الثلاثاء , مارس 19 2019
الرئيسية / دراسات / الحداثة
كثر في السنوات الأخيرة استعمال كلمات:الحداثة، والحداثية، والتحديث، وأصبحت الخطابات والأدبيات السياسية بالخصوص، لا تكاد تخلو من هذه الكلمات، ولا فرق في ذلك بين التيارات السياسية، رغم الاختلاف الذي يصل حد التعارض في توجهاتها وأهدافها، ورغم التباين في ممارساتها وأساليب اشتغالها، ورغم عدم توفر بعضها على أي رصيد يضفي نوعا من المصداقية على خطابها الذي يستعمل الكلمات المذكورة بتهافت واضح في غالب الأحيان، مما يؤدي إلى الخلط والالتباس؛ في حين يوجد من يتحفظ من استعمال هذه الكلمات، أو يدعو صراحة إلى تجنبها، أو مقاومتها، بالنظر لما ينطوي عليه مفهومها الاصطلاحي ـ حسب رأيهم ـ من فلسفة ظهرت ونشأت في بيئة مغايرة، وتحمل في طياتها من المبادئ ما يتعارض مع قيم المجتمع الإسلامي

الحداثة

إبداء الإعجاب

كثر في السنوات الأخيرة استعمال كلمات:الحداثة، والحداثية، والتحديث، وأصبحت الخطابات والأدبيات السياسية بالخصوص، لا تكاد تخلو من هذه الكلمات، ولا فرق في ذلك بين التيارات السياسية، رغم الاختلاف الذي يصل حد التعارض في توجهاتها وأهدافها، ورغم التباين في ممارساتها وأساليب اشتغالها، ورغم عدم توفر بعضها على أي رصيد يضفي نوعا من المصداقية على خطابها الذي يستعمل الكلمات المذكورة بتهافت واضح في غالب الأحيان، مما يؤدي إلى الخلط والالتباس؛ في حين يوجد من يتحفظ من استعمال هذه الكلمات، أو يدعو صراحة إلى تجنبها، أو مقاومتها، بالنظر لما ينطوي عليه مفهومها الاصطلاحي ـ حسب رأيهم ـ من فلسفة ظهرت ونشأت في بيئة مغايرة، وتحمل في طياتها من المبادئ ما يتعارض مع قيم المجتمع الإسلامي.

فما معنى الحداثة والحداثية والتحديث؟ هل هي مجرد كلمات لها معاني لغوية بسيطة، أم أنها ذات حمولة تاريخية وفلسفية تتجاوز المضمون اللغوي العادي؟ وهل تبقى سجينة أبدية وبكيفية مطلقة لتلك الحمولة، أم أنها تقبل التطويع والتكييف مع متغيرات الزمان والمكان؟ بالتوقف عند هذه التساؤلات يمكن تجاوز أي تعامل سطحي مع الحداثة، وإعطاء مدلول لأي موقف إيجابي أو سلبي لهذا التعامل.

ماهية الحداثة:

الحداثة لغويا هي مصدر فعل حَدَثَ يَحْدُثُ، ووصف لما هو حديث، ويمكن أن ترد في سياق يفيد ما اسْتُحدث، أو ما جَدﱠ من تطور، كما تفيد العصرنة، والانسجام مع مستجدات العصر الحديث، وتُطلق كلمة (حديث) على ما هو جديد، وما لم يكن موجودا من قبل، وقد ورد في فتاوي ابن تيمية أن الحادث في اللغة ما كان بعد أن لم يكن، وأما المحدثات التي قال عنها الرسول)ص( بأن »كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار« فهي المحدثات في الدين، وذلك بإحداث بدعة لم يشرعها الله )1(، وكلمة (حداثي) يوصف بها ما ينسب للعصر الجديد، وكلمة الحداثة في اللغة العربية تقابل (Modernity) في اللغة الإنجليزية، و (Modernité) في اللغة الفرنسية، والأصل اللاتيني للكلمـة هـوModernus,de modo)) بمعنى حدث مؤخرا (2),

أما المفهوم الاصطلاحي لكلمة الحداثة فهو ذو حمولة فلسفية وإيديولوجية، ترتكز على أحداث ووقائع تميزت بها حقبة تاريخية معينة، في حيز جغرافي محدد، ويتعلق الأمر بالتحولات السياسية والفكرية والعلمية والاقتصادية والحضارية التي عرفتها أوربا الغربية، في مرحلة زمانية لا تتفق الآراء على تحديدها بالضبط، وتمتد على الأرجح بين بداية القرن السادس عشر والقرن العشرين.

وحسب القاموس الدولي للمصطلحات الأدبية، فإن وصف حديث (moderne) بدأ يستعمل في المحادثة الفرنسية في القرن السادس عشر، للتمييز بين ما يرجع للماضي المتمثل في العهد الإغريقي والروماني، وما هو حديث في تلك الفترة التي امتدت إلى القرن الثامن عشر(3)، ويعتبر (Marshall Berman) أن الحداثة استنادا للتجربة الأوربية تشمل الفترة الزمنية من أوائل القرن السادس عشر، حتى القرن العشرين، ويقسمها إلى ثلاثة مراحل، الأولى من القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر، حيث بدأ الناس يجربون الحياة الحديثة؛ والثانية تبدأ في تسعينات القرن الثامن عشر، مع الثورة الفرنسية، وجمهورها الثوري الذي تعمق إحساسه في القرن التاسع عشر بأنه يعيش في عالم حديث، يختلف تماما عن عوالم سابقة، ليست حديثة إطلاقا؛ والمرحلة الثالثة تبدأ في القرن العشرين، حيث تبدأ عملية التحديث تتسع لتشمل العالم كله(4).

ويقول هشام جعيط أن الحداثة بنية جديدة دخلت فيها الإنسانية منذ خمسة قرون أو أربعة، في رقعة معينة، ويقصد أوربا الغربية، وأخذت منذ قرن ونصف في الانبساط على كل المعمورة (5)؛ ويعتبر المؤرخ البريطاني ( أرنولد توينبي) أن الحداثة بدأت عام 1875، وشهدت الفترة المتراوحة بين عامي 1910 و1950 ذِرْوَة الحداثة، لتبدأ بعد ذلك حقبة أخرى هي ما بعد الحداثة(6)، ويرى هشام شرابي أن الحداثة تشير إلى الفترة المعروفة بعصر الحداثة والتنوير في أوربا، بدءًا من نهاية القرن الثامن عشر، إلى منتصف القرن العشرين، لتأتي بعد ذلك مرحلة ما بعد الحداثة، من منتصف القرن العشرين، وخاصة منذ السبعينات (7)، ويرى محمد سبيلا أن الدلالة التاريخية للحداثة تشير إلى فترة مرجعية في أوربـا ابتداء من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسـع عشر (8).
وإلى جانب البعدين التاريخي والجغرافي للمفهوم الاصطلاحي للحداثة، هناك البعد الفلسفي والثقافي والحضاري، الذي يوجد أيضا خلاف بين المفكرين والباحثين في تحديده، بل إنه يتعذر العثور ضمن المراجع التي تتناول موضوع الحداثة على تعريف كنهها بشكل واضح وشامل، وإن كان هناك تركيز على التعارض مع التقليد، وإضفاء نزعة عقلانية على حياة الإنسان، واعتماد العلمانية؛ فيقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر(Jean Budrillard) إن الحداثة «صيغة مميزة للحضارة، تعارض صيغة التقليد، وجميع الثقافات السابقة، أو التقليدية» (9)؛ ووصف Alain Touraine ) ( الحداثة بأنها «ثورة الإنسان المتنور ضد التقليد، وتقديس المجتمع، وخضوع العقل لقانون الطبيعة.. والحداثة في مفهومها الغربي هي نتاج العقل نفسه» (10)؛ وترى الباحثة الفرنسية (دانيال هير فيوليجيه) من خلال دراستها للعلاقة المتشابكة بين الحداثة والدين والعلمانية، أن الحداثة مسار تاريخي طويل، للتحرر من عقال الدين والارتكاز على العقل والعلم (11)؛ ويرى (Hbermas) أن الحداثة لا يمكنها ولا تقبل استعارة المعايير التي تسترشد بها من عصر آخر، فهي تستخرج بالضرورة معياريتها من ذاتها، وبالتالي تكون الحداثة بمثابة انبثاق وضع جديد، شبهه (Hegel) بالشروق الرائع للشمس، المقترن بفلسفة الأنوار، وبالثورة الفرنسية، وهو ما يميز عصرها وزمانها عن العصور والأزمنة السابقة لها، ومن ناحية أخرى ترتبط الحداثة بوعي ذاتي بشرطها المتمثل في سيادة الإنسان على الطبيعة والمجتمع، وفي رغبته المستمرة في التغير واستشراف آفاق مستقبلية واعدة (12)؛ ويقول محمد سبيلا أن مصطلح الحداثة « يشير إلى بنية فلسفية وفكرية تمثلت في الغرب في بروز النزعة الإنسانية بمدلولها الفلسفي، التي تعطي للإنسان قيمة مركزية ومرجعية أساسية في الكون، وكذا في بروز نزعة عقلانية أداتية صارمة في مجال المعرفة والعمل معا، حيث نشأت العلوم التقنية الحديثة، والعلوم الإنسانية الحديثة، والنزوعات الحديثة على أساس معايير عقلانية صارمة» (13)؛ ويركز الحبيب الجنحاني على النزعتين العلمانية والإنسانية حيث يلخص الأهداف والأسس النظرية للحداثة، «التي لا تتغير ولو تغيرت التطبيقات في عالم الممارسة، بأنها: الانتقال من التمركز حول الكنيسة والسلطان، إلى التمركز حول الإنسان والدستور» (14).

