إن الخلايا واللجان التي تعمل في المحيط الملكي، وتحت الإشراف
المباشر للملك، على الرغم من وجودها في موقع سام بالنسبة لهرم
الدولة، ورغم أهمية الملفات وحيوية القضايا التي تشتغل بها، فإنها
لا تندرج ضمن (المؤسسات)
بالمفهوم الدستوري والديموقراطي، وفق المعايير المتعارف عليها في
مؤسسات الأنظمة الديموقراطية، والتي لها مهام واختصاصات معروفة،
ومحددة بمقتضى الدستور والقوانين التنظيمية، وبالتالي فإن اللجان
المحدثة بجانب الملك تكتسي طبيعة خاصة.
ولا أعتقد أن مبرر إحداث اللجان المذكورة تفرضه الرغبة في مواكبة «
الوتيرة السريعة
«
التي تسير بها المؤسسة الملكية في عهدها الجديد، في مقابل « بطء » الوتيرة التي
تعمل بها الحكومة، وذلك لعدة اعتبارات منها على الخصوص:
ـ إن ما يعرف باللجان الملكية لا يشكل ظاهرة جديدة، وإنما كانت مثل
هذه اللجان موجودة على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، الذي اختارها كأسلوب خاص،
ومنهجية تقليدية في تدبيره للحكم.
ـ إن الحكومة في النظام المغربي، هي حكومة جلالة الملك، فهو الذي
يعين الوزير الأول، ويعين الوزراء ويعفيهم، وهو من يحدد أولويات الحكومة، ويرسم
السياسة العامة التي عليها أن تنهجها، وله وحده صلاحية تحديد مواعيد انعقاد المجالس
الوزارية، ويترأسها شخصيا، وهي التي تصادق على البرنامج الحكومي، وعلى جميع مشاريع
القوانين، وتتخذ القرارات في القضايا الأساسية التي تشتغل بها الحكومة.
وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة في المغرب مسؤولة أمام الملك وأمام
البرلمان في ذات الوقت، ومسؤوليتها أمام البرلمان هي التي تجعل تدبيرها للشأن
العام، ومختلف أعمالها خاضعة من الناحية المبدئية لمراقبة ومساءلة ممثلي الأمة،
وبالتالي فإن معالجة بعض الملفات التي تدخل ضمن اختصاصات الحكومة، من طرف لجان
خاصة، يؤدي إلى إبعادها عن المجال الخاضع للمراقبة والمساءلة الشعبية، وتحويلها من
نطاق التدبير الديموقراطي، إلى مجال التدبير التقليدي الخاص، علما بأن الدستور
المغربي لا ينص على أي مؤسسات أو لجان موازية للحكومة، تقوم مقامها في بعض
الاختصاصات، أو تباشر جزءا من صلاحياتها، أو تكمل دورها كجهاز يمثل السلطة
التنفيذية.
ولا يمكن بناء ديموقراطية حقيقية إلا باعتماد التدبير الديموقراطي،
وإقرار وتعزيز سلطة المؤسسات؛ والحكومة التي تعد من بين أهم المؤسسات الدستورية، من
المفروض أن تتحمل كامل المسؤولية في سائر مجالات تدبير الشأن العام، ولن تجد
أي مستند دستوري أو قانوني تبرر به التقصير في أحد الميادين التي تدخل ضمن
اختصاصاتها.
وباعتبار أن الحكومة تنبثق من
الأغلبية البرلمانية في النظام الديموقراطي، فلا يمكنها أن تدعي أمام الناخبين
وأمام الرأي العام بأنها غير مسؤولة عن بعض القطاعات، أو بوجود جيوب وملفات خارجة
عن تسييرها ومراقبتها، أو أنها على غير علم بطرق تدبيرها، لأن آلية الانتخابات في
أي منظومة ديموقراطية، تعد بمثابة توكيل لحزب أو أحزاب الأغلبية، لتحمل مسؤولية
التشريع والتدبير في سائر مجالات الشأن العام، وفي كل ما يمس بطريقة مباشرة أو غير
مباشرة، مصالح وحقوق وحريات الأفراد والجماعات، ولا مجال للتملص من المسؤولية دون
سند دستوري أو قانوني.
وإن إنجاز المشروع الديموقراطي
الحداثي الذي تتطلع إليه الأمة، ويتردد كشعار، رهين بتجاوز جميع مظاهر التدبير
التقليدي للشأن العام، وممارسة المؤسسات الدستورية لمهامها في ظل سيادة القانون،
ووفق المبادئ المتعارف عليها في الأنظمة الديموقراطية، والتي تجعل المراقبة
والمساءلة الشعبية أساسية وضرورية في كل مجالات تدبير الشأن العام.