ذكريات بالصور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس المقالات

أزمة الثقافة الديموقراطية

أزمة الديموقراطية

الاختلاف بين الرحمة والنقمة

الانتقال الديموقراطي

التناوب

الحرية والمسؤولية

نقد السياسة وسياسة النقد

بعد 50 سنة من استقلال المغرب

الشرق الأوسط الكبير ـ 1 ـ

الشرق الأوسط الكبير ـ 2 

الشرق الأوسط الكبير ـ 3 ـ

حوار الصم

حتى لا يتكرر ما جرى

صفحة الماضي

علال الفاسي كمنظر للمجتمع الديموقراطي الحداثي

خطاب الإصلاح

إدانة الإرهاب لا تكفي

التعدد السياسي

الحق في الاختلاف

المسلمون والإسلاميون

دمقرطة المجتمع

في السياسة والتسيس

وحدة الثقافة الديمقراطية

حول اغتيال الرئيس صدام حسين  

التدبير التقليدي والتدبير الديموقراطي

 

أزمة الديمقراطية

               بعد انتهاء فصل قديم للحديث عن التعديل الحكومي، وفي بداية فصل جديد لنفس الموضوع، ومن خلال التأمل في ثنايا الصورة التي يُراد إعطاءها للمشهد السياسي في المغرب، تبدو بعض النقط التي لا نحتاج إلى المجهر للتمكن من رؤيتها بوضوح، ومع ذلك لا تأخذ حقها في التعاليق والتحاليل السياسية والصحفية؛ ومن بين هذه النقط وصف "التقني" الذي أطلق على التعديل الأخير للحكومة تمييزا له عن التعديل "السياسي" الذي يعني تغيير الأغلبية الحكومية بسياستها وخياراتها (إن كانت لها وليست مملاة عليها)، وتكوين أغلبية جديدة بمنهجها وأولوياتها المغايرين لسابقتها.

وما تعكسه الصورة بشكل واضح وجلي، هو أن الحكومة الحالية في طبعتيها الأولى والثانية، هي في جوهرها أقرب إلى (التقنية) منها إلى (السياسية)، وذلك ليس فقط لأن الوزير الأول غير منتمي لأي حزب سياسي، وإنما لأن معظم أعضائها كذلك ليس لهم انتماء سياسي، وإن كان بعضهم محسوبا على أحزاب سياسية،  لأن الانتماء الحزبي بمفهوم سليم غير مغشوش، ليس مجرد حمل بطاقة حزب معين، أو الحصول ـ بطريقة من الطرق ـ  على تزكيته، وإنما هو ممارسة وتشبع، لا يتأتيان إلا بمعاناة واحتكاك، وتكوين وانضباط داخل التنظيمات الحزبية، وهذا لا يطعن أو يقلل مما يُفترض توفره من كفاءة ونزاهة وحسن نية لدى أي وزير لا منتمي فعلا أو حكما.

إن المشكل في عمقه لا يعني أي شخص من الأشخاص بالصفة الذاتية، وإنما يعني أولا وأخيرا المؤسسة الحكومية كإحدى الآليات التي ينبغي أن تتجسد من خلالها ديموقراطية تدبير الشأن العام، فالحكومة تمثل السلطة التنفيذية التي تفرض القواعد الديموقراطية المتعارف عليها دوليا أن تنبثق من الأغلبية البرلمانبة، بل إنها تستمد شرعيتها من تمثيليتها لأوسع الفئات الاجتماعية، وبغير هذه الصفة لا يكون لها اعتبار ولا مكان في البناء الديموقراطي، لأن التمثيلية التي تحظى بها هي  العنصر الجوهري والأساسي الذي يميز الحكم الديموقراطي عن غيره من أشكال الحكم الفردي المطلق، وتحقيق هذا العنصر رهين بممارسة العمل السياسي في إطار الأحزاب التي تعكس بتعدديتها توجهات الرأي العام المختلفة، وتعبر عن طموحات وحاجيات الفئات الاجتماعية المتباينة، وتتنافس في ابتكار أنجع السبل لتلبية رغبات المواطنين، وتحتكم لصناديق الاقتراع التي تمنح الأغلبية لحزب أو مجموعة من الأحزاب السياسية، وتكون إرادة الناخبين بمثابة تكليف للأغلبية بتنفيذ البرنامج الذي وضعته وتعهدت بإنجازه.