وقد أورد طه عبد الرحمان عدة تعاريف وُضعت للحداثة من طرف مفكرين غربيين، « فمنهم من قال إنها النهوض بأسباب العقل والتقدم والتحرر، ومن قال إنها ممارسة السيادة على الطبيعة وعلى المجتمع وعلى الإنسان، وهناك من يرى أنها قطع الصلة بالتراث، أو يقول إنها طلب الجديد، أو يقول إنها محو القداسة من العالم، أو يصفها بالتعقيل والعقلنة، أو يقول إنها الديموقراطية أو حقوق الإنسان، أو إنها قطع الصلة بالدين، أو إنها العلمانية »، ويضيف طه عبد الرحمان « أن هذه التعاريف بما فيها من تناقض، ونظرتها للحداثة بطرف ناقص، تقع في تهويل الحداثة، وتجعلها في تناقض مع ما قامت عليه لأول الأمر»؛ ويضيف أنه لو وُضع تعريف جامع للحداثة لقيل إنها الإبداع الذي يعني الابتكار والاجتهاد والاختراع (15).

وصاغ فتحي التريكي تعريفا واسعا للحداثة، حيث يقول بأنها « مجموعة من العمليات التراكمية التي تطور المجتمع بتطوير اقتصاده، وأنماط حياته، وتفكيره وتعبيراته المتنوعة، معتمدة في ذلك على جدلية العودة والتجاوز، عودة إلى التراث بعقل نقدي متجذر، متجاوزة التقاليد المكبلة، ومحررة الأنا من الإنمائية الدغمائية الضيقة، سواء كانت للشرق أم للغرب، للماضي أم للحاضر، لتجعل من الحضور آنية فاعلة، مبدعة في الذات والمجتمع، ومن الإقبال عنصرا معيارا للفكر والعمل » (16).

وبعد استعراض عيينات من التعاريف التي تتمحور حول ماهية الحداثة لغة واصطلاحا، تجدر الإشارة إلى أن المفهوم اللغوي لكلمة الحداثة وجد في إطار تعبيرات اللغة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان، وهو يستمر باستمرارها، أما المفهوم الاصطلاحي لنفس الكلمة، فإنه يبقى محصورا في نظرة فلسفية خاصة ووضعية معينة، في مكان وزمان محددين، والمدلول الاصطلاحي لا يسحب الكلمة من التداول اللغوي العادي، مما يفسر الاستعمال المتزايد لكلمة الحداثة بمفهومها الواسع.

مُقومات الحداثة:

إذا كانت معظم التعاريف المتعلقة بالمضمون الاصطلاحي للحداثة، وفق ما تقدم، غير دقيقة، ويقتصر كل منها على الإشارة لجانب أو جوانب معينة، فإنه يمكن استجلاء هذا المضمون بكيفية أشمل من خلال بيان أهم المقومات والعناصر التي ترتكز عليها الحداثة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

1) العلمانية:
من المرتكزات الأولية والأساسية التي قامت عليها الحداثة، الثورة على الكنيسة، والدعوة إلى التحرر الفكري من سيطرتها، ومن النفوذ الواسع الذي كان يتمتع به رجال الدين، واحتكارهم للعلم والمعرفة، وإقامة أنفسهم وسطاء بين الله والناس، فيكفرونهم، ويحرمونهم من الجنة، وكأنهم يمتلكون مفاتيحها، ويقبلون توبتهم، و يمنحونهم صكوك الغفران، وكان رد الفعل هو مناهضة المفكرين لوصاية رجال الدين على العقول، وتحكمهم في الفكر، ودعوتهم لترك العلاقة بين الله والناس مباشرة وبدون وساطة، فهو وحده الذي يحكم بالحرمان من الجنة، أو يقبل الغفران، ويذهب البعض إلى القول بأن هذا التوجه كان متأثرا بما كان شائعا بين العلماء والمتعلمين في أوربا من المعارف الإسلامية، ومن تعاليم القرآن الكريم، ومن كتابات المفكرين والفلاسفة المسلمين.

وبعد مراحل من تطور الفكر الفلسفي في الغرب، أصبحت الثورة المعلنة على الكنيسة ورجال الكهنوت، ثورة على الدين نفسه، ومن هنا جاءت مقولة (نيتشه) الشهيرة: «قد مات الإله» وأضحى تنظيم شؤون المجتمع وأفراده لا علاقة له بالدين، وراج شعار «الإنسان يصنع تاريخه» (17).

وهذا التطور الحاصل في موقف العلمانية من الدين، قد يكون هو سبب اختلاف الناس في فهم كنهها، وفي موقفهم منها، لأنها إذا كانت تقول بإزالة وساطة الكنيسة ورجال الدين لتبقى علاقة الناس بربهم مباشرة، ورفع الوصاية عن عقل الإنسان وحرية تفكيره، فهي بهذا الموقف لا تلغي الدين، وإنما تصحح مفاهيم لا يقبلها العقل، وبهذا المعنى لا يوجد في العلمانية ما يدعو لرفضها من طرف المتدينين، أو التحفظ منها، وخاصة المسلمين منهم، لما ينطوي عليه المعنى المذكور من انسجام مع تعاليم الإسلام، أما إذا أُخذت العلمانية على معنى إلغاء الدين، وإنكار وجود الله، فإنه من البديهي أن تكون مرفوضة من طرف معتنقي جميع الديانات، وليس من قبل المسلمين وحدهم، علما بأن المناطق التي شهدت ميلاد الحداثة، لم يختف منها الدين.

2) العقلانية:
ويقصد بالعقلانية احتكام الإنسان إلى العقل، في كل ما يحيط به، وفي وجوده وحياته وعلاقاته، فلا يقبل إلا ما يقبله عقله، ويرفض ما لا يقبله، وبالتالي يكون العقل هو أداة الحكم على كل شيء، ووسيلة لسبر أغوار مختلف الظواهر، وإدراك كنهها، وهناك مدارس فلسفية، ومذاهب فكرية عقلانية متعددة، لا مجال لاستعراضها هنا، غير أنه لابد من الإشارة إلى DESCARTES René (1596 ـ 1650) الذي يعد مؤسسا للعقلانية الحديثة، ويعتبر العقل هو قوة الإصابة في الحكم، وتمييز الحق من الباطل، والعقلانية هي أن يطبق الفكر تطبيقا حسنا، وضمانة ذلك تتمثل في المنهج الديكارتي المعروف، والذي يرتكز على الشك المنهجي، أو الشك العقلي، الذي يرمي إلى تحرير العقل من كل حكم مسبق، ومن أي سلطة مرجعية، ويؤدي إلى الحقيقة عن طريق البداهة العقلية (18).
ويعتبر الفلاسفة الذين حملوا لواء التنوير، أن للبشرية تطورا مرحليا يصبغ تاريخها الطويل، وأن تحررها وانعتاقها سيكون نتيجة أساسية لاستعمال العقل من حيث إنه إقرار للشك المنطقي، ورفض لكل حكم مسبق، ولكل سلطان مهيمن(19).

