الثلاثاء , أبريل 23 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / الوزيرة «الضحية»
في غمرة احتفال المغرب والمجتمع الدولي باليوم العالمي للغة العربية كلغة ساهمت في إغناء الحضارة الإنسانية عبر التاريخ جاء تصريح صادم لوزيرة في الحكومة وقيادية في حزب يصف نفسه بأنه «تقدمي» حينما قالت في برنامج حواري يشاهده ملايين المغاربة وغيرهم بأنها «ضحية» التعريب وأنها مع التوجه الذي أراد أن يطبقه وزير التربية الوطنية والهادف إلى التخلي عن اللغة العربية والعودة إلى لغة (ليوطي) في التعليم، وبذلك تحاول السيدة الوزيرة – عن وعي أو غير وعي- ترسيخ الأسطوانة التي يروجها اللوبي الفرنكفوني الذي يحن إلى عهد الاستعمار الفرنسي ولا يترك فرصة تمر دون الطعن في إحدى المقومات الأساسية للوجود الوطني وهي اللغة

الوزيرة «الضحية»

إبداء الإعجاب

في غمرة احتفال المغرب والمجتمع الدولي باليوم العالمي للغة العربية كلغة ساهمت في إغناء الحضارة الإنسانية عبر التاريخ جاء تصريح صادم لوزيرة في الحكومة وقيادية في حزب يصف نفسه بأنه «تقدمي» حينما قالت في برنامج حواري يشاهده ملايين المغاربة وغيرهم بأنها «ضحية» التعريب وأنها مع التوجه الذي أراد أن يطبقه وزير التربية الوطنية والهادف إلى التخلي عن اللغة العربية والعودة إلى لغة (ليوطي) في التعليم، وبذلك تحاول السيدة الوزيرة – عن وعي أو غير وعي- ترسيخ الأسطوانة التي يروجها اللوبي الفرنكفوني الذي يحن إلى عهد الاستعمار الفرنسي ولا يترك فرصة تمر دون الطعن في إحدى المقومات الأساسية للوجود الوطني وهي اللغة.
إن التصريح الذي أدلت به الوزيرة «الضحية» لا يخرج عن سياق النفوذ الفرنكفوني الجاثم على صدور المغاربة والذي ما فتئ يروج لطرح مغلوط ومضلل مفاده أن اللغة العربية هي سبب تدهور وضعية التعليم في بلادنا وأنه لا مناص من العودة إلى لغة الاستعمار الفرنسي في المنظومة التعليمية ضدا على الإرادة الوطنية في التحرر من التبعية اللغوية والثقافية لفرنسا وضدا على المنطق السليم المعتمد من طرف كل الدول التي تحترم نفسها وتحصن مقومات وجودها.
ولابد أن نؤكد للوزيرة «الضحية» ولأمثالها من خصوم اللغة الوطنية الرسمية ومناصري التبعية اللغوية أن انحدار مستوى التعليم يرجع لعدة أسباب متداخلة ومنها على الخصوص سياسة التجهيل التي اتبعت على امتداد سنوات الرصاص العجفاء على مختلف المستويات وعدم وضع التعليم كأولوية في الساسيات العمومية والقصور في التكوين والتكوين المستمر للأطر والوضعية المادية للمعلمين والأساتذة وعدم الجدية في اعتماد اللغة الوطنية في التعليم مع إبقاء التعليم العالي مفرنسا بالإضافة إلى التخبط في المناهج والارتجال وعدم الاستقرار في التوجهات والحالة المتردية لأغلب المؤسسات التعليمية والاكتظاظ في الأقسام وانعدام الشروط الصحية وغياب الظروف التربوية المناسبة والبيروقراطية المركزية وسوء التدبير والفساد وانعدام الجدية في التقويم وانعدام رؤية وطنية واضحة ومتكاملة لإصلاح عقلاني وحقيقي شامل…
