|
أمريكا
تنوب عن العرب في تحديد مستقبلهم !
2 / 3
تعرضنا في الجزء الأول من هذا المقال لتعثر العمل المشترك بين الدول العربية، وغياب
أي اهتمام جدي بالتحديات التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط، وتعرفنا على المخطط
الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية الرامي لبسط الهيمنة على هذه المنطقة،
والمراحل التي قطعتها في تنفيذ مخططها، وننتقل في هذا الجزء الثاني للحديث عن ﴿مشروع الشرق الأوسط الكبير﴾ الذي يشمل فضلا عن مجموع
الدول العربية، باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل.
ويستند المشروع الأمريكي على المعطيات والمؤشرات التي تضمنها التقريران الصادران عن
منظمة الأمم المتحدة حول التنمية البشرية في الدول العربية لسنتي 2002 و2003،
واللذان يقدمان صورة لما تعانيه
هذه الدول من مظاهر الاختلال والتخلف، ويتجلى ذلك على الخصوص في انخفاض
الدخل حيث إن مجموع إجمالي الدخل المحلي ل 22 دولة عربية أقل من نظيره في إسبانيا
وحدها، وانتشار الأمية التي تصل إلى نسبة 40 %،
وارتفاع نسبة البطالة التي في حالة استمرار معدلاتها الحالية سيبلغ عدد العاطلين في
المنطقة 25 ملين شخص بحلول سنة2010، وانتشار الفقر حيث يعيش ثلث السكان بأقل من
دولارين في اليوم، ولا يستطيع استعمال الأنترنت أكثر من 1 ,6 %
من السكان، ولا تشغل النساء سوى3,5 %
من المقاعد البرلمانية، وليس هناك سوى أقل من 53 صحيفة لكل ألف شخص، في حين توجد
بالبلدان المتقدمة 285 صحيفة لكل ألف شخص، ولا تنتج البلدان العربية من الكتب سوى 1,1 %
من الإجمالي العالمي، وعدد الكتب المترجمة إلى العربية أقل خمس مرات من الكتب
المترجمة إلى اليونانية التي لا يتحدثها أكثرمن 11 مليون نسمة، و51
%
من الشباب يعبرون عن رغبتهم في الهجرة خاصة إلى أوربا، منهم ربع خريجي الجامعات.
ويربط المشروع الأمريكي بين هذه المعطيات القاتمة فعلا، وما تشكله من تهديد مباشر
لمصالح أعضاء مجموعة الثمانية، على اعتبار أن تزايد عدد الأفراد المحرومين من
حقوقهم السياسية والاقتصادية في المنطقة، سيؤدي إلى المزيد من التطرف والإرهاب،
والجريمة الدولية، والهجرة غير المشروعة.
والبديل الذي يتضمنه (مشروع الشرق الأوسط الكبير) هو العمل على تصحيح الأوضاع من
خلال ثلاثة محاور أساسية:
1)
تشجيع الديموقراطية والحكم الصالح:
الديموقراطية والحرية ضروريتان لازدهار المبادرة الفردية، غير أن هناك فجوة كبيرة
بين البلدان العربية، وما وصلت إليه مناطق أخرى من العالم في مجال الحكم القائم على
المشاركة، حيث جاء في تقرير (فريدوم هاوس) سنة 2003 ، أن إسرائيل هي البلد الوحيد
في الشرق الأوسط الذي صنف بأنه "حر"، ووصفت أربعة بلدان أخرى فقط بأنها "حرة جزئيا"،
وجاء في تقرير التنمية البشرية العربية أنه من بين سبع مناطق في العالم حصلت
البلدان العربية على أدنى درجة في الحرية، وبالنسبة لقواعد قياس "التعبير عن الرأي
والمساءلة" تأتي المنطقة العربية في المرتبة الأدنى في العالم، الأمر الذي لا ينسجم
مع رغبات سكان المنطقة، ويستوجب ذلك حسب المشروع:
ـ التشجيع على إجراء الانتخابات الحرة والمنصفة، وتقديم المساعدة التقنية للدول
التي تبدي استعدادا جديا في هذا الشأن، فيما يخص التشريع، وتسجيل الناخبين،
والإشراف على العمليات الانتخابية، ولجن المراقبة.