ويلح (Alain Touraine) على الارتباط الوثيق بين الحداثة والعقلانية، ويقول « أن المشروع الغربي للحداثة لم يقتصر على تاريخ تقدم العقل، الذي هو أيضا تقدم الحرية والسعادة، وتاريخ هدم المعتقدات، والانتماءات والثقافات التقليدية، وإنما أراد أن ينتقل من الدور الأساسي المعترف به للعقلانية، إلى فكرة أوسع، هي فكرة مجتمع عقلاني، يحكم فيه العقل، لا النشاط العلمي والتقني فحسب، بل حكومة البشر، وإدارة الأشياء، فالحداثة تصور المجتمع على أنه نظام يخضع للعقل بوصفه الأداة الوحيدة لتحرير الطبيعة الإنسانية من جميع السلطات المحيطة به، وبوصفه أيضا المبدأ الوحيد لتنظيم الحياة الفردية والجماعية، من أجل تحقيق التجرد من كل تحديـد للغايات النهائيـة» (20).

وإذا كانت العقلانية الغربية قد خرجت عن طوعها في كثير من المجالات، فسخرت العلم والتكنولوجيا في إنتاج وسائل الدمار، وتنويع وتطوير أدائها في تقتيل الأفراد، وإبادة الجماعات، وتخريب العمران، فإن رد الفعل الإنساني والحداثي في ذات الوقت، هو التمرد على هذا التتويج غير العقلاني لهرم «العقلانية الحديثة»، لأن إعمال العقل لا يمكن إلا أن يكون في خدمة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وسعادة الشعوب التي لا تتحقق إلا في ظل السلام والعدل.

3) اعتماد العلم ومناهجه:
ويعني ذلك بصفة خاصة الابتعاد عن الغيبيات، والأخذ بالمنطق العلمي الذي لا يُقر إلا بما تُثبته التجارب العلمية، وبذلك أصبح الإنسان سيد مصيره، وصانع تاريخه، وسادت العقلانية المادية، التي تعطي للإنسان وما يتوفر عليه من قدرات، قيمة مركزية في الكون، وترتكز هذه النظرة على النتائج الباهرة للتقدم العلمي والتكنولوجي منذ أن تحرر العقل الأوربي من قيود الكنيسة، وانطلاقه في فضاء رحب لارتياد المعرفة، وسبر أغوار العلوم، واستكشاف أسرار الكون دون حواجز.(21)

4) الإيمان بفكرة التقدم:
ويعني ذلك التسليم بجدلية التغير والتحول، وسير الإنسانية المتواصل إلى الأمام، وانتقالها المتواتر من عصر إلى آخر أكثر تقدما من سابقه، مما يجعل الحاضر دائما أفضل من الماضي، والمستقبل أفضل من الحاضر، على خلاف النظرة التي كانت سائدة في زمن ما قبل الحداثة، حيث كان الناس يمجدون الماضي لدرجة التقديس، ويحنون إلى الأيام التي تُصورها مخيلتهم على أنها كانت سعيدة (Good old days).
ولفكرة التقدم ارتباط وثيق بفكرة التطور، فبعد أن كان عقل الإنسان ينظر إلى بعض الأفكار والمبادئ والإيديولوجيا على أنها حقائق أزلية ثابتة لا تتغير، وسماها بعض الفلاسفة بالجواهر، وجاء بعد ذلك تصور عقلي جديد يؤمن بالتطور، وتم الانتقال من مرحلة التفكير المطلق، إلى مرحلة التفكير النسبي، الذي ينظر إلى كل شيء على أنه متغير ونسبي.(22)

5) الحرية الفردية:
وتعني تحرر الفرد من كل القيود التي تعطل قدراته الذاتية في البحث عن أنجع السبل لتحقيق ما يطمح إليه من تطور، أو تحول دون تلبيته لرغباته، أو تمنعه من الوصول إلى السعادة وفق تصوره الخاص، ويمتزج هذا المفهوم بمقاصد المذهب الليبرالي الذي يعتبر الحرية هي الغاية الأولى والرئيسية التي يتطلع إليها الفرد بطبيعته، ويركز على أهمية الفرد الذي هو غاية بذاته، وضرورة تحرره من كل أنواع السيطرة والاستبداد، سواء كان مصدرها الدولة وأجهزتها، أو النظام الاجتماعي وما يشمله من تقاليد وأعراف؛ والليبرالية كما يقول عبد الله العروي « تعتبر الحرية المبدأ والمنتهى، الباعث والهدف، الأصل والنتيجة في حياة الإنسان، وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي لا تطمع في شيء سوى وصف النشاط البشري الحر وشرح أوجهه والتعليق عليه ».(23)
وقد قام الفكر والنظام السياسي والاجتماعي الغربي، خاصة بعد الثورة الفرنسية، (1789) على أساس مفهوم تقديس الفردية (Individualism) وذلك بضمان حرية الفرد في سعيه لتحقيق مصالحه بغض النظر عن الوسائل التي يعتمدها من أجل ذلك.

6( الديموقراطية الليبرالية:
وتتجلى الحداثة السياسية في اعتماد النظام الديموقراطي الليبرالي، الذي يقوم على التعددية الحزبية، وحرية الانتماء السياسي والنقابي، وحرية الصحافة، وتداول الحكم من طرف التيارات السياسية المعبرة عن توجهات الرأي العام المتباينة، والتي تتنافس باجتهاداتها وبرامجها، وتحتكم لصناديق الاقتراع التي يرجح من خلالها الناخبون هذا الاتجاه أو ذاك، وتكون هذه الإرادة هي مناط السلطة ومصدر الشرعية، وعلى أساسها فإن الأغلبية التي تفرزها الانتخابات الحرة، تزاول الحكم، وتخضع للمراقبة والمساءلة الشعبية من خلال المؤسسات التمثيلية، ومن خلال وسائل الإعلام الحرة.
ولا مجال للحديث عن الحداثة السياسية في ظل الديموقراطية المزيفة، أو الموجهة، والتي تكون فيها الواجهات الشكلية للديموقراطية مجرد ستار لممارسة الحكم الفردي المطلق.
7( احترام حقوق الإنسان:
والمقصود بذلك احترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية، وحماية الكرامة الإنسانية المتأصلة في طبيعة الكائن البشري، وفق المعايير الكونية التي أقرتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وتقع مسؤولية ذلك على السلطات العمومية، وعلى الجماعات والهيئات، وعلى الأفراد كذلك، مما يقتضي وجود ضمانات تشريعية وعملية لحماية الحقوق والحريات الأساسية للإنسان من الانتهاك، ووجود ثقافة لدى مختلف مكونات المجتمع تجعل احترام حقوق الإنسان من مميزات ذلك المجتمع.

من(الحداثة) إلى (ما بعد الحداثة):

إن الحداثة إذا كانت قد اقترنت بانتشار فلسفة الأنوار في الغرب، فهي محصلة لسياق التطور التاريخي الغربي، وبالتالي فهي وريثة تراكمات حقب زمنية مختلفة، ترجع إلى العصور القديمة، والحضارة اليونانية، ثم عصر النهضة والأنوار، لتنتهي إلى الحداثة بوصفها الزمن التاريخي الذي كثف معارف العصور السابقة جميعها، وأعاد إنتاجها بصفة إنسانية من نوع جديد أطلق عليها النزعة الإنسانية، لتتجه هذه النزعة إلى أخذ السمة الكونية، ليس لمزاياها التقدمية فقط، وإنما لتداخل عدة اعتبارات وعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية (24).

