الإثنين , أغسطس 19 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / هل نحن مجبرون على إرضاء فرنسا؟

هل نحن مجبرون على إرضاء فرنسا؟

إبداء الإعجاب

المادتان 2 و 31 من مشروع قانون الإطار رقم 51/17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، المتعلقتان بتقنين العودة إلى لغة المستعمر الفرنسي القديم أثارتا الكثير من الجدل بين السياسيين والفاعلين الجمعويين والمثقفين والمهتمين والمتابعين، وبالرغم مخالفتهما للدستور ومن الرفض الواسع لهما الذي تجلى في بيانات عدة منظمات وطنية وعريضة وقع عليها عشرات من العلماء وخبراء في شؤون التربية والتعليم ومثقفون من مشارب فكرية مختلفة، وما تم نشره من مقالات، وما عرفته مواقع التواصل الاجتماعي من احتجاجات واستنكارات، فقد تم تجاهل كل ذلك وصادق مجلس النواب بأغلبية “ساحقة” على المشروع، ولا يُنتظر من مجلس المستشارين أن يغير شيئا منه.

والاختلافات التي برزت للعيان داخل  الأحزاب التي تُعرف من خلال أدبياتها وخطاباتها بأنها مدافعة عن مقومات الهوية الوطنية ومنها اللغة تفيد بأن هناك ضغوطا على هذه الأحزاب خلخلت الانسجام بين أعضائها ووضعتها في تناقض مع مبادئها، مما يطرح إشكالية مدى استقلالية الأحزاب السياسية في قراراتها وأي مصداقية لها عندما تناقض بمواقفها مضامين التزاماتها مع قواعدها من جهة، وتعاقداتها المفترضة مع الهيئة الناخبة من جهة ثانية، وأي تمثيلية لمجلس لا يكترث بنبض المجتمع ويضرب في الصميم أحد ثوابته ومرتكزاته الأساسية؟

وبالمصاقة على الفرنسة تدخل المدرسة المغربية إلى نفق جديد من التخبط والعشوائية لأن التخلي عن اللغة أو اللغات الوطنية أو تهميشها يعني بناء سدود تفصل الأجيال الصاعدة عن الحمولة الثقافية والحضارية للوطن وتخلق التناقض الذي يخل بالنسق المجتمعي ويفتت عوامل الوحدة والتلاحم داخل المجتمع ويفتح أبواب الاستلاب والاغتراب أمام الناشئة.

وبقطع النظر عن العوامل البيداغوجية والبشرية المتعلقة بالتحول المباشر من التدريس بالعربية إلى اللغة الفرنسية فإن هذه الأخيرة لا يمكن أن يكون لها أي انعكاس إيجابي على الإطلاق لا بالنسبة لمستوى التعليم ولا فيما يخص آفاق التنمية في البلاد

باعتبار أن اللغة الفرنسية ليست لغة العلوم وكل متخرج تكون أداته في المعرفة والبحث العلمي سيجد نفسه معاقا لأن المراجع التي سيحتاجها غير موجودة باللغة الفرنسية، كما أن هذه اللغة لا تمنح فرصة الانفتاح على العالم والتفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى ولا تفتح أبواب التواصل على المستوى العالمي، ولذلك أصبح الفرنسيون أنفسهم يتركون لغتهم جانبا غير مكترثين بما تبذله فرنسا من جهد وما تقدمه من دعم ل “الفرنكفونية” حيث يقبلون بشكل ملحوظ على تعلم اللغة الأنجليزية التي يجدون فيها ملاذهم وتفتح أمامهم الطريق لتحقيق مبتغاهم.

ومن المعلوم أن كل البلدان التي تطورت وتقدمت على خلاف ما هو موجود في بلادنا تهتم أساسا بالمدرسة العمومية وتعتمد لغاتها الوطنية دون غيرها، ولو لم يكن لها أي شأن على المستوى العالمي، في تلقين كل المواد، وتحرص في ذات الوقت على تعليم اللغات الأجنبية الحية التي تفتح آفاقا واسعة أمام المتخرجين في مختلف المجالات والميادين.

ومن خلال ما تقدم لا أجد أي مبرر يقبله العقل ويستسيغه الفكر للعودة إلى لغة المستعمر القديم ليس كلغة أجنبية وإنما كلغة للتدريس والتلقين ولا أرى أي جدوى من التراجع إلى الوراء فيما يخص لغة تدريس العلوم مما يُفضي للتسؤل هل يتعلق الأمر بعمل سياسي يجامل أو يرضي دولة فرنسا ولو كان من الواضح أن ذلك يتم على حساب اللغتين الوطنيتين وعلى حساب مستقبل الأجيال ومستقبل البلاد؟ وماذا يمكن أن يجبرنا على إرضاء فرنسا؟

تساؤلان تمليهما غيرتنا على هويتنا ومقومات وجودنا وكينونتنا وغيرتنا على استقلال بلادنا وسيادتها الوطنية.

 

اترك تعليقاً