ذكريات بالصور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   بعد 50 سنة من استقلال المغرب

لقد مرت خمسون سنة على إعلان استقلال المغرب، وأهم ما يمكن القيام به بمناسبة مرور نصف قرن من الزمن، هو إلقاء نظرة تأملية حول ما عرفته بلادنا، خلال مدة نصف قرن من الزمن، من أحداث وتطورات، وما قطعته من خطوات، وما عرفته أيضا من خيبات وسلبيات.

إن حلول الذكرى الخمسين لإعلان استقلال المغرب، يعني أن زمنا غير يسير قد مضى، وأن أجيالا تعاقبت على المسؤوليات الحكومية، وأجيالا مارست العمل السياسي، انطلاقا من طموحات كثيرة، واجتازت البلاد ظروفا متغيرة، واحتكت بمحيط دولي عرف تطورا كبيرا وسريعا.

وبعد هذه المدة الطويلة من الزمن، لابد من التساؤل هل تحققت أحلام وطموحات الجيل الذي كافح وضحى من أجل استقلال المغرب، ومن أجل تحريره من السيطرة الأجنبية؟ وهل تحرر المغرب فعلا من  جميع أشكال ومظاهر التبعية؟ وهل تحققت رغبات جيل ما بعد الاستقلال في بناء دولة عصرية ديموقراطية؟ وهل هناك تراكمات إيجابية في الممارسة الديموقراطية، تتلاءم من حيث حجمها وطبيعتها، مع المدة الزمنية التي مرت؟ وهل استطاع المغرب أن يمحو الصورة التي رسخها الاستعمار بتقسيمه البلاد إلى جزء نافع، وأجزاء أخرى غير نافعة؟ وهل تقلصت الهوة بين الطبقات الاجتماعية، أم أنها اتسعت وتعمقت؟ وهل تقدم المغرب بالنظر لإمكانياته، وبالمقارنة مع بلدان مشابهة له، أم أنه بقي متخلفا عنها؟ إلى غير ذلك من التساؤلات الكثيرة التي ينبغي الوقوف عندها، والإجابة عنها، بموضوعية ونزاهة، لتحديد ماهو إيجابي وما هو سلبي، والتوجه نحو المستقبل بإرادة التغلب على مواطن الضعف، والعمل على تحقيق الغد الأفضل.

ومن المؤكد أن المغرب قطع أشواطا هامة، وحقق العديد من المنجزات في الكثير من المجالات، ويتولى من يعنيهم الأمر الكتابة بتفصيل، أو الحديث بإطناب في هذا الموضوع، وهو أمر عادي في هذه المناسبة، وليس ذلك هو الغرض من هذه الأسطر القليلة، وإنما بودي أن أشير فقط إلى ظاهرة أعتقد أن وجودها غير طبيعي في بلادنا، بعد أن مضى على إعلان الاستقلال نصف قرن من الزمن.

والظاهرة التي أقصد جاء بها الاستعمار لغاية تهم مصالحه، ولم تنمحي أو تبقى آثارها محدودة بعد مرور خمسين سنة على إعلان الاستقلال، بل تنامت وتعملقت خلال العقود الماضية، وأصبحت تصدم المواطنين الذين مازالت لهم غيرة على مقومات الهوية الوطنية، إنها ظاهرة الهيمنة التي تكاد تكون مطلقة للغة الاستعمار الفرنسي، والذي نحتفل اليوم بالذكرى الخمسينية لانتهاء عهده، وهي ظاهرة لم تستطع إدارة الحماية أن تعممها أو تنشرها على نطاق واسع، خلال فترة الاحتلال، غير أن البذور التي زرعتها عوض أن تندثر، أينعت في عهد الاستقلال، وأعطت غلة وفيرة!

