الخميس , أكتوبر 17 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / مكانة فلسطين وقضيتها في الوعي العربي

مكانة فلسطين وقضيتها في الوعي العربي

إبداء الإعجاب

د. ماهر الشريف/

سأتناول في هذه المقال المراحل التي مرّ بها الوعي العربي إزاء القضية الفلسطينية بالتوازي مع تطوّر النضال الوطني الفلسطيني المعاصر، أما الافتراض الذي أنطلق منه، فمفاده أنَّ الوعي العربي العام بمركزية القضية الفلسطينية وبمخاطر المشروع الصهيوني كان يتقدم بالتوازي مع نهوض المشروع القومي العربي، من جهة، وتصاعد النضال الوطني الفلسطيني، من جهة ثانية، وكان يتراجع مع انحسارهما.

عودة إلى التاريخ

احتلّت فلسطين موقعًا متميّزًا في إطار مشروع تقسيم المشرق العربي، وفصل آسيا العربية عن أفريقيا العربية، من خلال إقامة دولة/حاجز تفصل مصر عن بلاد الشام، إذ برزت فكرة إقامة دولة يهودية في فلسطين، لدى الدوائر الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، قبل زمن طويل من ولادة الحركة الصهيونية، على يد تيودور هرتزل، في نهاية القرن التاسع عشر.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، وصدور “تصريح بلفور” ثم قيام بريطانيا باحتلال فلسطين، رفض العربُ في المشرق العربي، بمَن فيهم الفلسطينيون، فكرة تقسيم سورية الطبيعية. ففي المؤتمر الذي عقدته الجمعيات الإسلامية- المسيحية، التي مثّلت التعبير الأول عن الحركة الوطنية العربية الفلسطينية، في مدينة القدس في مطلع شهر شباط 1919، واصطُلح فيما بعد على تسميته بـ “المؤتمر العربي الفلسطيني الأول”، جرى التأكيد على اعتبار فلسطين  “جزءًا من سورية العربية، إذ لم يحدث قط أنْ انفصلت عنها في أي وقت من الأوقات”، وعلى ارتباط سكانها بسكان سورية بروابط ” قومية ودينية ولغوية وطبيعية واقتصادية وجغرافية”. وقد ثبّت المؤتمر السوري العام، الذي انعقد في دمشق في مطلع شهر حزيران 1919، بمشاركة عدد من ممثلي سكان فلسطين، هذا التوجه القومي الوحدوي، وشدّد على ضرورة “عدم فصل القسم الجنوبي من سورية، المعروف بفلسطين، والمنطقة الساحلية التي من جملتها لبنان عن القطر السوري”، داعيًا إلى الاعتراف باستقلال سورية وصيانة وحدتها، وإلى إلغاء اتفاقية سايكس– بيكو ووعد بلفور. وفي السابع من آذار 1920، أعلن مندوبو المؤتمر السوري العام استقلال سورية بحدودها الطبيعية، ورفض مزاعم الصهيونيين “في جعل فلسطين وطنًا قوميًا لليهود أو محل هجرة لهم”، واختاروا فيصل بن الحسين ملكًا عليها.

غير أنَّ اندفاعة الحركة القومية العربية الجامعة في سورية الطبيعية ما لبثت أنْ توقفت بفعل عاملين مترابطين، هما: أولًا، مؤتمر سان ريمو، الذي عقده الحلفاء في نيسان 1920، وقرروا فيه وضع سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين و العراق تحت الانتداب البريطاني؛ وثانيًا، دخول القوات الفرنسية، في 25 تموز من العام نفسه، إلى دمشق بعد هزيمة الجيش العربي في معركة ميسلون، وقيامها بإسقاط حكومة الملك فيصل. وفي ظروف التجزئة التي فرضت على المشرق العربي، انعقد المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث في مدينة حيفا، في كانون الأول 1920، ودعا إلى تشكيل حكومة وطنية في فلسطين؛ فكان ذلك المؤتمر نقطة الانطلاق الحقيقية للحركة الوطنية الفلسطينية.

