الثلاثاء , أبريل 23 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / تأثير المجتمع المدني في السياسات العمومية، حقوق الإنسان كنموذج
يعرف المغرب دينامية متزايدة للمجتمع المدني أو المنظمات غير الحكومية التي تتكون بمبادرات تطوعية جماعية منظمة وتشتغل في مختلف المجالات الحقوقية والثقافية والاجتماعية والتنموية والرياضية والبيئية.. وتؤثر في السياسات العمومية بما تقدمه من مطالب أو مقترحات أو من خلال رصدها لما يجري على مستوى تدبير الشأن العام وما تبديه في هذا الصدد من ملاحظات أو انتقادات، وجاء دستور سنة 2011 ليعزز دور المجتمع المدني كطرف يساهم في إطار الديمقراطية التشاركية في خدمة الصالح العام

تأثير المجتمع المدني في السياسات العمومية، حقوق الإنسان كنموذج

إبداء الإعجاب

يعرف المغرب دينامية متزايدة للمجتمع المدني أو المنظمات غير الحكومية التي تتكون بمبادرات تطوعية جماعية منظمة وتشتغل في مختلف المجالات الحقوقية والثقافية والاجتماعية والتنموية والرياضية والبيئية.. وتؤثر في السياسات العمومية بما تقدمه من مطالب أو مقترحات أو من خلال رصدها لما يجري على مستوى تدبير الشأن العام وما تبديه في هذا الصدد من ملاحظات أو انتقادات، وجاء دستور سنة 2011 ليعزز دور المجتمع المدني كطرف يساهم في إطار الديمقراطية التشاركية في خدمة الصالح العام.
وقد مر المجتمع المدني الذي اختار الاشتغال في المجال الحقوقي بالمغرب بمراحل صعبة لم يكن فيها عمله متيسرا ورغم ذلك فقد كان له تأثير ملحوظ في السياسة العمومية المتعلقة بحقوق الإنسان كما سنرى.
ولا أرى داعيا في هذه العجالة للخوض في المفهوم الفلسفي للمجتمع المدني وتطوره في الفكر الغربي الليبرالي الذي أنتج هذا المصطلح كما أنه لا ضرورة لاستعراض التعريفات العديدة الموجودة في كتابات غربية وعربية، وإنما أود أن أقدم تعريفا مبسطا فأقول بأن: “المجتمع المدني هو هيئات تضم عددا من الأشخاص الذين يختارون العمل الجماعي السلمي والمنظم لخدمة قضايا مشتركة ومصالح عامة بشكل تطوعي وباستقلال عن الدولة ولا يتوخون من ذلك الوصول إلى السلطة”
وعرف المغرب منذ زمن طويل، تنظيمات مدنية نشأت بعفوية واستجابة لحاجات مجتمعية، وتتمتع بالاستقلالية؛ وإذا كانت الظروف السياسية قد أفرزت بعض الكيانات خارج هذا الإطار، فإن ذلك لم يؤد إلى اندثار أو تغييب العمل الجمعوي المنبثق من المجتمع، والذي يعمل انطلاقا من وعيه الذاتي، وباستقلال عن الدولة.
ولا يهمني التعرض لتاريخ وتطور المجتمع المدني في المغرب لكن في المجال الحقوقي لابد من الإشارة إلى أن أول عصبة لحقوق الإنسان ظهرت في تطوان سنة 1933 على يد المجاهد عبد السلام بنونة بمعية ثلة من الشباب الوطني ومن ضمنهم زعيم الوحدة عبد الخالق الطريس.
ومع بداية الاستقلال صدر قانون الحريات العامة في 15 نونبر 1958، وساد حماس وطني للمشاركة في بناء المغرب المستقل، وأدى ذلك إلى إنشاء العديد من الجمعيات باهتمامات متنوعة، كما أدى التنافس بين الأحزاب الوطنية إلى تكوين عدة جمعيات قريبة منها، أو موازية لها.
غير أن التراجعات التي عرفها الحقل السياسي منذ بداية الستينات، والحصار الذي ضُرب على القوات الوطنية الحية بصفة عامة، وما صاحب ذلك من قمع ممنهج، ومصادرة للحريات العامة، وخلط الأوراق واختلاق جمعيات موالية وتمييع النسيج الجمعوي، وهيمنة النفوذ المخزني التقليدي كوجه من أوجه الحكم المطلق، هذه العوامل أدت إلى التقليص نسبيا من حركية النسيج الجمعوي التلقائي، وذي التوجهات الوطنية والديمقراطية.
غير أن الوجه القمعي الذي أبانت عنه الدولة لم يؤد إلى إيقاف حيوية المجتمع، بل كان رد الفعل هو أن المجتمع أصبح يرى في الدولة خصما لا مجال للتعاون معه، وتأججت ثقافة الصراع، وانعدام الثقة، وأضحت المنظمات النابعة من المجتمع رديفا للقوى السياسية الديمقراطية في مواجهة آلة القمع المخزني، والدفاع عن الحريات، وحماية كرامة المواطنين، وفي هذا السياق اتجه عدد من المناضلين السياسيين لإحداث إطارات ومنظمات تختص بالعمل والنضال من أجل إقرار واحترام حقوق الإنسان فتأسست مع بداية العقد السابع من القرن الماضي لجنة تعددية للدفاع عن الحريات غير أنها لم تعمر طويلا ولم