الإثنين , ديسمبر 17 2018
الرئيسية / أخر المستجدات / تأمل في الوضع العربي

تأمل في الوضع العربي

بقطع النظر عن الخلفيات المتباينة للإعلام المتنوع فإنه ينقل إلينا يوميا بكل وسائله المرئية والمسموعة والمكتوبة، الورقية والإلكترونية، أخبارا وصورا عن أبشع مشاهد القتل والدمار التي أضحت تعم منطقة الشرق العربي بعد الحرب الأمريكية على العراق واحتلاله وزرع بذور الفتنة الطائفية داخله، وبروز حركات إرهابية بمسميات مختلفة من القاعدة إلى داعش وغيرها وصولا إلى ما سُمي بالربيع العربي الذي انطلق كتعبير عن إرادة الشعوب التواقة للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في مواجهة الأنظمة الاستبدادية وما ترعاه من فساد، غير أنه في غياب تأطير سياسي برؤية مستقبلية واضحة، واستغلال أطراف مغرضة للمظاهرات الشعبية العفوية لتصفية حسابات خاصة، وانخراط فلول الأنظمة السائدة في إشعال فتيل العنف، تحولت الاحتجاجات السلمية الرافعة لمطالب شعبية مشروعة إلى مواجهات مسلحة عنيفة تتناحر فيها أطراف متعددة التوجهات والأهداف وتأتي على الأخضر واليابس.

ويحق لنا أن نتساءل هل ما جرى وما زال يجري من مآسي إنسانية ودمار شامل في منطقة الشرق العربي بالذات جاء صدفة أم أنه مخطط له أهداف استراتيجية سياسية واقتصادية استعمارية لفائدة الصهيونية والقوى الرأسمالية العالمية؟ وهل من قبيل الصدفة أن يسود القتل والدمار بصفة خاصة في الدول العربية التي كانت توصف بجبهة الرفض والممانعة في مواجهة المخططات التصفوية للقضية الفلسطينية؟ وهل من قبيل الصدفة أيضا تزامن المواجهات المسلحة المدمرة في عدد من دول الشرق العربي مع تزايد غطرسة الكيان الصهيوني وتحديه للمواثيق الدولية والقرارات الأممية من جهة، وكشف الإدارة الأمريكية عن وجهها الحقيقي في ضلوعها مع الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني وترسيخ احتلاله لأرض فلسطين من جهة أخرى؟  وحتى لا يتهمنا أحد بأننا نريد الخوض فيما يسميه البعض بنظرية المؤامرة فإننا نعتبر أن ما نشاهده يوميا مع العالم من تقتيل وإبادة للعنصر البشري العربي ودمار للعمران ومعالم حضارية وثقافية عريقة وما يترتب عن ذلك من مآسي إنسانية فظيعة لا يمكن أن يكون مجرد أحداث عادية، أو أنها مجرد نزاعات طائفية بين السنة والشيعة أو بين متشددين دينيين ومعتدلين دون أن تكون لها خلفيات وأبعاد أخرى، وفي جميع الأحوال لا يمكن لأي ضمير إنساني حي أن يتقبل ما يجري برضا وارتياح، أو بلا مبالاة.

ومن الواضح أن الشعوب التي تجري على أراضيها المواجهات المسلحة هي أكبر الخاسرين بكل أطرافها المتنازعة لما تعيشه من رعب وما يتعرض له أبناؤها من قتل أو إصابات بعاهات خطيرة وتشريد، وخراب للبيوت وتدمير للبنيات التحتية وإهدار للموارد وتعطيل للحياة الطبيعية الآمنة.

وبغض النظر عن صفات وشعارات وهُويات وخلفيات الجهات المتقاتلة فإن النتائج تبقى مأساوية وفي غاية الخطورة بالنسبة للشعوب والبلدان التي يجري على أراضيها القتال، ولا مجال للتمييز بين طرف أو أطراف رابحة وأخرى خاسرة لأن الأمر يتعلق بهدم أوطان بكل مكوناتها البشرية والعمرانية والاقتصادية والثقافية والحضارية.

ولا يحتاج الوضع إلى كثير من التفكير للقول بأن الجهة المستفيدة من الحروب الواضحة للعيان تتمثل في تجار أسلحة القتل والدمار، فكل بؤرة للتوتر والنزاع المسلح هي فرصة سانحة لرواج تجارة الموت، وليس خافيا أيضا أن المتاجرين في الأسلحة يشكلون جزءا من أخطبوط القوى الرأسمالية المتوحشة في العالم.

ومن الواضح كذلك أن الاختلافات والصراعات بين الأنظمة العربية السائدة من جهة، وداخل عدد من دول المنطقة من جهة ثانية، وما ينتج عن ذلك من ضعف وإنهاك وإهدار للطاقات والموارد البشرية والاقتصادية يجعل ميزان القوى يميل أكثر لصالح الكيان الصهيوني العنصري الغاصب لأرض فلسطين ولصالح تكريس الاحتلال وعلى حساب حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه واستعادة حقوقه الوطنية المغصوبة.

وتظل جامعة الدول العربية في حالة شلل مزمن في مواجهة ما يحدث على أرض الواقع العربي وأصبحت اجتماعاتها مجرد مناسبة لتبادل عواطف لا يمكن أن تكون صادقة في عمقها لأن ممارسات الأعضاء خارج فضاء الجامعة تضرب عرض الحائط بميثاقها، وبالتالي فإنه لا يُعول عليها في حالتها الراهنة أن تضطلع بأي دور يحد من ظاهرة التفكك والتشظي في المنطقة العربية وبالأحرى خدمة أهدافها في التعاون السياسي والتكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء.

وإذا كان الوضع العربي الحالي بتناقضاته وتبعية أو انحناء بعض القيادات الرسمية فيه للأشكال الاستعمارية الجديدة وانخراطها العلني في التطبيع مع العدو الصهيوني واختلال ميزان القوى لصالح كيان الغصب والاحتلال المدعوم بقوى الطغيان الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فإن هذا الاختلال مهما كان حادا ومؤلما ومنهكا فهو لا يعني أبدا أن ما تعانيه الشعوب العربية من قهر وما يعيشه الشعب الفلسطيني من ظلم وتجاهل لحقوقه الثابتة هو وضع نهائي لا مجال لتغييره، وإنما هو وضع يحمل في طياته وثناياه عوامل اندحاره وزواله ولو بعد ردح من الزمن.

وإذا كانت هناك عدة عوامل تساهم في تغييب الوعي الوطني والقومي وتساعد على انتشار مظاهر الاستلاب وتدفع بالكثيرين نحو اليأس، فإن الجذور الثقافية والحضارية لأمتنا التي ترسخت عبر قرون من الزمن لابد أن تنبعث منها براعم جديدة تغير الصورة الكالحة الراهنة وتعطي الحياة للفكر المتحرر القادر على كسر قيود التبعية والخنوع، والتخلص من كوابح الاستبداد وعاهات الفساد، وتفتح المجال أمام الشعوب لتقول كلمتها وتتولى أمورها بنفسها مما يفتح آفاق التطور العلمي والنهوض الاقتصادي والتقدم الاجتماعي.

اترك تعليقاً