وعلى الرغم من تفرع الحركة القومية العربية الجامعة، التي كان مركزها في دمشق، إلى جداول إقليمية بعد فرض نظام الانتدابات الاستعماري، فإنَّ الوعي العربي بمخاطر المشروع الصهيوني لم يخبُ، بل بقي حيًا، وهو ما تجلّى في مشاركة المتطوعين العرب في نضال الشعب العربي الفلسطيني، وخصوصًا  خلال الثورة الفلسطينية الكبرى في سنوات 1936-1939، وخلال حرب سنة 1948.

مرحلة المد القومي العربي

جسّدت القضية الفلسطينية همًا عربيًا عامًا طوال مرحلة المد القومي العربي، التي انطلقت في مطلع خمسينيات القرن العشرين، واستمرّت حتّى هزيمة حزيران 1967.

فقد كانت نكبة فلسطين في سنة  1948، وما هيّأ لها من أحداث، من العوامل الرئيسة التي ساعدت في تبلور، ومن ثم تطوّر الفكر القومي العربي، فبعد أنْ كان الوعي العربي “قطريًا” في معظم البلدان العربية، أخذ يتحوّل، منذ النكبة وبسببها، إلى وعي قومي؛ وعي بأنَّ فلسطين باتت هي قضية العرب المركزية، التي سيتوقف على حلها مصيرهم ومستقبلهم. فالقناعة التي سادت في تلك المرحلة هي أنَّ الخطر الصهيوني صار يهدد كل العرب، وأنَّ ردّه لن يكون ممكنًا إلا بقيام كيان قومي عربي متحد.

ولم يكن الفلسطينيون بعيدين عن هذا التحوّل الذي طرأ على الوعي العربي، إذ انخرطوا بنشاط في النضال القومي العربي، الذي شهدته تلك المرحلة، ولعبوا دورًا بارزًا في تأسيس الأحزاب والحركات القومية العربية التي أطّرته.

فقد كانت قضيةُ فلسطين واحدةً من أبرز القضايا التي استأثرت باهتمام “حزب البعث العربي”، الذي تأسس رسميًا في دمشق، في 7 نيسان 1947، وشكّل بعد أشهر قليلة من تأسيسه “مكتب فلسطين” القومي، كما نجح في استقطاب عدد من الناشطين الفلسطينيين، وصار له، منذ مطلع الخمسينيات، حضور في الضفتين الغربية والشرقية لنهر الأردن، وبعد ذلك بسنوات في قطاع غزة. كما كانت نكبة فلسطين الباعث الرئيسي لبروز “حركة القوميين العرب”، التي بدأت نشاطها بإنشاء “هيئة مقاومة الصلح مع إسرائيل”، التي عملت على تعبئة اللاجئين الفلسطينيين ضد مخططات إعادة توطينهم. وبفضل هذه الهيئة، تمكّنت حركة القوميين العرب من إقامة صلات بمخيمات اللاجئين في الأردن، بضفتيه، وفي لبنان وسورية، وتأليف خلايا سرية لها، وخصوصًا بين صفوف معلمي مدارس “وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينين” (الأونروا).

ومن ناحية أخرى، أصبحت النكبةُ حافزًا على تغيير الأوضاع السياسية في عدد من الدول العربية، إذ كان الدرس الذي استخلصه جمال عبد النَّاصر، بعد مشاركته في حرب فلسطين سنة  1948، هو أنَّ مواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين يجب أنْ ينطلقا من تغيير الأوضاع السياسية في مصر، وانتهاج نهج جديد يعزز الاستقلال الوطني، ويؤكد ارتباط مصر بأمتها العربية.

وبسطوع نجم جمال عبد النَّاصر القومي، بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر  سنة 1956، وتحقق الوحدة المصرية السورية، في شباط 1958، برز شعار “الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين” ليعبّر تعبيرًا صادقًا عن طبيعة الوعي إزاء القضية الفلسطينية في تلك المرحلة. فقد  قدّر ممثلو التيار القومي العربي آنذاك أنَّ الجماهير العربية نجحت في إقامة “نواة دولة الغد العظمى”، وأنَّ ولادة الجمهورية العربية المتحدة مثّل أولَ رد عربي “من مستوى التحدي الذي حملته إلى العرب نكبتهم في فلسطين”.