ـ إنشاء معاهد للتدريب مع التركيز على النساء لدعم حضور المرأة في الحياة السياسية
والمدنية.
ـ تقديم المساعدة القانونية للناس العاديين، بإنشاء وتمويل مراكز لتقديم المشورة
القانونية في مختلف المجالات.
ـ التشجيع على تحرير وسائل الإعلام، وتنظيم برامج لتدريب وتكوين الصحفيين
المستقلين، لتمكينهم من التغطية الموضوعية للانتخابات، وتبني مبادئ الشفافية
ومحاربة الفساد، الذي يعتبره البنك الدولي العقبة الكبرى في وجه التنمية ببلدان
الشرق الأوسط.
ـ ضمان حرية العمل لمنظمات المجتمع المدني، وخاصة منها العاملة في مجال الدفاع عن
حقوق الإنسان، والنهوض بالمرأة ووسائل الإعلام، وتوفير الدعم المادي والتقني لهذه
المنظمات.
2) بناء مجتمع معرفي:
نظرا للتخلف الذي تعرفه منطقة الشرق الأوسط في مجال المعرفة والعلوم والتكنولوجيا،
يقترح المشروع مبادرة التعليم الأساسي التي تشمل محاربة الأمية، مع التركيز على
النساء، والمساعدة على نشر الكتب التعليمية، والكتب المترجمة، وإعادة نشر الكتب
العربية الخارجة حاليا من التداول، وإصلاح مناهج التعليم ، وتدريس إدارة الأعمال،
وتوفير الاتصال بالكمبيوتر وتوسيع استعمال الأنترنت كأداة للتعليم والمعرفة، مع
التركيز على البلدان الأقل استخداما للكمبيوتر، كالعراق وأفغانستان وباكستان
واليمن وسوريا وليبيا والجزائر ومصر والمغرب.
3) توسيع الفرص الاقتصادية:
يعتبر المشروع أن التغلب على الهوة الاقتصادية التي تفصل الشرق الأوسط عن العالم
المتقدم، تتطلب تحولا مشابها لما اعتمد في دول أوربا الشرقية بعد تخليها عن أنظمتها
السابقة، وأن مفتاح التحول هو إطلاق قدرات القطاع الخاص، وتقوية فاعلية القطاع
المالي، للوصول إلى نسبة أعلى للنمو، وخلق فرص العمل، وتشجيع القروض لفائدة
المشاريع الصغيرة، وإحداث مؤسسات مالية تساعد على تخفيض سيطرة الدولة على الخدمات
المالية، ورفع الحواجز عن المعاملات المالية بين الدول، وتحديث الخدمات المصرفية،
ودعم اقتصاد السوق.
ونظرا لكون التبادل التجاري في الشرق الأوسط لا يشكل سوى 6 % من كل التجارة
العربية، وأن معظم بلدان "الشرق الأوسط الكبير" تتعامل تجاريا مع بلدان خارج
المنطقة، فإن المشروع الأمريكي يقترح في إطار مبادرة التجارة، الانضمام إلى منظمة
التجارة الدولية، وإنشاء مناطق تجارية لتحسين التبادل التجاري في المنطقة،
والمعاملات المتعلقة بالرسوم الجمركية، وإحداث مناطق لرعاية الأعمال تتولى تشجيع
التعاون الإقليمي في تصميم وتصنيع وتسويق المنتجات، وإنشاء منبر الفرص الاقتصادية
يضم مسؤولين كبار من مجموعة الدول الثمانية، و"الشرق الأوسط الكبير" لمناقشة
القضايا المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي، وما يرتبط بها من شؤون مالية وتجارية، وما
تقتضيه من ضوابط.
وإن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الموضوع من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، والذي
سيكون محل دراسة ومناقشة في مؤتمر لمجموعة الدول الثمانية الأكثر غنى في شهر
يونيو2004، يثير مجموعة من التساؤلات والملاحظات وهي موضوع الجزء الموالي من هذا
المقال.
( نشر بجريدة الأحداث المغربية في 16 أبريل 2004 ص 11 )
|