|
أمريكا
تنوب عن العرب في تحديد
مستقبلهم! 1
/ 3
منذ انتهاء العهد
الاستعماري، وحصول الدول العربية تباعا على استقلالها السياسي مع منتصف القرن
الماضي، وهي تبحث عن وحدة كانت بمثابة حلم لدى الشعوب، ومجرد وهم بالنسبة للحكام
الذين يستمد معظمهم "شرعيته" من العشيرة أو القبيلة، أو من دعم الجيوش، أو من نسبة
99
% التي تفرزها الانتخابات
المخدومة، أما إرادة الشعوب التي هي مناط كل سلطة شرعية ديموقراطية، فإنها غائبة
ومُغيبة.
ونتيجة رفض الكثير من الحكام العرب الانخراط في العصر، تعيش المنطقة خارج
زمن الديموقراطية وحقوق الإنسان، وغير عابئة بما يجري في المحيط الدولي من
تكتلات سياسية واقتصادية، وما تطرحه تحديات العولمة بالنسبة للحاضر
والمستقبل.
ورغم أن بحورا من المداد سالت على الساحة العربية، نثرا وشعرا وخطابة ومن
كل فنون القول، في انتقاد ما عرفته وتعرفه هذه الساحة من تشرذم سياسي،
وتدهور اقتصادي، وتخلف اجتماعي، فإن ذلك لا يجدي في التحسيس بخطورة الوضع
وعواقبه غير المحمودة؛ ورغم صدور أطنان من التوصيات عن المؤتمرات العربية
على عدة مستويات، والتي ترسم معالم لتصحيح المسار، وفتح الآفاق نحو التطور،
فإن ذلك لا يغير أي شيء من الواقع؛ وعلى الرغم من تزايد الخطر الناجم عن
غطرسة الكيان الصهيوني العنصري المزروع في جسد الأمة العربية، وما يرتكبه
من جرائم شنيعة في حق الشعب العربي الفلسطيني، وما يشكله من تهديد لدول
وشعوب المنطقة كلها، فإن رد الفعل لا يتجاوز في أحسن الأحوال الشجب الكلامي
الذي لا طائل من ورائه.
أمام هذا الوضع البئيس، وفي عالم أصبح يسوده قطب واحد، فإن رغبة هذا الأخير
في إعادة رسم خريطة العالم وفق أهدافه الاستراتيجية، وفي إطار الحرب
المعلنة على الإرهاب الذي تنبت خلاياه في البلدان العربية والإسلامية،
وتنتشر لتهدد المصالح الأمريكية بالخصوص، والغربية عموما؛ في هذا السياق،
وفي ظل المعطيات المذكورة، يأتي المشروع الأمريكي حول "الشرق الأوسط
الكبير".
ولما كانت العادة المترسخة لدى حكام المنطقة المعنية، هي عدم الاتفاق وعدم
التوحد حول أي موضوع مشترك، بل يبدو من مواقف بعضهم وكأنهم مستقيلين من
المجال الذي يهم المصير المشترك للأمة العربية، أو أنهم غير معنيين بما
يجري حولهم، فليس من الغريب والحالة هذه أن يوجه "مشروع الشرق الأوسط
الكبير" بالأساس إلى مجموعة الدول الثمانية الأكثر غنى في العالم لدراسته
في مؤتمر ستعقده في يونيو 2004، لأن المجموعة المذكورة يحرص كل طرف منها
على حماية مصالحه، وتوسيع نفوذه عبر العالم، وتسهر في مجموعها على ضمان
التوازن فيما بينها.
وإن أحداث 11 شتنبر 2001 جعلت
الولايات المتحدة تعجل بالإفصاح عن مخططها الاستراتيجي المتعلق بمنطقة
الشرق الأوسط، ففي إطار سعيها لتعزيز هيمنتها، وضمان التفوق لاقتصادها في
العالم، فهي تحرص على تقوية نفوذها في هذه المنطقة التي تختزن ثلاثة أرباع
الاحتياطي العالمي من النفط، وأكثر من نصف احتياطي الغاز، وتحت غطاء الحرب
على الإرهاب، أصبحت وتيرة السير نحو الأهداف الاستراتيجية الأمريكية أكثر
سرعة، كما أضحت مضامين هذه الأهداف أكثر وضوحا من ذي قبل.
