الإثنين , أغسطس 19 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / دلالات رفض الشعب الفلسطيني “صفقة القرن”

دلالات رفض الشعب الفلسطيني “صفقة القرن”

إبداء الإعجاب

عوني فرسخ (فلسطين)/

أجمع ممثلو السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة والاحزاب وهيئات المجتمع المدني والعديد من الشخصيات الوطنية الفلسطينية ورجال الاعمال في الوطن المحتل والشتات، على رفض مبادرة الرئيس الأمريكي ترامب المسماة “صفقة القرن” . ذلك لأنها تستهدف تصفية حقوق الشعب العربي الفلسطيني، في مخالفة صارخة لميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الانسان، خاصة حقه المشروع بتحرير أرضه المحتلة، وفي الحفاظ على عروبة القدس ومقدساتها الاسلامية والمسيحية، وحق اللاجئين بالعودة لديارهم واستردادهم أملاكهم والتعويض عليهم عن ما لحقها من ضرر، كما نص على ذلك قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 194 لسنة 1947 .

ولما كانت فلسطين محتلة من استعمار استيطاني عنصري اقترف جريمة التطهير العرقي ضد شعب فلسطين سنة 1948 كما وثقها المؤرخ الاسرائيلي ايلان بابيه، فانه بموجب القوانين والاعراف الدولية من حق شعبها العربي مقاومة اسرائيل ومؤسساتها واجهزتها كافة بكل وسائل المقاومة المشروعة بما في ذلك المقاومة المسلحة، ما يعني ان فصائل المقاومة الفلسطينية مشروعة، ما دام الاستعمار الاستيطاني العنصري محتلا لأي جزء من أرض فلسطين . وبالتالي ليس مشروعا اتهام اي من فصائل المقاومة الفلسطينية بالارهاب .

“وصفقة القرن” التي دعا لها الرئيس الأمريكي ترامب ليست سوى الترجمة الأمريكية لفكرة “السلام الاقتصادي” لرئيس وزارة اسرائيل نتنياهو . الداعية لاضفاء قدر من الرخاء الاقتصادي في الضفة الغربية، مع استمرار احتلالها وتواصل التوسع الاستيطاني فيها . كما على قطاع غزة، وفتح معابره وليس فك حصاره، شريطة تجريد جميع فصائله من سلاحها .

وأن يكون هذا هو المستهدف من صفقة ترامب يغدو منطقيا ان يجمع الشعب الفلسطيني على رفضها برغم الضغوط الأمريكية وغير الأمريكية لقبولها . ولطالما قال إعلام الانظمة العربية : نقبل بما يقبل به الفلسطينيون . والآن وقد اجمع شعب فلسطين على رفض المبادرة الأمريكية فهل سترفضها دول الجامعة العربية أم أن لبعضها التزاما آخر ؟!!

وليس ينكر ان هناك خلافات بين صناع قرار بعض فصائل المقاومة الفلسطينية، وتباينات حادة في وجهات نظرهم تجاه قضايا الصراع العربي – الصهيوني، وأن معظم هذه الخلافات والتباينات لم تحسم بعد . غير أن الاجماع الفلسطيني على رفض الصفقة دون مبالاة بالضغوط العديدة لقبولها . ففي هذا الاجماع الشعبي البرهان على تقدم الوعي السياسي لقادة وجمهور الشعب الفلسطيني، المتمثل بالتمييز بين التناقضات الثانوية فيما بين شركاء المسيرة والمصير، وبين تناقضهم الرئيسي مع القوى والسياسات والدعوات التي تستهدف حقوقهم المشروعة في القانون الدولي، وثوابتهم الوطنية . وهو التناقض الذي شكل ولا يزال، تحديا مصيريا للشعب الفلسطيني حاضرا ومستقبلا . ما يستدعي بالتالي استجابة وطنية فاعلة توظف فيها قوى شعب فلسطين وإمكانياته المادية والمعنوية .

ثم إن في الاجماع الوطني على رفض صفقة القرن ما يؤشر الى تعاطي صناع قرار الفصائل والهيئات السياسية الفلسطينية، برغم خلافاتهم وتباين وجهات نظرهم، بقدر متقدم من العقلانية بالتعاطي معها على انها خلافات ونزاعات دون وطنية مهما تفاقمت حدتها، تحل بالحوار، والتركيز على ما يجمع الشمل، وضبط المسار ونوازع الانقسام، باعتبار ان الوحدة الوطنية التي تمثلت بالاجماع على رفض صفقة القرن الامريكية، لا تبقي مجالا لاستمرار نزاع صناع قرار حركتي فتح وحماس، وبالتالي دعوتهما لحوار رفاقي بناء، متحرر بالكامل من منطق التخوين .