غير أن الحداثة في إطارها المنوه عنه، لم تكن بمثابة صيغة نهائية لصورة المجتمعات التي نشأت فيها، حيث برزت أفكار ونظريات تتحدث عن مرحلة جديدة يُطلق عليها (ما بعد الحداثة Postmodernité )، وهي المرحلة التي تتجلى من خلال النظرة النقدية لما آلت إليه الأوضاع في المجتمعات الغربية، وبروز نزعة تعيد التفكير الغربي إلى مساءلة الأسس والمقومات التي انبنى عليها، فقامت فلسفة ما بعد الحداثة على انقراض القيم التي أسستها الحداثة، كفكرة التقدم والحقوق، ومحاولة ملء الفراغ الناتج عن ذلك بقيم برغماتية ترتكز على منطق السوق والتجارة، وتعتمد مقياس قيمة التبادل كنموذج أوحد للتواصل البشري، لدرجة أن الأفراد في المجتمع الغربي أصبحوا يمثلون ذرات مستقلة لا تربطها إلا علاقة الحاجة والمصلحة، وكأن هناك انتصارا للفرد على المجموعة أو الجماعة، وكأن الحرية الفردية هي المجال الذي تمتد ضمنه جميع الأفعال والقيم، من أبسطها إلى أعقدها (25).

وبينما يعتبر بعض الفلاسفة، أن ما بعد الحداثة تعني فترة زمنية جديدة، جاءت على أنقاض فترة الحداثة، التي وهنت واعترتها عدة أزمات، وانهارت ركائزها الفكرية، مثل (نتشه)؛ يرى البعض الآخر مثل (فرنسوا ليوتار) أن هذه الفترة التاريخية التي يُطلق عليها ما بعد الحداثة، لا تعدو أن تكون الطابع الأفضل للحداثة التي تزعم أنها عوضتها؛ ويعبر عن نفس هذا التوجه الأخير بصيغة مغايرة (هابرماز) الذي يرى أن الحداثة أنجزت مجتمعها، وعلينا أن نقرأ مكامن الضعف ضمن مشروعها نفسه، الذي هو الضامن الوحيد لتجاوز ما خلفته من أخطاء لصيرورتها التاريخية، ومن هذا المنظور يعود (هابرماز) لقراءة الحداثة في ضوء ما يسميه بالعقلانية التواصلية من أجل ترسيخ الحداثة السياسية القائمة على تعميق الديموقراطية وحقوق الإنسان (26).

ويرى (آلان تورين) أنه يمكن تجنب الوقوع في براثن شبح تخيلي يدعى (ما بعد الحداثة) في حالة العثور على تعريف جديد للحداثة، وعلى تأويل للتاريخ الحديث، الذي قُصر في الغالب على صعود العقل والدنيوية، وتماهت الحداثة مع منطق السلطة، وحصل انفصال متزايد بين العالم الموضوعي الذي خلقه العقل المنسجم مع قوانين الطبيعة، وبين عالم الذاتية أو الفردية والحرية الشخصية (27).
ويقول (جان فرنسوا ليوتار) بأن عجز الحداثة يكمن في فكرة التقدم الكلاسيكية، التي كانت تتصور تاريخ الإنسانية وفق نموذج خطي صاعد من الأدنى إلى الأعلى، أو بتعبير (فوكو) التاريخ الصقيل المتسق، الذي يسير في نفس السياق، ويتجلى العجز في سقوط النظريات الكبرى، لعدم قدرتها على القراءة الصحيحة للعالم، فهي بعد ادعائها بكونها قادرة على تقديم التفسير الكلي للمجتمع والظواهر، جاءت مرحلة نهاية الإيديولوجيات، وعقم مسار التاريخ كما تتصوره الحداثة؛ وهنا يأتي تيار ما بعد الحداثة ليعلن عن بدء عملية إعادة تقويم إيجابية تم ترويضها وتنويعها (28).

ومن الغريب أن المفكرين الذين حملوا لواء نقد الحداثة، لم يولوا أهمية لجانب يشكل في اعتقادنا بقعة سوداء في مسار الحداثة، ويتمثل في ظاهرة ممارسة العنف في مواجهة الشعوب المستضعفة، واستعمار بلدانها، ونهب خيراتها، وإخضاعها للتبعية السياسية والثقافية والاقتصادية، وارتكاب جرائم بدافع عنصري ضد اليهود، ثم محاولة «إصلاح» هذا الخطأ التاريخي بجريمة أفظع، وهي تفويت أرض فلسطين لإقامة دولة للمهاجرين اليهود من مختلف بلدان العالم، وتشريد الشعب الفلسطيني، والتنكر لحقوقه الوطنية المشروعة، الأمر الذي أصبحت معه قيم القوة والهيمنة هي الطابع المميز لمرحلة ما بعد الحداثة.

التحديث أو الحداثة المتجددة:

وأمام التحولات السريعة والعميقة، التي يشهدها العالم منذ أواخر القرن العشرين، يصبح تعبير (ما بعد الحداثة) موضع سؤال عريض، لأن المنطق الذي يسير وفقه تطور البشرية، يرفض كل القوالب الجاهزة، ولا يخضع للتنميط المحدد من قبل، ويتخذ أبعادا متعددة، ولا ينحصر فيما هو إيجابي، ولا يسير في اتجاه أحادي، ولا يتجه بصفة حتمية أو أوتوماتيكية إلى الأمام ونحو الأفضل، وبالتالي هل يمكن ل (ما بعد الحداثة) أن تستوعب كل ما يجري من تغييرات وتطورات، تشمل الأفكار والعلوم والتكنولوجيا، وتنعكس على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ وهل يمكن في إطار التحقيب الزمني أن نتحدث عن (ما بعد ما بعد الحداثة)؟

وهنا تبدو وجاهة الفكرة القائلة بأنه يمكن الاستغناء عن (ما بعد الحداثة)، وذلك بإعادة قراءة الحداثة نفسها، وتحديد نقائصها ومواطن الضعف فيها، وإخضاعها للتطور المستمر، الذي يجعلها قادرة على استيعاب الجديد، ومواكبة التحولات، ولا تبقى سجينة حقبة معينة، ولا تنحصر في أفكار نهائية؛ وهناك من حاول أن يعطي لمصطلح ما بعد الحداثة مضمونا مرنا، فيقول بأنه تهذيب للحداثة وتليين لها، بعد أن اعتراها الجفاف، فقست وأصابت البشرية بكثير من الكوارث الطبيعية والإنسانية، وكانت عاملا وراء الحروب والنزاعات العالمية والمحلية، وفي تلويث البيئة، وانتشار المجاعات والأمراض، بسبب خلوها من الروح، مما يجعلها في حاجة إلى تطعيم ماديتها القاسية، بقدر من المعنويات والروحانيات لتكتسب جانبا إنسانيا، يخفف من فرديتها، وجمودها، وأنساقها المغلقة.
وللخروج من حالة السكون إلى الحركية، لا مناص من استعمال مصطلح آخر وهو (التحديث)، الذي عرفه قاموس Le Robert) ( بأنه: « العملية التي يتم من خلالها التنظيم وفقا للحاجيات والإمكانيات الحديثة »، وفي علم الاجتماع يفهم التحديث وفق نظرية النشوء والارتقاء، كمسار لتحول المجتمعات نحو العصر الصناعي، كمرحلة ضرورية ولا غنى عنها لولوج التنمية الاقتصادية والديموقراطية والازدهار (29).

وحدد فتحي التريكي مفهوم التحديث في «مجموعة العمليات التراكمية، التي توجه المجتمع نحو المزيد من الإنماء والتطور والتقدم، ويكون ذلك اقتصاديا بتعبئة الموارد والثروات، وتطوير قوى الإنتاج، وسياسيا ببلورة دولة المؤسسات، القائمة على تحرير تقاليد الممارسات السياسية من أجل المشاركة في الحياة العامة، واجتماعيا بتأسيس القيم والقوانين والنواميس، وإبعادها عن المواقف العقائدية » (30).