ومن الغريب أن خصوم اللغة العربية واللوبي الفرنكفوني على الخصوص يتغاضون عن عمد ويتناسون عن قصد كل الأسباب الحقيقية لتدهدور مستوى التعليم ويحاولون اختصارها في التعريب فقط من أجل تصفية حسابهم مع اللغة الوطنية الرسمية ولو كان ذلك ضدا على كل منطق سليم وخلافا للحقيقة والواقع.
ومن خلال اعتبار الوزيرة لنفسها بأنها «ضحية» التعريب يتبين الغلو في الطرح المغلوط والملتبس الذي يروجه دعاة الفرنسة رغم أن صاحبة هذا التصريح استطاعت أن تصل إلى موقع القيادة في حزب سياسي وإلى موقع وزيرة في الحكومة فكيف يمكن أن تكون ضحية وهي من الأقلية القليلة جدا المحظوظة في هذا الوطن، وإذا كانت هي ضحية فما هو الوصف المناسب لآلاف المغاربة الذين حصلوا على أعلى الشهادات العلمية باللغة الفرنسية وهم حاليا في عداد العاطلين الذين ينالون حظهم من القمع العنيف بسبب مطالبتهم بالحق في الشغل؟
ولابد من التأكيد للوزيرة «الضحية» التي من المفروض وهي في موقع المسؤولية السياسية والحكومية أن تكون لها نظرة موضوعية وعقلانية للوضع في قطاع حيوي وأساسي وهو التعليم ورؤية استراتيجية للنهوض بهذا القطاع، نؤكد لها على أن الإصلاح الجاد للتعليم والترشيد الحقيقي لمنظومته في المغرب يكمن أساسا في تحديد الغاية منه والتي من المفروض أن تكون هي إعداد أجيال متحررة من الاستلاب والتبعية ومؤمنة بقدراتها ومقوماتها الذاتية ومتمسكة بقيم المواطنة ومؤهلة للمساهمة الإيجابة والفعالة في بناء مغرب متحرر ومتقدم، ولا تتحقق هذه الغاية إلا بالمعالجة الشمولية للأسباب الحقيقية للاختلالات العميقة والأعطاب المتعددة التي تعرقل بناء منظومة تعليمية وطنية في مضمونها ونافعة في غايتها ومنفتحة في آفاقها.
ولابد من التأكيد أيضا على أنه لا توجد دولة في العالم استطاعت أن تنهض بلغة غير لغتها الوطنية ولا توجد دولة تتقدم وهي ترضى لنفسها أن تبقى مجرد تابعة لدولة أخرى لأن التابع يبقى تابعا كما تقول القاعدة الشرعية، ومن المؤكد أن الانفتاح ضروري وبالتالي فإنه لابد من تعليم اللغات الحية ليس من أجل إحلال لغة أجنبية محل اللغة أو اللغات الوطنية وإنما ضرورة تعلمها كأداة للتوسع في المعرفة والتعرف على الثقافات المتعددة في العالم والتواصل مع الآخرين، وهذه الغاية لا تتحقق بسجن الأجيال في اللغة الفرنسية التي يعلم الجميع أنها جد محدودة الأهمية في المجال العلمي وفي مجال التواصل.
ومهما كانت سطوة ونفوذ حماة التبعية اللغوية في هذا الوطن فإنهم إذا كانوا قد تمكنوا فعلا من تأخير عجلة التحرر بما يروجونه من تغليط وتضليل فإنه لا مستقبل لأطروحتهم المخالفة لطبيعة المجتمع ولجذوره الضاربة في عمق التاريخ، ولا مستقبل لما يريدون تحقيقه لأن هذا الوطن لا يخلو من ذوي الغيرة على مقومات الهوية الوطنية ومن والمناهضن للانغلاق في الدائرة الفرنكفونية ومن دعاة الانفتاح الحقيقي على كل العالم المتحضر.

اترك تعليقاً