يكن لها تأثير يذكر، وتأسست العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1972 لتكون أول جمعية متخصصة في هذا المجال عرفها المغرب بعد الاستقلال، وبعد ذلك بسنوات تم تأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 1979، ثم المنظمة المغربية لحقوق الإنسان سنة 1988؛ وتعددت بعد ذلك المنظمات الحقوقية التي أصبحت اليوم تنسق عملها في إطار الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان الذي يضم أكثر من عشرين جمعية، وتكونت عدة جمعيات نسائية للدفاع عن حقوق المرأة، والمطالبة بالمساواة وفق ما تقتضيه الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعتمدة في 18 دجنبر 1979؛ وفي نفس المرحلة عرفت المنظمات الوطنية للشباب حركة نشيطة، وفتحت جسور التعاون والتنسيق فيما بينها، وباعتبارها مرتبطة بالقوى الديمقراطية، فقد كان للتنسيق بينها أثرا إيجابيا على المشهد الحزبي، حيث بدأ التحول بشكل واضح للثقافة السياسية بتراجع ظواهر الأحادية والإقصاء والتنافر، وانفتاح الأحزاب الوطنية على التعاون لبناء المجتمع الديمقراطي، بعد أن أدركت القيادات الحزبية أن أي حزب لن يستطيع بمفرده تحقيق التغيير المنشود.
وفي أواخر العقد الثامن وبداية العقد التاسع من القرن الماضي، شكل المجتمع المدني، وخاصة مكوناته الحقوقية والنسائية والشبابية، قوة ضاغطة ومؤثرة بشكل ملحوظ في الحياة السياسية، معززة القوى الديمقراطية في نضالها من أجل التغيير الذي يعيد الاعتبار لمؤسسات المجتمع، ويفسح المجال لبناء الديمقراطية الحقة، وإقرار واحترام الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وتعبئة الطاقات الوطنية لتدارك الزمن الضائع، وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
وساعدت التحولات السريعة، والتطورات الهامة، التي عرفها المحيط الدولي في تلك المرحلة، على خلق مناخ سياسي جديد ساهم في اتساع نسبي لهامش الحريات في المغرب، وعرفت منظمات المجتمع المدني نتيجة لذلك دينامية جديدة، وتزايد تأثيرها في السياسات العمومية، ومن الأمثلة على هذا التأثير في مجال حقوق الإنسان:
1) على إثر إعلان خمس منظمات حقوقية عن تحضيرها للميثاق الوطني لحقوق الإنسان في بداية سنة 1990، قام الملك الراحل الحسن الثاني بالإعلان في خطاب رسمي عن إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في نفس السنة، وسقطت بعض الكتابات والخطابات الداعمة لما أعلن عنه الملك في فخ الإفصاح عن الخلفية التي كانت وراء إحداث المجلس قائلين بأن “الميثاق الحقيقي” لحقوق الإنسان هو الخطاب الملكي.
2) نص دستور سنة 1992 وكذا دستور 1996 على احترام المغرب لحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا.
3) أحدثت سنة 1993 وزارة لحقوق الإنسان.
4) صدور العفو الملكي عن عشرات المعتقلين السياسيين، والسماح بعودة العديد من المغتربين لأسباب سياسية.
5) الاعتراف بوجود المعتقلات السرية الرهيبة ومنها تازممارت وقلعة مكونة ودرب مولاي الشريف..والإقرار بوجود انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بعد إنكار دام عدة سنوات.
6) إحداث لجنة التحكيم لتعويض ضحايا الانتهاكات الجسيمة عن معاناتهم.
7) إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة كآلية لقراءة ما حدث من انتهاكات جسيمة وجبر الأضرار المادية والمعنوية للضحايا وكذا الأضرار التي طالت بعض المناطق بسبب العقوبات الجماعية التي كانت قد فرضت عليها.
8) حركية الجمعيات النسائية أثمرت بعض التعديلات في مدونة الأحوال الشخصية، في نفس المرحلة قبل أن يتزايد الضغط الجمعوي الذي سيؤدي إلى تغييرات جوهرية في المدونة التي أصبحت تحمل إسم مدونة الأسرة سنة2004.
9) رفع تحفظ الدولة المغربية عن بعض بنود الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
10) أسفرت مبادرات الجمعيات الثقافية الأمازيغية عن تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وإدراج اللغة الأمازيغية ضمن مناهج التعليم.
11) أدت الانتقادات الموجهة للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان إلى إعادة تنظيمه وتوسيع صلاحياته وأصبح يسمى المجلس الوطني لحقوق الإنسان