وفي إطار هذه القواعد الديموقراطية المعروفة، لا يُتصور أن تتركب الحكومة إلا من الشخصيات التي لها حضورها في الحياة السياسية، من خلال ما تقوم به من نشاط، وما تساهم به من تأطير، داخل الأحزاب التي تنتمي إليها، وتتشبع بمبادئها، وتشارك في وضع برامجها، وتتمتع بالحماس الضروري لتنفيذ هذه البرامج، ولا تكون هذه الشخصيات إلا من الحزب أو الأحزاب التي تتشكل منها الأغلبية، وبالتالي فإن تبوء الموقع الحكومي يكون تتويجا لعمل سياسي سابق ومعروف لدى الرأي العام؛ وهذا لا ينفي بطبيعة الحال حق كل مواطن في ممارسة العمل السياسي، أما من ابتعد عن هذا العمل بمحض إرادته، واختار لنفسه مجالات أخرى فإنه حتى إذا أراد تغيير اختياره فإن الخطوة الأولى لا تكون هي ولوج أعلى مراتب العمل السياسي.

والخروج عن القواعد الديموقراطية، أو مجرد التحايل عليها، أو  تعطيل أو تشويه بعض آلياتها المتكاملة، بإقحام أحزاب مزيفة في المشهد السياسي ، أو بتزوير الانتخابات ، أو عدم التقيد بنتائجها، أو بإلباس بعض التقنيين لباس أحزاب الأغلبية وهي منهم براء، أو بغير ذلك من أساليب التزييف والتحايل، من أجل استئثار جهة معينة بالحكم، وانفرادها بوضع الخيارات العامة، وباختيار العناصر التي تسهر على التنفيذ، فإنه لا يبقى من الديموقراطية إلا الإسم الفارغ من أي محتوى، ولا يبقى أي دور للمؤسسات التي يُفترض أنها منتخبة، لأنها تكون مجرد واجهات شكلية، تفتقر للمصداقية، ولا تفيد البلاد والعباد في شيء.

إن التعددية الحزبية تعني من بين ما تعنيه التنافس بين الأحزاب السياسية الذي يتيح للمواطنين ممارسة حق الاختيار بين التوجهات والبرامج المختلفة، أما إذا كانت السياسة العامة مرسومة من قبل، ولا تحتاج إلا لمن يحسن تنفيذها من الناحية التقنية، فلا يبقى أي معنى لاجتهاد الأحزاب وتنافسها في وضع البرامج، بل لا يبقى لوجودها أي معنى إذا لم تكن بمثابة جسور يشارك من خلالها المواطنون في تدبير الشأن العام، ولا يبقى أي مبرر لصرف مبالغ باهضة من المال العام لدعم الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية.

ولذلك فإن العنصر الجوهري الذي يتوقف عليه الانتقال الديموقراطي في المغرب هو إعطاء المدلول الحقيقي والعملي للآليات التي لا غنى عنها في أي مجتمع ديموقراطي، ومن أهمها الأحزاب السياسية، مع وضع الأسس السليمة لقيام دولة المؤسسات وذلك بإصلاح دستوري يهدف إلى توزيع الأدوار بين مختلف المؤسسات بشكل واضح، ضمانا لفاعليتها ومصداقيتها، وحتى لا تبقى أي مؤسسة مجرد واجهة شكلية، لأن المطلوب هو الجوهر وليس الشكل وحده، وبذلك يتاح المجال للاجتهادات، وتتعبأ كل الطاقات، لربح رهان التنمية والتقدم، علما بأن الزمن لا يرحم.                                                           

نشر في 18 يونيه 20004 بجريدة ( الأحداث المغربية ) ص

   
جميع  الحقوق محفوظة لصاحب الموقع ويمنع إعادة نشرمواد هذا المنبر دون ذكر