ثم أليس في إجماع فصائل المقاومة، والأحزاب، والشخصات الوطنية، وقطاع واسع من رجال الاعمال الفلسطينيين  على رفض صفقة القرن وما تستهدفه أمريكيا، دليل على بداية التحرر من آثار اتفاق أوسلو كارثي النتائج ؟ كما أن في عدم وصول مفاوضات فريق فتح مع، العدو المحتل لتحقيق اي انجاز وطني مهما كان يسيرا . دليل واضح على أن ما يواجهه شعب فلسطين انما هو عدوان عنصري متخلف منغلق على مفاهيمه التلمودية، واوهامه التاريخية، وليس لديه ادنى استعداد للتخلي عن واحد بالمئة فيما اغتصبه من الأرض العربية، وانه مسكون بهواجسه وقلقه الدائم على “امن ” إسرائيل .

ومما يذكر بهذا السياق ان وزير الخارجية الامريكي دالاس جاء الى القاهرة في آيار / مايو 1953، ولدى مقابلته الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، طلب منه الصلح مع إسرائيل . فابدى عبدالناصر استعداده للصلح والعمل على إقناع الدول العربية بذلك، مشترطا انسحاب اسرائيل لحدود التقسيم، مع ضم النقب للقسم العربي كما ورد في توصية الوسيط الدولي برنادوت . فذهب دالاس للقدس المحتلة، وقابل رئيس وزراء اسرائيل موشيه شاريت، الذي كان يوصف بالاعتدال تجاه العرب، وطرح عليه مقترح عبدالناصر للصلح والسلام، فكان رده، كما وثقه الراحل محمد حسنين هيكل:

“إن اصدقاء اسرائيل ليس لهم ان يقترحوا عليها العودة لحدود التقسيم لأن ذلك بمثابة انتحار .

وأن أصدقاء اسرائيل لا يجوز لهم الاقتراح بعودة لاجئين، ولم يقل اللاجئين، لأن هذا أيضا بمثابة انتحار .

وأن أصدقاء اسرائيل لا يجوز لهم أن يطلبوا منها دفع تعويضات عن أراض احتلتها لأن ما لديها من المال لا يكفي احتياجاتها وعليهم أن يدبروا الأموال التي يقترحونها كتعويضات .

كان هذا جواب شاريت “المعتدل ” عام 1953 . وفي العام 1955 عندما اعترض عبدالناصر على دعوة بن غوريون لحضور مؤتمر باندونج لكون اسرائيل دولة استعمارية تحتل ارضا عربية، سأله رئيس وزراء سيلان، اونو الداعي للمؤتمر ما الذي يرضي العرب للقبول باشتراكها ؟ وكان رده انسحابها لحدود التقسيم، لكن بن غوريون رفض ذلك .ما دعا اونو، بعد مشاورته نهرو لسحب دعوة بن غوريون لحضور المؤتمر . وبذلك نجح عبدالناصر في عزل اسرائيل عن حركة عدم الانحياز .

وما صدر عن شاريت وبن غوريون في خمسينات القرن العشرين لما يزل هو الموقف الاستراتيجي الملتزم به كل من جاء بعدهما من رؤساء وزراء الكيان الصهيوني .

ومؤخرا قال د. محمد شتية، رئيس وزراء السلطة، “أننا سوف نراجع الموقف مع إسرائيل، اذ لايجوز أن نعترف بهم، ولا يعترفون بنا” . قاصدا اعتراف اسرائيل بحق الشعب العربي الفلسطيني المشروع وفق ميثاق الأمم المتحدة . آملين التزام السلطة بالعمل الجاد للتحرر من الالتزامات التي رتبها اتفاق اوسلو عليها، بدءا من التنسيق الأمني مع أجهزة الكيان، وتعديل الميثاق الوطني لتحريره من التعديلات التي لحقت به سنة 1966 استجابة لاشتراطات اشتراطات اسرائيل التي سوقها حينذاك الرئيس الأمريكي كلينتون، وذلك بالعمل على إعادة اصدار الميثاق كما كان قد صاغه المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول المنعقد بالقدس في 28/5/1964، وإعادة تفعيل جميع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، بحيث تغدو فعلا أداة تحرير وعودة كما انشئت لذلك، وليس أداة تمرير التنازلات التي اثقلت مفاوضات فريق أوسلو.

اترك تعليقاً