لكن، بينما كان ممثلو التيار القومي العربي يروجون شعار “الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين”، كان عددٌ من الشبان الفلسطينيين يعملون في السر على إنشاء منظمة فلسطينية مقاتلة ومستقلة عن الأحزاب والنظم العربية. ولم تشهد “حركة فتح” عند تأسيسها إقبالًا على العضوية فيها، بل تمّ انتقادها من أطراف عربية وفلسطينية كثيرة بوصفها حركة “إقليمية” تقف في وجه الناصرية والوحدة العربية. ولم تنفتح آفاق العمل الواسعة أمامها إلا بعد انفراط عقد الجمهورية العربية المتحدة، في أيلول 1961، وانتصار الثورة الجزائرية المسلحة، في تموز 1962، إذ راحت تظهر لها خلايا في كل من قطاع غزة والأردن ومصر وسورية ولبنان و الكويت وقطر والسعودية، وبوصفها حركة لاجئين، تعمل خارج الأرض الفلسطينية، كانت حركة “فتح” في حاجة إلى دعم عربي، وجدته في البداية في الجزائر، منذ سنة 1962، ثم في سورية اعتبارًا من سنة  1964.

وقد تركت توجهات هذه الحركة تأثيرًا في الحركات والأحزاب القومية العربية، إذ اندفعت “حركة القوميين العرب”، منذ مطلع الستينيات وبصورة تدريجية، للعمل على ضمان استقلالية أعضائها الفلسطينيين، كما راحت تحضّر لممارسة العمل المسلح. ومن جهة أخرى، بدأ أعضاء “حزب البعث العربي الاشتراكي” الفلسطينيون يضغطون، منذ سنة 1959، على قيادتهم القومية، من أجل تشكيل إطار فلسطيني مستقل.

مرحلة سيادة النزعات “القطرية”

وصل المد القومي العربي إلى نهايته مع هزيمة حزيران 1967، بعد أنْ أصيب بضربات قاسية ومتتالية عقب إخفاق تجربة الوحدة المصرية-السورية، وفشل محاولات إقامة “اتحاد ثلاثي” بين مصر وسورية والعراق في سنة 1963، واندلاع “الحرب الباردة” العربية التي رافقت إعلان النظام الجمهوري في اليمن الشمالي، ولم تفلح مؤسسة القمة العربية، التي أبصرت النور في مطلع سنة 1964، في تغيير الاتجاه الرامي إلى تعزيز النزعات القطرية على حساب النزعة القومية، بل يُعتقد أنَّ مبادرة الأنظمة العربية، وفي مقدمها نظام الرئيس جمال عبد النَّاصر، إلى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في أيار 1964، كتعبير عن إعادة إحياء الكيانية الفلسطينية، كان بهدف التخفف الرسمي العربي من أعباء القضية الفلسطينية، ودفع الشعب الفلسطيني من جديد إلى تحمّل مسؤولياته الوطنية إزاء “قضيته”. وقد تركت ولادة منظمة التحرير الفلسطينية على أيدي الأنظمة العربية بصماتها على “الميثاق القومي” الذي أقرّه، في مطلع حزيران 1964، المؤتمر الوطني الذي عُقد  في القدس، وأعلن قيام منظمة التحرير الفلسطينية، إذ حدد هذا الميثاق المبادئ الأساسية التي تقوم عليها منظمة التحرير على قاعدة الترابط العضوي بين البعدين القومي والوطني في النضال من أجل تحرير فلسطين، فأكّد أنَّ فلسطين “وطن عربي تجمعه روابط القومية العربية بسائر الأقطار العربية”، وهي بحدودها، التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني، “وحدة إقليمية لا تتجزأ”، وأنَّ الوحدةَ العربية وتحرير فلسطين “هدفان متكاملان، يهيء الواحد منهما تحقيق الآخر”. وبعد أنْ اعتبر باطلًا وعد بلفور، وصك الانتداب، وتقسيم فلسطين وقيام إسرائيل، ورأى في الصهيونية “حركة استعمارية في نشوئها، عدوانية وتوسعية في أهدافها، عنصرية تعصبية في تكوينها”، دعا “إلى إعادة الأوضاع الشرعية إلى فلسطين”، و”تمكين أهلها من ممارسة السيادة الوطنية والحرية القومية”، مع تأكيده أنَّ منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها مسؤولة عن حركة الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل تحرير وطنه، لن تمارس “أي سيادة إقليمية على الضفة الغربية في المملكة الأردنية الهاشمية، ولا قطاع غزة، ولا منطقة الحمة”.

