الأحد , سبتمبر 22 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / الضلال المبين في بلاد الأجرومية

الضلال المبين في بلاد الأجرومية

إبداء الإعجاب

د عبد الواحد الفاسي/

وا أسفاه على أبناء بلاد الأجرومية وما يفعلون باللغة العربية!!

ليس للـــنصــر بالنــيابــة إلا وصل من بالحلم يطفيء شوقه
إن شعبا مستعمَر الفكر يبـقى في عماه، فكيف ينـــشد عـشـقه

أليس هذا حال من اعتبروا أنفسهم أنهم انتصروا بتمرير قانون “الفرنسة”، بينما هم انتصروا للإستعمار الفكري ونيابة عنه. أتمنى مع ذلك ألا يكونوا بوعي من الأمر، لأنه يصعب علي أن أتقبل فكرة أن مغربي يتعامل مع الإستعمار و لو كان فكريا عن وعي وعن طواعية.
على أية حال فإنَّ حتى هذا القانون الذي تمت المصادقة عليه فيه العديد من التناقضات وسأقتصر على ما يهمني. مع الأسف لا يمكن في هذه المرحلة رفع هذا القانون للمحكمة الدستورية التي لا يمكنها أن تقر بدستورية عدد من مواد هذا القانون.
المادة 3 تنص على أنه من بين الأهداف التي يريد هذا القانون الإطار تحقيقها هي “ترسيخ الثوابت الدستورية للبلاد والمنصوص عليها قي الدستور… من أجل جعل المتعلم متشبتا بروح الإنتماء للوطن ومعتزا برموزه ومتشبتا بقم المواطنة”.
هذه الأهداف نبيلة، ولكن كيف الوصول إليها مع إهانة اللغة العربية التي تؤدي إلى تفسخ الفكر. لا يمكن نهوض الفكرالمغربي بلغة أجنبية لأن اللغة تهيكل الفكر. ومن يريد أن يفرض لغته يريد أن يفرض فكره. يقول عالم الرياضيات الفرنسي لوران لافورك ( Laurent Lafforgue): “مدرسة الرياضيات الفرنسية لازالت تستطيع النشر بالفرنسية ليس لأنها مؤثرة، بل إنها قوية لأنها تنشر بالفرنسية، ما يجعلها تسلك طرق تفكير مختلفة.” كلام لا يحتاج إلى تعليق.
المادة 31 من القانون الإطار تتضمن عبارة أساسية وجميلة وهي الوحيدة الصالحة في هذا النص. هذه العبارة تقول: “اعتماد اللغة العربية لغة أساسية للتدريس” وهو شيء مطابق للدستور. وعندما نستعمل كلمة “أساسية” فإننا نحيل على ما لمفهوم ومعنى هذه الكلمة. فالأساسي هو الضروري الذي لا غنى عنه. والأساس هو أصل البناء. “الأساس هو مجموعة ما تتقوَّم به الأرضية التي تبتني عليها أي قاعدة من الأمور الحسية والمعنوية”. وقد جاء في القرآن الكريم الآية: “أفمن أسَّس بُنيانَه على تقوى من الله ورضوانٍ خيرٌ أم مَّن أسس بنيانَه على شفا جُرُفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القومَ الظالمين”. صدق الله العظيم (سورة التوبة الآية 109).
فإذا أقر القانون الإطار هذا الأمر المحمود، فكيف نبقى متفقين مع هذا الثابت إذا ذهبنا في نفس المادة إلى الفقرة التي تقول: “إعمال مبدأ التناوب اللغوي من خلال تدريس (بعض المواد) ولاسيما العلمية والتقنية منها أو بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد بلغة أو لغات أجنبية”.
وبالتالي، فإن كنت ستُدَرس مواد بأكملها بلغة أجنبية فإنك ستصبح في مجال اللادستوري. أما إذا كان تدريس كل المواد باللغة العربية مع تدريس بعض المجزوءات أو المضامين فقط بلغة أجنبية فإننا سنبقى في الإطار الدستوري. هذا وإن كنا لا ثقة لنا على كل حال. والغريب في الأمر أن المادة 2 في المشروع الذي تم تقديمه للمناقشة داخل البرلمان تعرف “التناوب اللغوي” بأنه : ” مقاربة بيداغوجية وخيار تربوي يستثمر في التعليم المزدوج أو المتعدد اللغات يهدف تنويع لغة التدريس وذلك بتعليم بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد باللغة الأجنبية..”. فمن غير هذا التعريف لاستكمال المؤامرة؟
وأما إذا بحث المختصون عما يتضمنه النص من اختلالات فإنهم سيعثرون على بناء عشوائي كامل الأركان. وعلى أية حال فهذا القانون يستحق أن نسميه قانون “سَلَّك أحسن لك”. وكما يقول لامارتين (Lamartine): “لا مجد بدون فضيلة” (pas de gloire sans vertu) وكما قال كورناي (Corneille): “الإنتصار بدون مخاطرهوغلبة بدون مجد”(à vaincre sans péril, on triomphe sans gloire).
في الحقيقة عندما أخذت القلم لأكتب هذه السطور لم يكن في نيتي التطرق لما سبق أن قيل أو كتب بعد هذا المخاض وهذه الولادة القيصرية لهذا المولود اللقيط فقد حان الوقت لترك الأمر لمن له الأمر.
وفي الختام يقول علال الفاسي: “انا العناية بلغة البلاد في مقدمة ما يطالب به الشعب لأنه العنوان الحقيقي لتحرر الدولة من السيطرة الأجنبية، لأن الأمة عانت من العجمة الشيء الكثير ولأنها تريد أن تحس الآن في وطنها بما أصبح لها من سيادة، ولمقوماتها الدينية واللغوية من مكانة”.

اترك تعليقاً