الثلاثاء , أبريل 23 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / لغة التدريس تحكمها مراجع حاسمة

لغة التدريس تحكمها مراجع حاسمة

إبداء الإعجاب

عادت قضية لغة التدريس لتحتل موقعا متقدما في انشغالات الرأي العام الوطني، والمناسبة هذه المرةتتمثل في مناقشة مشروع القانون الإطار الذي يتعلق بمنظومة التربية والتكوين و البحث العلمي، وهوالنقاش الذي حافظ على راهنيته وعلى حضوره الدائم في انشغالات المغاربة منذ فجر الاستقلال إلىاليوم.

والحقيقة فإن مسألة اللغة لا يقبل ولا يمكن مناقشتها، ولا دراستها، ولا معالجة أية قضايا من القضاياالمتفرعة عنها بمعزل عن مراجع هوياتية ودستورية أساسية وملزمة، وأن التعاطي مع قضية اللغةواستعمالاتها في بلادنا دون إسناده إلى هذه المراجع يعتبر استفرادا بالقضية بهدف إضعافها والنيل منها،وتغليب وجهة نظر معينة وترجيح موقف ما.

أهم هذه المراجع هو الدستور الذي يمثل أقوى تعاقد بين جميع مكونات المجتمع بدون أي استثناء، والذييمثل أسمى تعبير على إرادة الأمة جمعاء التي وافقت عليه، و بالتالي لا يمكن إطلاقا تناول أية قضية منالقضايا، سواء التي تطرح خلافات حولها أو تلك التي يقع التوافق في شأنها أو الاتفاق عليها، خارج المتنالدستوري ، ولذلك فإن قضية اللغة يجب أن تستند إلى الدستور أولا وأخيرا، وبالعودة إلى منطوق الفصلالخامس من الدستور المغربي الذي وافق عليه المغاربة بنسبة عالية جدا قاربت الإجماع نجد التنصيصالتالي:

«تظل العربية اللغة الرسمية للدولةوتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها.

تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء».

إذن الدستور يحدد اللغتين العربية والأمازيغية لغتين رسميتين للدولة، ولم يتحدث الدستور عن أية لغةأخرى، اللهم أنه نص على صيانة الحسانية باعتبارها جزءا من الهوية الثقافية المغربية الموحدة، وعلىحماية اللهجات التعبيرية الثقافية المستعملة في المغرب، وبالتالي فإنه من العبث تناول القضية اللغويةفي المغرب خارج الإطار الذي حدده الدستور بشكل رسمي ونهائيونخال أن الأمر ينتقل إلى مستوىالعبث حينما يتم إغفال المرجعية الدستورية في قضية اللغة بجميع تجلياتها وروافدها، سواء تعلق الأمرباستعمالها في الحياة العامة أو في الإدارة أو في التدريس أو في غير ذلك من مجالات الاستعمال.

ثم شاء من شاء، وأبى من أبى، فإن المغرب بلاد عربية أمازيغية في الجوهر والعمق، هويته الأساسيةوالرئيسية المتجذرة في أعماق التاريخ عربية، أمازيغية، ولذلك فإن اللغة تعتبر من المكونات الرئيسيةللإنسية المغربية وهي مرتبطة بالعربية والأمازيغية مع الانفتاح طبعا على باقي اللغات وعلى أكثرهاتداولا في العالم، وبالتالي فالتعاطي مع استعمالات اللغة في المجتمع يجب أن يستند إلى هذا المرجعالهام الذي لا يمكن التشويش عليه من خلال إخراج قضية اللغة من سياقها الملزم.

الأمر يتعلق إذن بثابت من الثوابت الأساسية المتعلقة بالهوية الوطنية، ومن ثمة فإن أي تهميش لهذهالمراجع، وأي خروج عن سياقها الصحيح يعتبر مساسا وتشويشا وإساءة لهذا الثابت.

وحينما نجزئ النقاش في هذه القضية البالغة الأهمية ونحصر الإنشغال في لغة التدريس التي تجريمحاولات لإظهار خلافات ما في صددها، فإننا نلح على ضرورة تأطير هذه المعالجة بالمراجع الدستوريةوالمتعلقة بالهوية الوطنيةطبعا هذا لا ينفي ولا يلغي الاهتمام باللغات الأجنبية الحية التي لا يمكنبالمناسبة حصرها في لغة أجنبية معينة تحظى بنفوذ كبير و قوي في بلادنا، بل إننا نلح في الحرصعلى الاهتمام باللغات الأجنبية الحية الأكثر نفعا للمواطن والقادرة على تلبية الحاجيات الاقتصاديةوالديبلوماسية والإعلامية، لكن هناك فرقا بين الاهتمام الكبير باللغات الأجنبية الحية الأكثر نفعا، تعلماوتدريسا، وبين التدريس باللغات الأجنبية في مؤسسات تعليمنا في غياب رؤية بعيدة المدى تستحضر المسألة اللغوية في بعدها التنموي المستدام الذي يعزز روابط الانتماء وقيم المواطنة، هنا جوهر الخلافالذي نعتبره خرقا للدستور وإساءة قوية للشعور الجمعي ومخاطرة بتلاشي لحمة الوجدان المشتركالذي تؤمنه كل من العربية والأمازيغية بالنسبة للأجيال القادمة .

لذلك نكرر مرة أخرى أننا لايمكن بأية حال من الأحوال أن نكون ضد الاهتمام باللغات الأجنبية في مؤسسات تعليمنا، بل نعتبر ذلك ضرورة ملحة، وندعو إلى تقوية و تعزيز هذا الاهتمام لكي نتخلص من مظاهر التشوه اللغوي في استعمالاتنا للغات الأجنبية، وهنا نذكر أنه رغم كل الجهود التي بذلت لفرض اللغة الفرنسية في مختلف مراحل تعليمنا العمومي، لكن النتائج لم تكن بما يرضي الذين سعوا إلى بسط هيمنتها، ولذلك من المنطقي أن ندعو إلى تعزيز الاهتمام باللغات الأجنبية الأكثر نفعا من خلال الزيادة في الحصص المخصصة لها، وتجويد مناهج تلقينها.

لذلك نعتبر أن إخراج مشروع القانون الإطار حول إصلاح التعليم ينبغي أن يتم بكيفية متساوقة ومنسجمة مع القانون التنظيمي لترسيم الأمازيغية والقانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية.

افتتاحية جريدة العلم ليوم 7 فبراير 2019

 

اترك تعليقاً