بَيْدَ أنَّه لم تمضِ سوى ثلاث سنوات على قيام منظمة التحرير الفلسطينية حتّى وقعت هزيمة حزيران، التي فتحت الباب أمام انطلاق حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة، وتحوّلها إلى حركة جماهيرية، نجحت، بفضل التأييد الشعبي الواسع الذي حظيت به، في تحرير منظمة التحرير الفلسطينية من الوصاية العربية، والسيطرة على هيئاتها في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني في تموز 1968، كما نجحت في إدخال تعديلات على بنود “الميثاق القومي” المقر في سنة 1964، تعزز طابعه الوطني الفلسطيني على حساب طابعه القومي العربي. فعوضًا عن البند الذي يشير، في “الميثاق القومي”، إلى أنَّ فلسطين “وطن عربي تجمعه روابط القومية العربية بسائر الأقطار العربية”، وأنَّ الوحدة العربية وتحرير فلسطين “هدفان متكاملان، يهيء الواحد منهما تحقيق الآخر”، حلَّ، في “الميثاق الوطني”، بند جديد، يشير إلى أنَّ فلسطين هي “وطن الشعب العربي الفلسطيني”، وأنَّ هذا الشعب “هو صاحب الحق الأول والأصيل في تحرير واسترداد وطنه”، و”هو يرفض كل أنواع التدخل والوصاية والتبعية”. وتجاوبًا مع هذا التوجه، حُذف من بنود الميثاق الجديد البند الذي كان يشير في الميثاق القديم، إلى أنَّ منظمة التحرير الفلسطينية “لا تمارس أي سيادة إقليمية على الضفة الغربية في المملكة الأردنية الهاشمية، ولا قطاع غزة، ولا منطقة الحمة”، وجرى التأكيد أنَّ منظمة التحرير  الفلسطينية هي “الإطار الممثل” لقوى الثورة الفلسطينية المسلحة، وهي، على هذا الأساس، “مسؤولة عن حركة الشعب العربي الفلسطيني” في نضاله من أجل “تحرير الأرض الفلسطينية بكاملها وممارسة سيادة الشعب العربي الفلسطيني عليها”، بما يضمن حق هذا الشعب “في أنْ يقيم لنفسه على أرضه المجتمع الذي يرتضيه، وأنْ يقرر موقعه الطبيعي في الوحدة العربية”. وسرعان ما تحوّلت حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة إلى مركز استقطاب لقوى التغيير العربي، التي رأت فيها عامل تثوير للأوضاع العربية، وفي حين كان النضال في مرحلة المد القومي العربي يجري تحت شعار “الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين”، فإنَّ التفاف قوى التغيير العربي حول المقاومة الفلسطينية الوليدة أدى إلى ترسيخ القناعة بأنَّ “تحرير فلسطين هو الطريق إلى الوحدة العربية”.

غير أنَّ هذا التوجّه الذي ركّز على مركزية قضية تحرير فلسطين بالنسبة للنضال العربي لم يتكرس، بل راحت تبرز منذ سبعينيات القرن العشرين بعض الظاهرات التي دللت على تنامي النزعات القطرية، وتراجع الوعي العربي بمركزية القضية الفلسطينية، ومن ضمنها:

إنَّ التناقض المبكر الذي ظهر بين مفهوم أمن الكيانات القطرية، الذي تبنته الأنظمة العربية، وبين مفهوم الأمن القومي العربي، الذي تبنته الثورة الفلسطينية، بعد أنْ اضطرت، منذ نهاية سنة 1967، إلى إقامة قواعدها خارج الأرض الفلسطينية، صار يخلق، مع الوقت، شرخًا ليس بينها وبين بعض الأنظمة العربية فحسب، بل كذلك بينها وبين قطاعات شعبية عربية، لا سيّما في الأردن، ثم في لبنان، حتّى أنَّ بعض القيادات السياسية في هذا البلد الأخير لجأت، خلال الحرب الأهلية التي انخرطت فيها فصائل المقاومة، إلى تبرير التعامل مع إسرائيل.

