الخميس , نوفمبر 14 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / تحطيم المرايا في طنجة

تحطيم المرايا في طنجة

إبداء الإعجاب

د. عبد الحسين شعبان*/

لو عاد ماركس اليوم لأعاد النظر في الكثير من المسلّمات والأحكام، خصوصاً في ظلّ العولمة والعصر الرقمي، حتى وإن تشبث المريدون بجعله أيقونة تصلح للمتحف.

إذا كان «الحب من أول نظرة»، فعشق طنجة من أول زيارة، فتهيم غراماً بها وتزداد عشقاً لها كلّما اكتشفت مكنونات روحها بما فيه من سحر وألغاز، وحسب بربارا هايتن «طنجة هي الحياة»، وكما كتبت على لوحة رخامية في منزلها «الجنة هنا.. هنا.. هنا» وهي تعني طنجة.

الألوان والأنغام تختلط في طنجة، وما الحياة سوى لون ونغم، «وحق الهوى أن الهوى سبب الهوى.. ولولا الهوى في القلب ما وجد الهوى»، كما يقول محيي الدين بن عربي، فالزرقة للسماء والبحر، والخضرة تكسو الوديان والسفوح مطرّزةً بالأصفر والوردي، حتى لتبدو طنجة وكأنها حديقة أو غيمة سندس تفوح منها كل الأطايب، وتتفرّع على جانبيها أزقة وبيوت وأبواب ملوّنة تشمّ منها عبق التاريخ.

منذ أن قرأت «الخبز الحافي» هامت روحي بطنجة، فقد كان الروائي محمد شكري بارعاً بجنونه الفائق وعوالمه الليلية والنهارية الشائقة وشخصياته الهامشية الفاتنة التي روى حكاياتها التي تُحكى ولا تُحكى.

واجتذبت طنجة عدداً كبيراً من كبار المبدعين الذين تردّدوا عليها وعاشوا فيها مثل جان جينه والبرتومورافيا وأرنست همنجواي والجواهري وأدونيس وسعدي يوسف وخوان جوتيسولو ومارسيل خليفة وغيرهم، ولكل قصته وعشقه. ومن أزقة طنجة بزغ ابن بطوطة ليلفّ العالم، ثم يعود ليرقد محتضناً أطالس الجغرافيا وكتب التاريخ وحكايات المجتمعات المتنوعة والشعوب المتمايزة.

هكذا تتبدّى لك الأندلس حتى لتشعر أن العالم كله في عهدتك، ف «المدينة الحلم»، حسب بول باولز، صوّرها الرسام هنري ماتيس في لوحته الشهيرة العام 1912 «نافذة من طنجة»، الموجودة حالياً في متحف بوشكين في موسكو وعلّق عليها قائلاً: طنجة «جنّة الرسام» و«المرآة المفتوحة على العالم». ومكث ماتيس في فندق فيلا دي فرانس، وصادف في إحدى زياراتي لطنجة أن نزلتُ في الفندق ذاته وبجوار غرفته الرقم 35 وطلبت حينها من عامل الفندق أن يفتحها لي، فوجدت الضوء يملؤها من جميع الجوانب. وتعلّق الجواهري هو الآخر بطنجة التي وصفها بأنها مدينة «الدلال والغنج» حيث ينطلق الليل من جفنيها، وذلك حين زارها في العام 1974.

فكيف حلّ ماركس ضيفاً على طنجة التي لم يزرها؟، لكن «للأفكار أجنحة» على حد تعبير ابن رشد، فقد زارت أفكاره طنجة وحلّقت فوق البحرين (البحر المتوسط والمحيط الأطلسي) حيث يلتقيان في طنجة في لقاء حميم لا مثيل له. وكانت «عودة ماركس» إلى طنجة عبر مهرجان ثويزا، حيث دعيت للحديث عنها، فاستعدتُ مقابلة لي في جريدة «أنوال» المغربية قبل ثلاثة عقود من الزمان، عن «أزمة الماركسية»، وهو الموضوع الذي توسّعت في تناوله بكتابين الأول «تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف» والثاني «الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية». فهل العودة إلى استحضار ماركس دليل طمأنينة أم إشارة قلق؟ وهل هو سؤال شك وأزمة أم جواب يقين وثقة؟

لكننا لسنا وحدنا من يعود إلى قراءة ماركس، فقد أخذ مديرو بنوك وشركات كبرى يشجعون على قراءته، فبعد أزمة العام 2008 كان كتاب «رأس المال» الأكثر اهتماماً وكانت نتائج استفتاء لهيئة الإذاعة البريطانية BBC

قد صنّفت ماركس كأحد المؤثرين في العالم بين 100 شخصية.

والمهم كيف نقرأ ماركس والماركسية من بعده وأعني «المادية التاريخية» فقد كان هو الحلقة الذهبية الأولى فيها. أعداؤها حاولوا تأثيمها وأبلستها لأنها مثلت خطراً على مصالحهم الطبقية، أما أتباعها فصنّموها وألّهوها وربطوها بشخص ماركس ومن جاء بعده، حتى إن بعض أصحابنا أضفى عليها نزعة ريفية أو بدوية بالضد من جوهرها المدني الحداثي.

وإذا كان الأعداء والخصوم قد لعنوها وطاردوها، فإن الأتباع والمريدين كانوا عبيد النصوص، والنصوص كما هو معلوم منتهية، أما الواقع فمتغيّر، وهو لا متناهٍ، وبغض النظر عن منهج ماركس، فإن تعليماته كانت تصلح لعصره وقد تجاوز الزمن العديد منها، فما بالك حين أخفقت بالتجربة، وإذا كان المنهج يقتضي قراءة الواقع، فلا بدّ إذاً من استنباط الأحكام منه، والمرجعية أولاً وأخيراً للواقع الملموس وليس للنصوص، والممارسة جزء من النظرية مثلما الوسيلة جزء من الغاية.

ولو عاد ماركس اليوم لأعاد النظر في الكثير من المسلمات والأحكام، خصوصاً في ظلّ العولمة والعصر الرقمي، حتى وإن تشبث المريدون بجعله أيقونة تصلح للمتحف. وتلك كانت جوهر مداخلة طنجة في فضائها الفكري المفتوح.

drhussainshaban21@gmail.com

  • كاتب من العراق

اترك تعليقاً