، بما تعبر عنه من واقع مفجع،
ولا يشرف أي مواطن
عربي، غير أن قتامة هذا الواقع هل تخول للولايات المتحدة الأمريكية أن
"تنوب" عن الشعوب
العربية، وبعض الشعوب الإسلامية، وكأنها ولية أمرها، وتختار لها الحلول المناسبة
لحل مشاكلها، وتقوم بعرض المخطط الذي ترسمه في هذا الشأن على دول أخرى من خارج
المنطقة المعنية لدراسته والتداول في شأنه ؟
وإذا كان أي أحد لا يجادل في أن الغالبية العظمى من البلدان المدرجة في خريطة ما
سمي بالشرق الأوسط الكبير تفتقر للديموقراطية، فهل هذا يبرر اعتماد أسلوب يتعارض مع
قيم الديموقراطية، ويدوس حقوق الشعوب، والتدخل في شؤون دول ذات سيادة بمفهوم
القانون الدولي، وفرض خيارات عليها تمس أنظمتها الداخلية، وعلاقاتها الخارجية ؟
وإذا كان لا شيء يمنع الولايات المتحدة الأمريكية من عدم التعامل مع حكام توصف
أنظمتهم بأنها غير ديموقراطية، وألا توليهم أي اعتبار، فهل من الديموقراطية إلغاء
إرادة الشعوب، والنيابة عنها في تقرير مصيرها، واختيار مستقبلها، دون أي اعتبار
لرأيها ؟
وإذا تجاوزنا كل ذلك،
وافترضنا أن هذا التدخل في شؤون الغير ليس فيه تعارض مع قيم الديموقراطية، ولا يخل
بمبادئ المشروعية الدولية، فلماذا وقع الاختيار على منطقة الشرق الأوسط بالذات، مع
العلم أن هناك مناطق أخرى في العالم، خصوصا في إفريقيا وآسيا، تفيد تقارير التنمية
البشرية المتعلقة بها، أنها تعاني من نفس الاختلالات الموجودة في بلدان الشرق
الأوسط، أو أكثر ؟
وحسب المنطق الديموقراطي السليم، فإن الجواب عن هذه التساؤلات يمكن تلخيصه في أنه
لا صلاحية للولايات المتحدة في أن تحدد منطقة من العالم، مهما كانت ظروفها السياسية
والاقتصادية والاجتماعية، وتنصب نفسها نائبة عن شعوبها، تختار لهم ما يروقها هي من
نظام سياسي، ونمط العيش، وتفرض عليهم ما تراه هي مناسبا من علاقات وروابط فيما بين
تلك الشعوب من جهة، وعلاقات بلدانهم كمجموعة مع باقي بلدان العالم من جهة أخرى؛
وحتى في إطار منطق حماية المصالح الأمريكية، لا يحق للولايات المتحدة أن تتولى
تقرير مصير منطقة تضم عدة دول، في غياب إرادة الشعوب، وضدا على سيادة الدول
المعنية.
ويبقى التفسير الوحيد للطريقة التي أعدت بها الولايات المتحدة الأمريكية مشروعها
حول "الشرق الأوسط الكبير"،
هو أن هذه الدولة العظمى، بعد احتلالها للعراق خارج إطار الشرعية الدولية،
واحتلالها لأفغانستان قبل ذلك، دون أن يحرك العالم ساكنا في مواجهة نزعتها الهيمنية،
لم تعد تجد أي حرج في الإفصاح عن مخططها الاستراتيجي، الهادف إلى إعادة رسم خريطة
منطقة تمثل بخيراتها وطبيعتها الجيوسياسية، المجال الحيوي لتوسيع النفوذ والسيطرة
في العالم، وتحقيق المزيد من القوة والتفوق الاقتصادي، وما عرض المشروع على مجموعة
الدول الثمانية، سوى محاولة للحصول على دعم هذه الأخيرة، وتجنب تكرار سيناريو
المعارضة التي لقيتها الولايات المتحدة في حربها على العراق من طرف دول ذات ثقل
سياسي واقتصادي هام على المستوى الدولي.
ومن الملفت للنظر أن (مشرع الشرق الأوسط الكبير) الأمريكي، لا يشير لا من قريب ولا
من بعيد للقضية المحورية في المنطقة، وهي القضية الفلسطينية التي تعرف تطورات
خطيرة، بسبب سياسة الاغتيالات ونسف البيوت على رؤوس ساكنيها، والتقتيل الجماعي
للأبرياء، وانتهاك حرمات الأماكن المقدسة، وغير ذلك من جرائم إرهاب الدولة الذي
يمارسه الكيان الصهيوني العنصري ضد الشعب الفلسطيني، والتهديد الذي يشكله في مواجهة
الدول المجاورة التي مازال يحتل أجزاء من أراضيها، ونسف مسلسل التسوية السلمية،
بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية التي كان من الفروض أن تواصل رعاية ودعم الجهود
الرامية إلى إقامة سلام عادل في المنطقة، عوض أن تصبح ضالعة مع سلطات الاحتلال في
طغيانها، وتجازوها للمواثيق الدولية، وعدم إذعانها لمقررات المنتظم الدولي، التي
تضمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ولا يمكن فهم أي ديموقراطية تبشر بها الولايات المتحدة الأمريكية، في مشروعها، وهي
التي تتجاهل رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية المنتخب من قبل شعبه، ولا تتعامل معه،
وتصمت عن حصاره من طرف قوات الاحتلال الإسرائيلي، في حين أنها طالما دعمت، ومازالت
تساند وتضمن الحماية لحكام لا يستمدون سلطاتهم من إرادة شعوبهم، وآزرت أنظمة لا
مكان فيها للمؤسسات الديموقراطية، وتحتقر المرأة، وتنتهك حقوق الإنسان.
ولابد من الإشارة إلى أنه إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تريد إقامة شراكة
حقيقية مع منطقة الشرق الأوسط الكبير الذي يجمع العالمين العربي والإسلامي، فلا
ينبغي أن تتجاهل بأن المدخل الطبيعي لهذه الشراكة، هو الاعتراف بالآخر، واحترام
قيمه وثقافته، وأنها تبنى بالحوار المتكافئ مع الأطراف المعنية وليس مع غيرها،
وترمي لحماية المصالح المشتركة على أساس من التوازن والتعاون المثمر، وليس على أساس
استغلال طرف قوي لطرف آخر ضعيف.
وبقطع النظر عن الأهداف الخفية والعلنية للمشروع الأمريكي، فإنه يمكن أن يكون له
أثر إيجابي بالنسبة للبلدان العربية والإسلامية، في حالة اعتباره من طرف هذه
الأخيرة، كمنبه لما تواجهه المنطقة من تحديات، فيدرك الحكام أنه لم يعد هناك وقت
لتضييعه في الصراعات الهامشية، والحساسيات التي لا طائل يرجى من ورائها، وأنه لا
مناص من الإصلاحات الداخلية العميقة، التي تقوم بإعدادها وتنفيذها بنفسها، ولا مفر
في هذا الصدد من إقامة أنظمة ديموقراطية حقيقية تجعل الشعوب سيدة نفسها ومصيرها،
وأنه لابد من التعاون على أسس عقلانية تجلب المصالح لمجموع الأمة العربية
والإسلامية، وتدفع عنها المصائب، وتحصنها في مواجهة الأطماع الاستعمارية الجديدة،
وتجعلها محل احترام، ويحسب لها حسابها على الصعيد الدولي.
(نشر بجريدة الأحداث المغربية في 21 أبريل 2004 ص 13)
|