جاءت اتفاقية كامب ديفيد لتبيّن ليس فقط تحلل نظام الرئيس الراحل أنور السادات من مسؤولياته القومية إزاء قضية فلسطين، وإنما نجاحه كذلك في إقناع قطاعات شعبية واسعة في مصر بأنَّ تحلل بلدهم من هذه المسؤوليات سيساهم في إنقاذ مصر من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تواجهها.

بتوقيع معاهدة السّلام المصرية- الإسرائيلية، ثم اندلاع  الحرب العراقية- الإيرانية في سنة 1980، التي تواصلت على مدى ثماني سنوات، خرجت دولتان عربيتان محوريتان من دائرة المواجهة مع إسرائيل؛ الأمر الذي أضعف البُعد القومي للصراع معها.

ساهم الموقف الذي اتّخذته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بتأييد النظام العراقي، بعد قيامه بغزو الكويت في مطلع آب 1990، في إضعاف الارتباط بالقضية الفلسطينية، ليس فقط على مستوى أنظمة بلدان الخليج، وإنّما أيضًا على مستوى شعوب هذه البلدان.

تعمق النزعة القطرية في وعي  الفلسطينيين

أسفر إخراج  حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة من الأردن، في صيف 1971، عن تنامي النزعة القطرية لدى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وقطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، وهي النزعة التي تعمقت أكثر خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف سنة 1982، وما رافقه من حصار للعاصمة بيروت، إذ ساد شعور لدى الفلسطينيين آنذاك بأنَّ التضامن العربي قد غاب عنهم، وأنَّهم  جابهوا وحدهم، مع حلفائهم الوطنيين اللبنانيين وبعض وحدات الجيش العربي السوري، آلةَ الحرب الإسرائيلية خلال ثلاثة أشهر كاملة. وقد ترافقت هذه النزعة القطرية، بعد خروج  منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ووقوع الانقسام في صفوفها، وبدء توجّه قيادتها نحو التكيّف مع خيار التسوية السياسية، مع  ميل إلى المبالغة في التركيز على “استقلالية” القرار الوطني الفلسطيني.

من الصحيح أنَّ الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في نهاية سنة 1987 حرّكت تظاهرات تضامنية واسعة مع القضية الفلسطينية في عدد من البلدان العربية، إلا أنَّ هذه الروح التضامنية ما لبثت أنْ خمدت بعد قيام قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالتوصل إلى اتفاقية أوسلو في أيلول 1993، وإقامتها السلطة الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبروزها بالتالي بصفتها جزءًا من النظام الرسمي العربي.

ووجد العديد من الأنظمة العربية في سير منظمة التحرير الفلسطينية على طريق التسويات المنفردة، وتوقيعها اتفاق أوسلو، الفرصة المناسبة؛ كي يتخلى عن مسؤولياته القومية إزاء القضية الفلسطينية.