وعن طريق التحديث المستمر الذي تساهم فيه كل البشرية، تخرج الحداثة من قوقعتها التاريخية والجغرافية، وتتجدد مع الإبداعات والاختراعات التي ينتجها عقل الإنسان، والتطورات التي تعرفها المجتمعات التي تتقدم باستمرار، ويتحول مستوى العيش فيها إلى الأفضل.

ولا ينفصل (التحديث) عن مفهوم (الحداثة)، ويذهب البعض إلى أنه ليس سوى تعبير عن إحدى خصائصها، التي تمثل كيانا عاما متكاملا يتميز بثلاث خصائص بارزة: «الأولى تتيح لنا فهم الحداثة بوصفها بنية كلية، والثانية بوصفها سياقا، والثالثة بوصفها وعيا نوعيا، وبالتالي يمكن القول بأن مفهوم )الحداثة Modernité (يقابل الخاصية الأولى المتعلقة بالبنية، ومفهوم )التحديث (Modernisationيقابل الخاصية الثانية المتعلقة بالسياق، ومفهوم النزعة )الحداثية (Modernismيقابل الخاصية الثالثة المتعلقـة بالوعي » (31)، وكما يقول هشام شرابي فإن الحداثة والنزعة الحداثية، أي بنية المجتمع الحديث، ووعيه لذاته، ترتكزان على عملية التحديث، أي على جدلية التغير والتحول (32).

الحداثة ونزعة الهيمنة الغربية:

هناك اتجاه ينظر إلى الحداثة باعتبارها ظاهرة مرتبطة بالغرب، الذي أصبح بعد التطورات التي شهدها العالم منذ الربع الأخير من القرن العشرين، هو المركز الجاذب والمحدد للشكل »النهائي« للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأفضل لحياة الإنسان؛ وفي هذا السياق يرى (فرنسيس فوكوياما) أن الصراع الدولي الذي كان يتجسد في المرحلة السابقة بين قطبين، قد حسم لصالح القطب الغربي، بعد حصول ما يشبه الإجماع حول الديموقراطية الليبرالية كأصلح نظام للحكم، وأن منطق العلوم الطبيعية الحديثة، يفرض على العالم تطورا شاملا يتجه نحو الرأسمالية والسوق الحرة، وهو الشكل الذي يحدد من خلاله (فوكوياما) نهاية التاريخ.

ويقسم (صموئيل هنتنجتون) العالم إلى قسمين: الغرب من جهة، وبقية العالم من جهة أخرى، ويعتبر أن هناك نزوعا عالميا نحو الغرب، بل يقول أن الحداثة تعني في واقع الأمر الغرب، وكأنهما كلمتان مترادفتان، وبالتالي يكون التوجه نحو الحداثة هو (التغريب)؛ ويذهب الكاتب الجامايكي (نايبول) إلى أبعد من ذلك، حيث يعتبر أن »الحضارة الغربية هي الحضارة العالمية التي تناسب كل الناس« أي أنها الحالة الطبيعية بالنسبة لحياة الإنسان، والخروج عنها لا يكون إلا من قبيل الشذوذ ! (33)

وقد يكون مثل هذا المنطق هو المرتكز الفكري الذي تستند عليه نزعة الهيمنة السائدة لدى الغرب، والتي تعبر عنها بشكل واضح الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت تبيح لنفسها التدخل العسكري، ولو خارج إطار الشرعية الدولية، لاحتلال الدول التي تعتبرها متمردة على الغرب، لتجعل منها دولا »ديموقراطية« و »حديثة« وفق التصور الغربي الأمريكي، ولا يقتصر هدف هذه الذريعة التي تغلف السياسة الخارجية الأمريكية على فرض التغريب، أو (الأمركة) بوصف أدق، وإنما هناك أهداف أخرى من أهمها تأمين استمرار الرفاهية والقوة والتفوق، بوضع اليد على منابع الثروات الطبيعية الموجودة في العالم الثالث الضعيف، المغلوب على أمره، والذي ليس من حقه وفق نزعة الهيمنة إلا أن يكون تابعا! وبذلك يتناقض هذا الاتجاه مع قيم الحداثة التي لا تتنكر للاختلاف، وتقول بالتعدد، والديموقراطية، والنسبية، والحرية، وحقوق الإنسان، وكرامة الشعوب، وسيادة الدول… ومن المؤكد أن محاولة الولايات المتحدة قيادة العالم الغربي في هذا الاتجاه لا تخدم الحداثة، لأنه لا يمكن بمنطق القوة والسيطرة والإخضاع تهييئ المناخ الملائم لقيام مجتمعات حداثية، ولا يمكن بهذا المنطق إلا هدم الأسس التي يمكن أن تنبني عليها حداثة إنسانية كونية.

الحداثة ليست حكرا على أمم دون أخرى:

وإذا كنا لا ننازع في أن الحداثة بالمفهوم الذي تحدثنا عنه، نشأت وأعطت ثمارها في الغرب، فإن هذا لا يعني أن باقي مناطق العالم لم تعرف الحداثة، أو أنها غير مؤهلة لذلك، أو لم تكن لها أي مساهمة، لأن العقل الذي هو مفتاح الحداثة لا تملكه شعوب دون أخرى، ولم ينشأ في حضارة دون غيرها، كما أن الحداثة لم تأت من فراغ، وإنما بنيت وتشكلت مختلف مجالاتها من التراكمات العلمية والمعرفية التي هي من إنتاج علماء ومفكرين ينتمون لحضارات متعددة، وعصور متعاقبة.

ومن المعلوم أن قنوات الاتصال الثقافي بين العالم الإسلامي والغرب في المرحلة الممتدة من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر، ساهمت بكيفية مباشرة في حركة الإصلاح الديني التي عرفتها أوربا كخطوة أساسية نحو الحداثة، حيث برز تيار لمواجهة نفوذ الكنيسة، ورجال الدين من الكهنوت، الذين كانوا يحتكرون العلم والمعرفة، ويفرضون وصايتهم على العقول، ويقومون بالوساطة بين الله والبشر، ويمنحون وفق تقديرهم ومزاجهم صكوك الغفران، فجاءت حركة الإصلاح الديني لمناهضة هذه التقاليد والطقوس، والدعوة إلى ترك علاقة الإنسان بربه مفتوحة ومباشرة، مما يفيد أن تلك الحركة الإصلاحية استفادت وتأثرت بالثقافة الإسلامية من خلال الاطلاع على ترجمة القرءان الكريم، والتعرف على أحكامه التي لا تعطي أي امتياز لأحد على أحد إلا بالتقوى، ولا حكم على تصرفات وأعمال الناس إلا لله وحده، هو الذي يغفر لمن يشاء، ولا وساطة في ذلك بينه وبين أي فرد من بني الإنسان.

وقد كان لحصيلة الإنتاج الفكري والعطاء العلمي، لمفكرين وعلماء مسلمين أمثال الكندي، وابن سينا، والغزالي، وابن رشد، والبيروني، وابن الهيثم، وغيرهم كثير، تأثيرا كبيرا في الثقافة الغربية بصفة عامة، وفي صقل العقل العلمي بوجه خاص (34).
وحتى في عصرنا الحاضر توجد الكثير من الكفاءات والعقول التي هاجرت من العالم العربي والإسلامي، إلى دول أوربا الغربية وأمريكا، وتساهم بفعالية في تقدمها العلمي والتكنولوجي، وبالتالي فإن الطاقة العقلية، وقدرة الإنسان على الخلق والإبداع والابتكار، ليست من مميزات أمم أو شعوب دون أخرى، وإن ظروف صقل العقل، وتفجير طاقاته، وفتح آفاق الإبداع والمساهمة في التحديث أمامه هي التي تختلف، حيث يمكن أن تشوبها الكوابح والعوائق المكبلة والمحبطة، أو تتخللها الحوافز والدوافع المشجعة، وهذه الفوارق هي التي تؤدي إلى تقدم بعض الأمم وتخلف أخرى، فكلما تهيأت الظروف والحوافز المناسبة لتفجير الطاقات العقلية للإنسان، كلما ساعد ذلك على تحقيق التقدم المستمر، وحينما تتضافر عوامل الكبت والإحباط، والانغلاق، فإن الأمم التي تعاني من ذلك، يتعثر سيرها، أو لا تراوح مكانها، وتبدو مع الزمن أكثر تخلفا إذا كان الآخرون يتقدمون، ويسيرون بخطوات سريعة.