وتزايد تأثير نشاط المجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان مع تزايد وتنوع الهيئات التي تشتغل في هذا الحقل والعمل المتواصل لبعض الجمعيات الحقوقية كإطارات لا ينحصر عملها في رصد ما يحدث من انتهاكات والتنبيه لعواقبها وإنما تقوم كذلك بالتحسيس وتعميم ثقافة حقوق الإنسان وباعتبارها أيضا قوة اقتراحية تقدم دراسات ومذكرات ترمي للنهوض بحقوق الإنسان.
وكان تأثير المجتمع المدني الحقوقي واضحا في صياغة دستور سنة 2011 وعلى الرغم من كون بعض الجمعيات الحقوقية الأساسية قاطعت لجنة تلقي الاقتراحات بشأن الدستور الجديد لأسباب تتعلق أساسا بالمنهجية المعتمدة في هذا الصدد، فإن هذه الجمعيات لم تكن عدمية وإنما أعدت مذكراتها واقتراحاتها وأعلنت عنها للرأي العام بوسائل متعددة.
ورغم أن الدستور لم يتجاوب مع كل مطالب واقتراحات المنظمات الحقوقية فإنه يعتبر متقدما بالمقارنة مع الدساتير المتعاقبة سابقا خاصة فيما يتعلق بضمانات حقوق الإنسان حيث خصص لها حيزا هاما ومكانة متميزة في الفصول من 19 إلى 35 وأولى أهمية خاصة للمجتمع المدني بوجه عام حيث ينص الفصل 12 على حرية تأسيس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وممارسة أنشطتها بحرية، وعدم إمكانية توقيفها أو حلها إلا بمقتضى مقرر قضائي. وبمقتضى نفس الفصل فإن الجمعيات والمنظمات غير الحكومية المهتمة بقضايا الشأن العام تُساهم في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية.
وجاء الدستور بكثير من المقتضيات التي من شأنها أن تجعل المجتمع المدني ليس مجرد مؤثر من بعيد في السياسات العمومية وإنما كشريك وفاعل أساسي في وضع هذه السياسات ومتابعة تنفيذها وتقييمها، كما جاء بآليات من شأنها أن تعزز وتقوي الأدوار التي يضطلع بها المجتمع المدني عموما كهيأة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز ضد المرأة والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، إضافة إلى الحق في تقديم العرائض والحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع..
لكن يبقى السؤال معلقا متى سيتم تفعيل هذه المقتضيات التي تتوقف على صدور قوانين تنظيمية لا نعرف متى سترى النور، وما نعرفه حاليا هو أن أربع سنوات مرت على صدور الدستور وما زالت الكثير من أحكامه مجرد حبر على ورق.
وحتى يتمكن المجتمع المدني من القيام بالأدوار المنوطة به بفعالية أكثر فإنه مدعو في هذه المرحلة:
1- أن يمارس الضغوط الضرورية لإخراج القوانين التنظيمية إلى حيز الوجود.
2- أن يعمل بكامل اليقظة والحذر على أن تكون القوانين التنظيمية مطابقة لروح الدستور وضامنة لتفعيل كل المكتسبات التي جاء بها.
3- أن يحرص على الاستفادة من كل المزايا والصلاحيات التي يخولها له الدستور.
4- أن يثبت من خلال عمله على أرض الواقع:
أ / جدارته وكفاءته وإعطاء المثل في الشفافية والحكامة الجيدة والاحتكام إلى الديمقراطية في تدبير شؤونه.
ب/ القيام بمهامه في خدمة الصالح العام وفي ترسيخ الديمقراطية التشاركية والمساهمة الفعالة في صيانة مقومات الهوية الوطنية والتربية على قيم المواطنة وحقوق الإنسان ونشر ثقافة الحوار والحق في الاختلاف ونبذ العنف والحضور الوازن في المسار التنموي المتوازن للبلاد على أساس تعبئة كل الطاقات وإتاحة الفرص المتكافئة أمام الجميع والتوزيع العادل للخيرات الوطنية ودعم عوامل الاستقرار والتقدم.
إن المجتمع المدني يمكن أن يكون بمثابة الضمير الحي الذي يراقب ويرصد وينبه ويشارك في الإنجاز وفي التقويم، وإذا كان دستور 2011 يفتح أمامه أبوابا واسعة فعليه ألا يخلف موعده مع التاريخ .
عبد القادر العلمي

اترك تعليقاً