 وهكذا يلاحظ أن اللغة الفرنسية أصبحت مهيمنة على الإدارات العمومية، وشبه العمومية، والأبناك، والمقاولات الكبرى في القطاع الخاص، والحياة العامة، وتحت تأثير الهيمنة الثقافية الأجنبية، والاستلاب الفكري والحضاري، فإن الكثير من النخب الجديدة، لا تثير انتباهها هذه الظاهرة ، وتعتبر ذلك أمرا «عاديا» و «طبيعيا» لأن هذه النخب، في غياب الحس الوطني، أصبحت تفضل استعمال اللغة الفرنسية في حياتها المهنية، وفي تواصلها مع الآخرين من المغاربة، بدل اللغة التي ينص الدستور على أنها رسمية، وحتى بعض الذين يدافعون عن العربية لا يستعملونها مع أبنائهم، وداخل أسرهم، وفي حياتهم الخاصة! ونتيجة لذلك نلاحظ أن العديد من ذوي المسؤوليات العليا في الدولة، حينما يقدمون تصريحات لوسائل الإعلام السمعية البصرية باللغة العربية يتلعثمون، ولا يستطيع بعضهم تكوين جمل صحيحة، ولا يتمكن بعضهم حتى من الحديث بلغة دارجة نقية، وتصل المهزلة إلى حد أن البعض يتحدث لقناة عربية، أو في مؤتمر لا يوجد فيه غير العرب، بلغة الاستعمار الفرنسي!!

وأيضا تحت تأثير الاستلاب والتبعية الثقافية واللغوية، التي تعمقت في عهد الاستقلال، لا يخجل البعض من القول بأن استعمال اللغة العربية من عوامل التخلف، مع العلم أن المغرب يأتي في مرتبة متخلفة على سلم التنمية البشرية، عن معظم الدول العربية التي تستعمل لغتها في تعليمها وفي إداراتها، وفي حياتها العامة، ولا يجد بعض الفرنكفونيين أي حرج في القول بأن الدفاع عن اللغة العربية مجرد تعصب وانغلاق، وينسون أن الفرنسية تأتي في مرتبة متأخرة عن العربية من حيث عدد الناطقين بها، وأن مستعملي الفرنسية لا يوجدون إلا في نطاق جغرافي ضيق ومتخلف في جزئه الأكبر. 

وبعد أن أصبحت اللغة الفرنسية تسود كل المجالات، ألا يمكن القول بأن النخب الفرنكفونية في المغرب، استطاعت أن تحقق إحدى الغايات التي كان يتوخاها، ويعمل من أجلها، الاستعمار الفرنسي الذي يتعطل المغرب خمسة أيام احتفاء بخروجه؟!

إن الشعوب التي تدرك أهمية صيانة مقومات وجودها، ومكونات إنسيتها، هي التي تحمي لغتها أولا، وتفتح المجال لتعليم أبنائها عدة لغات حية، ولا تسجنهم في لغة أجنبية واحدة، خاصة إذا كانت تلك اللغة متخلفة في المجال العلمي والتكنولوجي، ولا تستعمل اللغات الأجنبية إلا للاطلاع على ما ينتجه الآخرون من علوم وثقافات، للاستفادة منها في تحقيق التقدم، وليس من أجل أن يصبحوا عبيدا لها، أو مستلبين بها، ولا يجعلونها تحل محل لغاتهم الوطنية، في جميع الأحوال.

ومن المؤكد أن أي دولة لا يمكن أن تتقدم بتقمص شخصية غير شخصيتها، ولا يمكن أن تحظى باحترام حقيقي في المحافل الدولية إذا كانت هي نفسها لا تعير اهتماما لمقومات وجودها، وتهمل مكونات شخصيتها الأصيلة.

آخر الكلام

جميل أن ترتفع الأعلام الوطنية خفاقة في الشوارع، احتفاء بالعيد الذهبي للاستقلال، ومؤسف جدا أن تكون نفس الشوارع مليئة بمحلات ومؤسسات كتبت أسماؤها بلغة أجنبية، وأحيانا مرفقة بترجمة عربية مكسرة، مما يُحيل على العهد الاستعماري!!

   
جميع  الحقوق محفوظة لصاحب الموقع ويمنع إعادة نشرمواد هذا المنبر دون ذكر