وقد بدأت عناصر المشروع الأمريكي تجتمع وتكتمل صورته، منذ بداية العقد
الأخير من القرن الماضي، ففي سنة 1992 طرح (بول هينز) و (إندرز ويمبش) من
مؤسسة (راند) مجموعة من الأهداف، منها على الخصوص "ضرورة النظر إلى منطقة
الشرق الأوسط من خلال البلدان المحيطة به" ومن هنا يأتي مصطلح (الشرق
الأوسط الكبير) الذي يمتد من المغرب الأقصى غربا، إلى باكستان وأفغانستان
شرقا، وكانت تُتداول مجموعة من الأفكار والسيناريوهات في مراكز البحث، وفي
الندوات والدراسات مثل ندوة التقييم الاستراتيجي سنة 1995، ودراسة
(صموئيل هنتنغتون) الشهيرة حول صدام الحضارات، حيث يُبرز فيها الأهمية التي أصبحت تكتسيها الثقافة بالنسبة
للشعوب في العالم، ويعتبر أن السمة الأساسية للصراع العالمي في المرحلة
المقبلة تكمن في الجانب الثقافي، وبالتالي فإن تحقيق الأهداف الأمريكية،
يقتضي إحداث تغيير ثقافي شامل في العالم العربي والإسلامي؛ وتكامل
الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية المطلوبة أمريكيا في هذا العالم،
يعني خلق بنى اجتماعية تحمل تصورات ثقافية متأثرة إلى أبعد حد بالنموذج
الأمريكي في نظرتها للمجتمع، وتصورها للمستقبل، وفي سلوكها الأخلاقي، وهذا
النوع من التأثير هو ما يسميه الخبير الأمريكي (جوزيف ناي) بالقوة الناعمة.
وبدأت تتضح معالم الاستراتيجية الأمريكية، من خلال الدور الذي لعبته مجموعة
(المحافظين الجدد)، وعلى رأسهم (ديك تشيني) و (رامسفيلد)،
ببلورتهم لمشروع (القرن الأمريكي الجديد) سنة 1997، ودعوتهم بعد ذلك
إلى تغيير النظام العراقي بالقوة، وإرساء تواجد عسكري أمريكي قوي في
المنطقة.
وكانت الأحداث التي هزت
الولايات المتحدة في 11 شتنبر 2001 هي الفرصة السانحة للشروع في تنفيذ
الاستراتيجية الأمريكية حيث أعلن (بوش) عما أسماه "محور الشر" و "الدول
المارقة" و "الحرب على الإرهاب" التي بدأت باحتلال أفغانستان، وما رافق ذلك
من إقامة قواعد عسكرية جديدة في المناطق المحيطة بها.
وتمزج المنهجية الأمريكية في تحقيق مخططها الاستراتيجي، بين القوة العسكرية
وبرامج "المساعدة" على التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن
المبادرات التي تدخل في هذا السياق، برنامج الشراكة بين الولايات المتحدة
والشرق الأوسط الذي أعلن عنه كاتب الدولة في الخارجية (كولن باول) في خطابه
بمؤسسة التراث بواشنطن في 12 دجنبر 2002، والذي قال أنه يرمي إلى "تشجيع
المشاركة الشعبية في العملية السياسية، ومساعدة المؤسسات التعليمية،
ومحاربة الأمية، ودعم حقوق المرأة، ومساعدة القطاعين العام والخاص على
إنجاز الإصلاحات الاقتصادية والاستثمار، بالإضافة إلى تقوية التفاهم
والشراكة بين الشعب الأمريكي والشعوب العربية"؛ ويتمثل الوجه الثاني في
اختلاق ذريعة (أسلحة الدمار الشامل) لإعلان الحرب على العراق واحتلاله خارج
نطاق الشرعية الدولية، وتركيز الوجود الأمريكي في المنطقة.
وليس (مشروع الشرق الأوسط الكبير) سوى حلقة جديدة في تنفيذ المخطط
الاستراتيجي الأمريكي الهادف إلى بسط الهيمنة والتحكم في منابع الثروات
النفطية وغيرها مما تختزنه أراضي البلدان العربية والإسلامية، وأمركة منطقة
ذات موقع استراتيجي هام، وتمتد على رقعة شاسعة في إفريقيا وآسيا، ومجاورة
لأوربا، وذلك تحت غطاء الإصلاح، وتمتيع شعوب المنطقة بالحرية
والديموقراطية، وهذا ما سنتعرض له في الجزء الثاني من هذا المقال.
(نشر بجريدة الأحداث المغربية
في 14 أبريل2004، ص 11)
|