تعثر المشروع النهضوي في العالم العربي والإسلامي:

من المعلوم أن عددا من علماء العرب والمسلمين، ساهموا في وضع لبنات أساسية للعلوم التي انتشرت وتطورت في الغرب، وأثمرت في العصر الحديث تقدما صناعيا وتكنولوجيا هائلا، وأثر ذلك بعمق في وسائل وأنماط العيش بالمجتمعات الغربية، وهذه الحقيقة التي لا ينكرها الكثير من علماء ومثقفي الغرب نفسه، تثير تساؤلا تقليديا لدى المثقفين العرب والمسلمين في العصور الحديثة، حول الأسباب التي أدت إلى التقدم والقوة في الغرب، وإلى التخلف والضعف في العالم العربي والإسلامي، وتتعدد الأجوبة والاجتهادات التي تحاول أحيانا البحث في عمق الإشكاليات والعوامل المتداخلة التي ما فتئت تقف وراء التعثر، وتتوقف أحيانا أخرى عند بعض الأسباب دون غيرها.

ومنذ بداية القرن التاسع عشر، بدأ يطرح سؤال (النهضة) بإلحاح، من لدن بعض النخب العربية، المتأثرة بفلسفة الأنوار، وبمبادئ الثورة الفرنسية التي جاءت بجمهورية «الحرية والأخوة والمساواة»، قبل أن تظهر فرنسا كدولة استعمارية، ستبسط سيطرتها على جزء هام من الوطن العربي، وتحاول أن تُخضعه لتبعيتها اللغوية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وتستلب مقوماته الذاتية، ففي مطلع القرن التاسع عشر أطلق الشيخ الأزهري حسن العطار(1766-1835) صيحة للتنبيه إلى ضرورة التغيير قائلا:»إن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها«، وتحدث تلميذه الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه الصادر سنة 1834، بعنوان (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، تحدث عن الدستور الفرنسي، والحقوق الطبيعية، وما تعرفه باريس من تطور في مناخ الحريات، وخاصة حرية الفكر والصحافة والنشر، وأبرز تأثره بما قرأه في مؤلفات (Jean JAQUES ROUSSEAU) ولاسيما (العقد الاجتماعي) و(روح القوانين) ل (MONTESQUIEU) ، ويدخل في نفس السياق ما كتبه الشيخ ابن أبي الضياف عن رحلة أحمد باي إلى فرنسا سنة 1846، وكذلك ما كتبه خير الدين التونسي في مؤلفه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك)، الصادر سنة 1867، وما جاء في كتاب فارس الشدياق (الواسطة في معرفة أحوال مالطة) الصادر سنة 1866.

ويبدو واضحا من الكتابات المذكورة انبهار أصحابها بما شاهدوه ولاحظوه من مظاهر التقدم في المجتمع الغربي، ومن خلال قراءاتهم أدركوا أن تطور هذا المجتمع، جاء بعد التخلص مما كان يسود أوربا من أشكال الحكم الفردي المطلق، وما تتسم به تلك الأنظمة البائدة من استبداد وقهر، وكبت للحريات، وإقصاء للطاقات المبدعة، ولم يهتموا بفلسفة ومنشأ مفاهيم الحرية والليبرالية والديموقراطية وغيرها من المصطلحات التي قرأوا عنها، وشاهدوا نتائجها في الغرب، بقدر ما انشغلوا بوضع الصيغ المناهضة للاستبداد والحكم المطلق، واستنتجوا بأن نهوض الأمة العربية والإسلامية يتوقف على الإصلاح السياسي، الذي يقوم على إطلاق الحريات كعنصر أساسي لتحقيق التطور الاقتصادي والعلمي، وإقامة المؤسسات التمثيلية التي تلغي الاستبداد والتحكم الفردي، وتفتح المجال للمشاركة الشعبية.
ولم تقتصر تيارات الإصلاح على الدعوة إلى الاستفادة من التجارب الأوربية، وإنما كانت هناك كتابات وتوجهات فكرية تنطلق من تشخيص العوائق الذاتية، وتحدد معالم الطريق لتجاوزها، ويتبين ذلك من خلال أعمال العديد من المفكرين والمصلحين، أمثال جمال الدين الأفغاني (1838- 1897)، الذي دعا إلى تحرير الأمم الإسلامية من الاستعمار والتدخل الأجنبي، وإقامة أنظمة دستوريـة، ومحمـد عبـده (1845-1905)، الذي دعا إلى تحرير الدين من الخرافات والجمود، وحرية الاجتهاد، واحترام حقوق الشعوب، وتخليصها من طغيان الحكام.

وفي الدولة العثمانية ظهرت الدعوة إلى الإصلاح، منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر، وممن حملوا لواء هذه الدعوة إبراهيم متفرقة (1674-1745) الذي وإن كان لم يُعرف به كثيرا من لدن الباحثين، فقد وضع اليد على مكامن وأسباب تأخر الدولة العثمانية، وحدد ضمن تقرير أعده في هذا الشأن عدة عوامل من أهمها: عدم تنفيذ القانون، والظلم، وتخطي العدل، وتفويض أمور الدولة لغير الصالحين، وعدم اتباع آراء المفكرين، والرشوة والفساد المالي، والجهل بالعالم الخارجي؛ وأصدر إبراهيم متفرقة سنة 1731 مؤلفه (أصول الحكم في نظام الأمم) تعرض فيه لأنواع الحكومات الموجودة في عصره، موضحا تصوراته حول إصلاح العيوب التي كانت تشوب نظام الحكم العثماني(35).

وبالتأمل في العوامل التي حددها إبراهيم متفرقة لتخلف الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر، يلاحظ وكأنها كتبت في عهد قريب، ولا تعني جزءا واحدا من العالم الإسلامي، وإنما يمكن تعميمها على معظم أجزائه الأخرى، حيث تظل نفس العوامل، إلى جانب أسباب أخرى «متكيفة» مع ظروف العصر تشد العالم العربي والإسلامي إلى الوراء.
تعثر النهضة في المغرب:

وبالنسبة للمغرب فإنه وإن كان حافظ على استقلاله في مواجهة التوسع العثماني، فقد عرف في ظل نظام المخزن التقليدي، انكماشا وضعفا كرسا تخلفه، وجعلاه هدفا للأطماع الاستعمارية في أواخر القرن التاسع عشر، خاصة بعد الهزيمة التي مني بها في معركة إيسلي سنة 1844، وهزيمة حرب تطوان سنة 1860، وما أعقب ذلك من خضوع السلطان لاتفاقيات غير متكافئة، وما عرفته الدولة من تفكك وضعف.

غير أن تلك الظروف لم تمنع بعض المثقفين المتنورين من التفكير في الإصلاح، ومغالبة الوضع المهزوز؛ ومن المحاولات الرامية لإخراج البلاد من المأزق، المذكرات الموجهة من طرف الحاج علي زنيبر (36) إلى السلطان عبد العزيز، ومنها المذكرة التي تحمل عنوان (حفظ الاستقلال ولفظ الاحتلال)، ويقدم ضمنها »لائحة الإصلاحات« لضمان حسن تسيير شؤون الدولة، وحماية استقلال البلاد.