مرحلة الحراكات الشعبية العربية

استعادت القضية الفلسطينية بعض وهجها القومي بفضل الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي اندلعت في نهاية أيلول 2000، وهو ما عبّرت عنه تظاهرات تضامنية واسعة مع النضال الوطني الفلسطيني شهدها العديد من الدول العربية، بَيْدَ أنَّ هذه الظاهرة لم تترسخ، وعادت الشعوب العربية لتنكفئ على مشكلاتها وأزماتها الداخلية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وقد نتج عن تفاقم هذه المشكلات والأزمات اندلاع حِراكات شعبية واسعة في عدد من الدول العربية، وبينما ساد، للوهلة الأولى، إحساس بأنَّ هذه الحراكات قد  تعيد إحياء الوعي العربي بمركزية القضية الفلسطينية، تبيّن سريعًا بأنَّ هذه القضية – وعلى الرغم من بعض الحوادث المعزولة مثل: رفع الأعلام الفلسطينية في بعض التظاهرات الشعبية، والهجوم في القاهرة على السفارة الإسرائيلية – قد غابت تقريبًا عن خطاب هذه الحراكات، التي اتخذت طابعًا عفويًا في الأساس، ولم يكن للأحزاب والحركات القومية أي دور في تأطيرها، وافتقدت البرامج السياسية الواضحة، مكتفية  بشعارات عامة تنشد الحرية والعدالة والكرامة، كما  تراجعت مكانة القضية الفلسطينية في الإعلام العربي، إذ صارت وسائله تركّز، بوجه خاص، على مجريات الأحداث في الدول العربية.

والواقع أنَّ هذه الحراكات الشعبية لم تفتح آفاق حدوث تغييرات جذرية سياسية واقتصادية واجتماعية، وخصوصًا بعد أنْ برزت في إطارها الحركات الإسلامية “التكفيرية”، بل راح بعضها يتطبع بطابع طائفي ومذهبي أو إثني، ويتخذ شكل صراعات دموية عرّضت لخطر التمزق النسيج المجتمعي لدول عربية عديدة، وهددت بتفكك وحدة كياناتها، وجعلت النظام الرسمي العربي، المنقسم على نفسه، يعيش أشد حالات الضعف والشلل التي شهدها عبر تاريخه، وحوّلت المنطقة العربية، تحت شعار محاربة “الإرهاب”، إلى ساحة للصراع الإقليمي وللتدخلات الدولية. وكان من الطبيعي أنْ يستغل حكام “إسرائيل” هذا الواقع العربي المتردي؛ للإمعان في مشاريعهم الرامية إلى الانفراد بالشعب الفلسطيني، وتصفية قضيته الوطنية، والترويج لحل “إقليمي” للصراع، مستفيدين في ذلك من حقيقة  أنَّه لم يعد هناك اليوم إجماع عربي على أنَّ “إسرائيل”، وسياسات حكامها العدوانية والاحتلالية، هي التي تمثّل التهديد الأكبر للأمن القومي العربي. ففي ظل  تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، صارت بعض الأنظمة العربية، وخصوصًا في منطقة الخليج، ترى في هذا النفوذ “الخطر الأكبر” الذي يتهددها، وبات لديها بالتالي استعداد، مضمر غالبًا ومكشوف أحيانًا، للتحالف مع إسرائيل والسير على طريق تطبيع العلاقات معها.

خاتمة

ارتبط الوعي العربي بمركزية  القضية الفلسطينية، عبر التاريخ المعاصر، ارتباطًا وثيقًا بتصاعد النضال القومي العربي، وازدهار الهوية القومية العربية الجامعة. واليوم، نشهد تراجعًا لهذا الوعي القومي العربي، في مقابل ازدهار الوعي بالهويات الجزئية، ولا سيّما الطائفية والمذهبية، ما يجعل الحفاظ على كيان الدولة القطرية، موضوعيًا، والحؤول دون تذرر النسيج الاجتماعي لشعبها، يسبق من حيث الأولوية، أي مشروع لتحقيق وحدة أو اتحاد عربي.

ومن ناحية أخرى، صار التضامن الشعبي العربي مع القضية الفلسطينية، في العقود الثلاثة الأخيرة، تضامنًا ظرفيًا، ينتعش مع انتعاش النضال الوطني الفلسطيني، ويخبو عندما يخبو هذا النضال. وهذه الحقيقة تجلّت بأسطع صورها لدى اندلاع الانتفاضتين الفلسطينيتين، في سنة 1987 وفي سنة2000، ومع أنَّ نضال الشعب الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني لا يزال مستمرًا  بأشكال مختلفة، إلا أنَّ شروط انتعاش هذا النضال، من خلال مبادرة الفلسطينيين إلى القيام بانتفاضة شعبية واسعة مثلًا، يتطلب جملة من الشروط غير المتوافرة اليوم، في ظل استمرار النزاع  بين حركتَي “فتح” و”حماس”، وما نجم عنه من انفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعمق الانفصال بين تجمعات الشعب الفلسطيني الرئيسية الثلاثة، في الشتات، وفي المناطق التي احتلت سنة 1967، وفي المناطق التي احتلت سنة 1948، وتفاقم المشكلات الخاصة التي يعاني منها كل تجمع من هذه التجمعات، بحيث يظهر الشعب الفلسطيني اليوم وكأنَّه لم يعد ملتفًا حول مشروع وطني واحد، ويفتقد قيادة تمثيلية موحدة، ووسائل كفاحية مجمع عليها.

