الثلاثاء , يوليو 16 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / في البدء كان التسامح

في البدء كان التسامح

إبداء الإعجاب

د عبد الإله بلقزيز/

حين يحاول أحدنا الجوابَ عن سؤال: كيف نواجه التعصُّب ونكُفُّ أخطاره؟ فهو لن يكون في وضْعٍ ابتدائي صِفْري من التفكير؛ فنحن هنا لن نعيد اختراع العربة، كما يقال، وحيث السؤالُ عينُه طُرِح على مجتمعات وثقافات أخرى، فوفّرت عنه أجوبةً في بعضها الكثيرُ ممّا هو كونيّ؛ ما هو عابرٌ للخبْرات التاريخيّة الخاصّة وقابلٌ بالتالي، للاستعارة أو الاستلهام من آخرين، نحن منهم. وهكذا إذا جاز لنا الجواب عن السؤال بالقول: إنّ دواء التعصّب هو التسامح، ما جانبْنا الصّوابَ في القول، ولا جنحنا للحلول السهلة ومنها الاستنساخ؛ إذِ المجتمعاتُ، كما الثقافات، تتبادل الخبرةَ التاريخيّة، وتستفيد من بعضها وتضيف إلى بعضها.

وكما نبدي وفاءً لهذه القاعدة حين نستعير من غيرنا أدواتٍ ووسائلَ وإجراءات للجواب عن معضلات الاقتصاد والسياسة والتربيّة والتعليم؛ كذلك يكون علينا أن نتوسّل القاعدة عينَها ونحن نسعى إلى بناء هندسةٍ اجتماعيّة جديدة نفُكّ فيها خيوط الاشتباك بين قوى المجتمع، بما يحفظ الأمن والاستقرار والسِّلم المدنيّة فيه. ولا ضَيْر من أن يمدّ مجتمعٌ يده إلى خبرةِ آخر؛ فالخبرةُ تلك تفيض عن حدودها القوميّة، لتصبح من المُتُاحِ للإنسانيّة. والعبرةُ، هنا، ليس في الأخذ (أو عدم الأخذ)، وإنما في: ما الذي ينبغي أن يُؤخَذَ ويُسْتَفاد منه؟ وكيف؟ وما الذي يُطَّرحُ جانباً لعدم مواءمته أوضاعَنا؟

ولكن مهلاً؛ نحن – في قضيّة التسامح تحديداً – لن نكون ضيوفاً على مائدة الغرب، والفكر الأوروبيّ تحديداً، وتلامذةً يُصيخون السمع. صحيحٌ أنّ فكرةَ التسامح أنجبت تراثاً فكريّاً ولاهوتيّاً في أوروبا القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ وصحيحٌ أنّ دعاة التسامُح، في ذلك العصر، استفادوا من تراث مَن قبْلَهم من الإنسانويّين (نيكولا دوكوزا، مارسيل فيسان، بيك دو لاميراندول، إِراسم…)، وبلغوا بصوْغهم مبدأ التسامح صوْغاً تنظيريّاً المدى الأبعد، بحيث لا سبيل أمام مَن يبحث في ظواهر التعصُّب إلى مغالبتها إلاّ من طريق استيعاء تراث التسامح الحديث، والوقوف على نجاحات أوروبا في توسُّله لإنهاء منازعاتها الدينيّة الدمويّة. ولكن، من قال: إنّ تراث الإسلام التاريخيّ خلوٌ من التسامح؟ نعم، لدينا تراثٌ إنسانويٌّ مكتوب (كما في حالة مسكويه وأبي حيّان التوحيديّ وقبلهما، بعض «رسائل إخوان الصّفا»)، بينما ليس لدينا تراثٌ فكريٌّ مكتوب في التسامح (ما خلا شذرات فقهيّة هنا وهناك). غير أنّ الذي لا مِرْيَة فيه أنّ تاريخ الإسلام السياسيّ والدينيّ ملِيء بوقائع التسامُح تجاه المخالِفين في الدين أو المذهب. يكفي المرءَ أن يعود إلى كتب الملَل والنِّحل (البغداديّ، الشهرستانيّ، ابن حزم)، وكتب تاريخ الأدب (الجاحظ، الأصفهاني) وتاريخ الفكر (ابن النّديم) وإلى المجادلات الكلاميّة بين المسلمين وبين المسلمين والمسيحيّين، ليقف على وجوه عدّة من ذلك التسامح.

قلنا إنّ دواءَ التعصُّب التسامحُ، ونعني بالتسامح التسليم بوجودِ المخالِف في الاعتقاد، والكفَّ عن مواجهته وإكراهه على غير ما يعتقد، والبحث عن سبيلٍ إلى تنظيم التعايُش معه من أجل صوْن السِّلم، من دون الاعتراف له – بالضرورة- أنّه على حقٍّ في ما يعتقده. وإذا كان التسليم هذا – الذي يترك للجميع حريّة اعتقاد ما يعتقدونه – لا يبغي الوصول إلى اشتقاق مشتَركاتٍ عَقَدّية بين المختلفين، أو الحثّ على التقارُب بينهم في الاعتقاد (خاصّةً إذا كانت الشقّة بينهم وَسيعة)، فإنّه يَرُوم – في المقام الأوّل – تحييد الاختلاف الدينيّ والمذهبيّ، في العلاقة بين الجماعات المختلفة داخل المجتمع الواحد أو في العلاقة بين الشعوب والأمم، من أجل الوصول إلى بناء مشتَركاتٍ مدنيّة ووطنيّة تسمح ب «العيش المشترك» تحت سقف سلطةٍ واحدة وولاءٍ واحدٍ جامع (الولاء للوطن)، وقانونٍ واحد (وطنيّ في المجتمع الواحد، ثم دوليّ بين الأمم كافّة). وليس من شكٍّ في أنّ التسامح – وهو تمرينٌ على ثقافة السِّلم- لا يُلغي المذهبيَّة أو يحقّق الوحدةَ الدينيّة في دينٍ مّا، ولكنّه يُلجم اندفاعةَ المذهبيّات ومنازعها التوسُّعيّة، ويفرض عليها احترام استقلاليّة المجال الزمنيّ والسِّلم المدنيّة.

لقد خاضتِ البشريّة (أوروبا على نحوِ خاصّ) تجربة حروب دينيّة مريرة امتدّت لقرابة مئة عام (أشدّها وطأةً حربُ الثلاثين عاماً: 1618-1648)، قبل أن تبدأ في كبح جِماح جنونها، وإرساء أسسٍ لهدنةٍ دينيّة بين الطوائف المتقاتلة، ما لبِث مفهوم التسامح أن أتى يوفّر لها أساساً متيناً ومديداً. ولسنا في حاجةٍ إلى أن نمرّ، في مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة، بمثل تلك التجربة المريرة حتى ننتهي إلى اليقين بوجوب إرساء التسامح بيننا، أو بيننا وبين غيرنا لكفّ أذى التعصُّب؛ ففي الخبرة الإنسانيّة من الدروس ما به نتَّعظ ومنه نستفيد؛ والتسامحُ، الذي كان بلسماً لجراحات أوروبا، واحدٌ من آكَدِ تلك الدروس وأجزلِها عوائد، ونشْر ثقافة التسامح وقِيَمِه في مجتمعاتنا من أعجل المهمات التي تدعونا إلى النهوض بها.

اترك تعليقاً