وإذا كان من واجب الحريصين على المستقبل الفلسطيني العمل على توفير الشروط التي تسمح للحركة الوطنية الفلسطينية بتجاوز أزمتها الراهنة، فإنَّ من واجب الحريصين على المستقبل العربي العمل على تعميق الوعي العربي بمركزية قضية فلسطين، وبمخاطر المشروع الصهيوني، من خلال التركيز، من ضمن أمور أخرى، على  الأمور الآتية:

منذ أنْ طُرحت في الدوائر الاستعمارية البريطانية فكرة الدولة- الحاجز بين آسيا العربية وأفريقيا العربية، كانت وظيفة المشروع الصهيوني الحوؤل دون وحدة العرب وتقدمهم. من هنا، تبرز أهمية تسليط الضوء على دور الصهيونية وإسرائيل في تكريس تجزئة الوطن العربي، وفي إعاقة تنميته وتقدمه، والعودة للتذكير بأنَّ التحالف بين الحركة الصهيونية والقوى الاستعمارية الغربية، هو تحالف عضوي وليس تحالفًا ظرفيًا.

العمل على  تبديد الوهم بأنَّ إيجاد حل عادل وشامل للصراع العربي- الإسرائيلي ممكن في ظل توازنات القوى القائمة حاليًا، وإبراز فكرة أنَّ الصّراع بين العرب، وفي مقدّمهم الفلسطينيون، وبين الصهيونية، بصفتها حركة كولونيالية، عنصرية وإقصائية، هو صراع مستمر، وخصوصًا في ظل تزايد ميل المجتمع الإسرائيلي نحو مواقع اليمين القومي والديني، والتصدي الحازم لكل الدعوات التي تبرر تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل.

إبراز العلاقات التاريخية بين الشعوب العربية والشعب الفلسطيني، ورصد مواقف هذه الشعوب وقواها السياسية من القضية الفلسطينية. وفي هذا السياق، يمكن تسليط الضوء على دور المناضلين العرب الذين انخرطوا في النضال الوطني الفلسطيني، عبر مراحله المختلفة، وعلى دور الفلسطينيين في نهضة بعض الدول العربية، وخصوصًا في الكويت والإمارات والسعودية ولبنان، وعلى العلاقات التاريخية القائمة بين التجمعات الفلسطينية في الشتات، وبين محيطها العربي في دول اللجوء.

* بعض المراجع

– حوراني، فيصل، الفكر السياسي الفلسطيني 1964-1974. دراسة للمواثيق الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، مركز الأبحاث- منظمة التحرير الفلسطينية، 1980.

– الخالدي، رشيد، القفص الحديدي: قصة الصراع الفلسطيني لإقامة دولة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2008.

– الشريف، ماهر، البحث عن كيان. دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908-1993، نيقوسيا، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 1995.

– الشريف، ماهر، قرن على الصراع العربي-الصهيوني. هل هناك أفق للسلام؟، دمشق، دار المدى، 2011.

– الشريف، ماهر (مؤلف رئيسي)؛ نصّار، عصام (مؤلف مشارك). تاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطنية، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018.

– فرومكين، دافيد، سلام ما بعده سلام. ولادة الشرق الأوسط 1914-1922، ترجمة أسعد كامل الياس، لندن-قبرص، رياض الريس للكتب والنشر، 1992، ص 157.

– نويهض الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981.

 

اترك تعليقاً