ومن المحاولات الإصلاحية كذلك المذكرة التي أورد نصها زعيم التحرير علال الفاسي في بحثه (حفريات عن الحركة الدستورية في المغرب قبل الحماية)، وهي لكاتب مجهول، وبعد نشرها تضاربت الآراء حول صاحبها، الذي وجهها للسلطان عبد العزيز، قصد تنبيهه لخطورة ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر الجزيرة الخضراء المنعقد سنة 1906، وتحذيره من العواقب الوخيمة التي قد تنجم عن التدخل الأجنبي، ولتلافي ذلك تقترح المذكرة إشراك الشعب في اتخاذ القرارات، ومواجهة الأطماع الأجنبية، وتتضمن مشروع دستور لتنظيم شؤون الدولة، وإحداث مجلس للأمة على غرار ما كان موجودا ببعض دول أوربا الغربية (37).

غير أن ضعف السلطان عبد العزيز، جعله لا يتجاوب مع مذكرات الإصلاح السياسي، والبناء الدستوري للدولة، مما أدى إلى إبعاده عن الحكم لفائدة أخيه السلطان عبد الحفيظ، الذي تولى الحكم ببيعة مشروطة بإنجاز إصلاحات تحد من الحكم المطلق، وخلق أسس نظام تمثيلي، وحماية السيادة الوطنية والوحدة الترابية؛ ونشطت إثر ذلك حركة المطالبة بالدستور، وتطور الأمر إلى وضع مشروع دستور سنة 1908 ومطالبة السلطان بإصداره، غير أن هذه المبادرة هي الأخرى لم تؤت أكلها، فتم فرض نظام الحماية على المغرب كغطاء للاستعمار الفرنسي الإسباني المباشر سنة 1912.

وهكذا فإنه رغم تعدد حاملي لواء الفكر الإصلاحي التنويري على امتداد العالم العربي والإسلامي، وعدم خلو أي مرحلة من بوادر للفكر النهضوي، فإن هذه المنطقة، شرقها وغربها، ظلت تعاني من الضعف والوهن، فكانت لقمة سائغة للاستعمار الغربي الذي خضعت له من أواخر القرن التاسع عشر، إلى ما بعد منتصف القرن العشرين.

وانبعث مع حركات التحرير الوطنية ضد الاستعمار، الفكر الإصلاحي الذي ربط بين مقاومة الاحتلال الأجنبي، والإصلاح الديني والاجتماعي، ومن أبرز القادة المثقفين الذين عملوا في هذا الاتجاه، على صعيد المغرب، الزعيم الرائد علال الفاسي رحمه الله، من خلال الدروس التي كان يلقيها بجامع القرويين، والمقالات التي كان ينشرها في الصحف، ونظَّرَ بتوجه حداثي لمغرب ما بعد الاستقلال بكتابه الشهير (النقد الذاتي)، مُعتبراً أن المدلول الحقيقي للاستقلال يكمن في بناء الدولة الديموقراطية العصرية، التي تقوم على التعددية الحزبية، والحريات الفردية والجماعية، واحترام حقوق الإنسان، وتُمكن الشعب من تدبير شؤونه بنفسه، وتضمن له العدل الاجتماعي، وشروط الحياة الكريمة، وتحقق للمغرب نهضة شاملة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتصون مقوماته الحضارية الأصيلة.

غير أن الأحداث والتطورات التي عرفها المغرب بعد الاستقلال، عصفت بتوجه الإصلاح والتنوير، وحاصرت الفكر الديموقراطي الحداثي، لفائدة هيمنة النظام المخزني التقليدي، الذي يقوم على الحكم الفردي المطلق، ويتحصن في مجموعة من التقاليد والطقوس العتيقة، ورغم نفحة التحديث النسبي التي برزت مع صدور قانون الحريات العامة سنة 1958، وصدور الدستور سنة 1962، وإحداث بعض المؤسسات التمثيلية، فإن التزوير الممنهج للانتخابات، وحالات الاستثناء الرسمية وغير الرسمية، جعل من تلك المؤسسات ـ عند وجودها ـ مجرد واجهات شكلية، فارغة من أي محتوى ديموقراطي، مما أدى إلى تكريس الاستبداد والتخلف على مختلف المستويات (38).

عوائق النهضة في العالم العربي والإسلامي:

ويبقى التساؤل مطروحا على مستوى العالم العربي والإسلامي عموما، لماذا يستمر التعثر في تحقيق ما تطمح إليه الشعوب من نهضة وتقدم؟ ولماذا يبقى هذا العالم مجرد مستهلك لما ينتجه الغرب من وسائل الحياة العصرية، رغم توفره على ثروات طبيعية هائلة، وطاقات بشرية خلاقة، وموقع استراتيجي هام، ورغم امتلاكه لعدة مؤهلات ثقافية وحضارية عريقة؟

ورغم أن هذا التساؤل طالما طرح بإلحاح من لدن العديد من المثقفين المتنورين، فإن الأوضاع تستمر على حالها، وفي جميع الأحوال لا تتغير نحو الأفضل؛ وبينما تتقوى التكتلات السياسية والاقتصادية في العالم الغربي، يزداد التنافر والتفكك في الجسم العربي والإسلامي، ويرجع ذلك لعوامل كثيرة متداخلة ومعقدة، يمكن أن نذكر منها على الخصوص:
ـ مخلفات الاستعمار القديم الذي ترك خلفه بذور التبعية السياسية والاقتصادية، والاستلاب الثقافي والحضاري، وما نتج عن ذلك من تناقضات بين الأنظمة السياسية.
ـ حالة الضعف والتخاذل في مواجهة الكيان الصهيوني المزروع في أرض فلسطين العربية، والمسنود من طرف الولايات المتحدة الأمريكية التي أضحت تمثل القطب الأقوى الوحيد في (النظام العالمي الجديد) أو بعبارة أخرى في (الفوضى العالمية الجديدة).
ـ طبيعة الأنظمة السياسية في العالم العربي والإسلامي، والتي تستند إما على القبلية والعشائرية، أو على »خصوصيات« تشترك في تغييب الديموقراطية وتهميش إرادة الشعوب، ويتميز بعضها بالخضوع لحماية خارجية وهمية، رغم ما يكلف ذلك من ثمن باهض.
ـ تمسك معظم الحكام وذوي النفوذ بالتقليد، ووضعهم للكوابح التي تحول دون تغيير حقيقي وإيجابي في اتجاه التحديث، رغم انخراط بعضهم في ترديد شعارات الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما عقلياتهم وسلوكياتهم تسير في الاتجاه المعاكس.

الحداثة والتراث:

وإذا كان الانخراط في عالم الحداثة يقتضي الارتكاز على مرجعية فكرية حداثية، فإن الساحة الثقافية العربية عموما تشهد تناقضات عميقة، تثير الكثير من الالتباس، أكثر مما تفرز رؤية واضحة، مما يجعل التيارات المحافظة أكثر حظا في تصريف خطابها، وترسيخ مواقعها، وتتقمص دور الدفاع عن التراث، وحتى بعض دعاة الحداثة الذين يوجدون في مواقع مريحة، يجدون في التقليد وسيلة لترسيخ الوجود، وتبقى الحداثة بالنسبة إليهم مجرد شعار للتباهي الثقافي، أو ربما للتمويه، وهذا ما يمكن ملاحظته بصفة خاصة في المجال السياسي؛ ويشكل التعامل مع التراث محورا أساسيا في الجدل الفكري العربي حول الحداثة، ويمكن تقسيم التيارات الفكرية في الوطن العربي، إلى مجموعتين كبيرتين:
الأولى ترفض الحداثة بشكل مطلق من منظور منغلق ومتزمت، وتنظر إلى التراث بعقل جامد لا يقبل الاجتهاد، وتفضل العيش في سراديب الماضي، ولا تقبل الانخراط في العصر الحديث؛ وهذه المجموعة بتلويناتها المختلفة ليست محدودة الانتشار، ولها إشعاع سلبي، يساهم في عرقلة عجلة التحديث، كما أن بعض أطرافها كثيرا ما يثيرون معارك جانبية لا طائل يرجى من ورائها؛ ولا مجال هنا للتفصيل في هذا الجانب.
والمجموعة الثانية تتكون من المثقفين الذين يقولون بالحداثة، أو يصنفون ضمن خانة الحداثيين، وهؤلاء ينطلقون من تصورات متباينة، ومتناقضة أحيانا، وأهم الجوانب التي تثير النقاش تتعلق بكيفية التعامل مع التراث، ومن بين العدد الكبير من المفكرين والمثقفين الذين تناولوا هذا الموضوع، سأقتصر على الإشارة فقط إلى ثلاثة نماذج مختلفة من المغرب العربي:

* محمد أركون يرى أنه لابد أن يكون »الانطلاق من نقطة الحداثة وليس من نقطة الماضي أو التراث، ينبغي علينا تهذيب نفوسنا وتدريبها على أن تتصرف بطريقة متسامحة ومنفتحة ومرنة، وأن نقبل شيئا أساسيا يعتبر من منجزات الحداثة العقلية ألا وهو نسبية الحقيقة، الأمر الذي يتعارض جذريا مع مطلق الحقيقة، أو الاعتقاد بوجود الحقيقة المطلقة كما ساد سابقا في كل الأوساط الدينية« )39(، وبذلك تكون النتيجة التي يصل إليها محمد أركون هي القطع مع التراث الديني عموما، وحينما يشير للإسلام يقول إنه في لحظة انبثاقه التاريخية كان يمثل لحظة حداثة بالتأكيد، لأنه كان محطة تغيير وتحريك لعجلة التاريخ، والحداثة تعني بث الحيوية في التاريخ، أما اليوم فقد أصبح الإسلام نوعا من التراث ومن التقليد، ومن تراكم المعارف والمواقف الثقافية المكررة، وبالتالي لا يمكن لأي شخص عاقل أن يقول بأن الإسلام يمثل حاليا الحداثة (40).وهذا رأي لا يتوفر على مقومات الصمود أمام المناقشة، من جهة، لأن الإسلام عقيدة دينية، ولا يوضع في مقام النظريات الفلسفية التي تتغير وتتجدد مع تطور الإنسان، ومن جهة ثانية فإن القيم الأساسية التي انبنت عليها الحداثة في الغرب، كإعمال العقل، والاجتهاد، واعتماد العلم، والحرية، لا تتعارض مع القيم الإسلامية، بل هي من صميمها؛ ومن جهة ثالثة، فإن كل قطع مع الجذور، إذا لم يؤد إلى جفاف الفروع والأغصان، فهو لا يمكن أن يؤدي في أحسن الأحوال إلا إلى الاستلاب والتغريب.

* محمد عابد الجابري يرى أن الحداثة إذ تقوم على القطع الإرادي مع المهترئ المتآكل، والمتجاوز من منتوجات ومقومات وقيم الماضي، فإنها تتأسس في الوقت نفسه على ما هو منها قليل للتجديد والتجدد، والاستمرارية والتفاعل الإيجابي مع عناصر ومفاعيل التغير والتبدل، مشكلة بذلك استيعابا نقديا واعيا لهذه العناصر والتراكمات، وتجاوزا لها في نفس الوقت، وذلك في إطار سيرورة جدلية ديناميكية تبادلية متواصلة بين القديم والجديد، الماضي والحاضر والمستقبل، ديناميكية تنتج فيها الحداثة عبر توالي وتطور لحظاتها، وتواريخها الخاصة، وتفرز فيها قيمها وثقافتها المتميزة المشعة، فتتأصل وتمتلك شرعية وجودها وانتمائها التاريخي (41)؛ ويرى الجابري أن التأصيل للحداثة في الثقافة العربية لا يتيسر إلا بتحديث التعامل مع التراث، وليس بإعلان القطيعة التامة معه، ويؤكد على ضرورة تجاوز«الفهم التراثي للتراث، وهو الفهم الذي يأخذ أقوال الأقدمين كما هي، سواء تلك التي يعبرون فيها عن آرائهم الخاصة، أو التي يروون من خلالها أقوال من سبقوهم» ويعتبر أن الطابع العام لهذا المنهج هو الاستنساخ والانخراط في إشكاليات المقروء والاستسلام لها، وبالتالي فإنه لابد من رؤية جديدة عصرية للتراث تنف »قراءة تراثية للتـراث«، وذلك لاجتناب » قـراءة تراثية للعصر« (42).
ويفسر الجابري تأكيده على الربط بين الحداثة والتراث بكون الحداثة الغربية المنشأ تبقى بالرغم من ادعائها العالمية منتظمة في التاريخ الثقافي الأوروبي، وبالتالي فهي »لا تستطيع الدخول في حوار نقدي تمردي مع معطيات الثقافة العربية، لكونها لا تنتظم في تاريخها« وباعتبارها خارجة عن إطارها فهي »لا تستطيع أن تحاورها حوارا يحرك فيها الحركة من داخل « وطريقنا إلى الحداثة يقول الجابري يجب أن ينطلق من الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها لتحريك التغيير من الداخل )43(.

* طه عبد الرحمان يختصر تعريف الحداثة بأنها:(إبداع) كما سبق أن رأينا، والإبداع لا يمكن إلا أن يكون ناتجا عن الاجتهاد الذاتي، فكل مبدع حداثي، وكل مقلد غير حداثي، حتى وإن قلد الحداثة نفسها، لأن التقليد هو نقيض الحداثة (44)؛ وفيما يخص التراث يقول طه عبد الرحمان « لا نظن أن الاهتمام بالتراث هو اهتمام بماض لا فائدة من ورائه حتى نخشى على أنفسنا الاستغراق فيه بالقدر الذي يحجبنا عن الاهتمام بالحاضر » ويرى أن من يدعو باسم الحداثة «إلى الكف عن الرجوع إلى التراث، وإلى الأخذ بالمعرفة الحديثة كما جاء بها الغرب، فإن دعوته لا تعدو كونها تستبدل مكان الانشغال بالتراث الأصلي، الانشغال بتراث أجنبي » (45)، وبذلك يؤكد طه عبد الرحمان موقفه الرافض لتقليد الغرب في مرجعيته وفي واقعه الحداثي، ودعوته إلى حداثة تقوم على الاجتهاد والإبداع انطلاقا من الجذور الثقافية للعالم العربي والإسلامي، دون أن يعني ذلك الانغلاق داخل تلك الجذور.

مفتاح الحداثة:

إن الحرية هي الفضاء الطبيعي لنشاط العقل، فكلما اتسع هذا الفضاء، كلما تزايد النشاط الفكري، واتسعت مجالاته، وكثرت عطاءاته؛ وبانفتاح المجال للإقبال على العلوم ومختلف فروع المعرفة يتم صقل العقل، والارتقاء بمستوى ما ينتجه نحو الأفضل، وامتلاك مفتاح الحداثة، يكمن في إعمال العقل في مساءلة النظريات الفكرية، والأنظمة السياسية، والظواهر الاجتماعية، والتقاليد والأعراف السائدة، والسلوكيات والممارسات المتبعة، ومواجهة كل ما يحيط بحياة الإنسان بنظرة فاحصة، ورؤيا نقدية، بهدف التصحيح المستمر للأخطاء، والتقويم المتواصل للمسار، وتطوير وسائل وأنماط العيش بشكل مطَّرد.

ولذلك يلاحظ أن معظم البلدان التي سادتها أنظمة سياسية كبلت فيها حرية العقول، أو مارست عليها الوصاية، وفرضت عليها توجها أحاديا، يقتصر على اجترار مقولات من الماضي، وتمجيد صفحات من تاريخ متجاوز، والتطبيل لبطولات وهمية في الحاضر، وتعظيم أعمال قيادات سياسية « لا تخطيء »، وتبرير مواقف تخاذلية، وأعمال مشينة في بعض الأحيان؛ معظم البلدان التي عانت أو مازالت تعاني من هذه الظواهر السلبية والمعيقة، تجد نفسها اليوم غارقة في هوة سحيقة من التخلف، بعد أن حققت دول أخرى خطوات جبارة في التقدم العلمي والتكنولوجي، والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحضاري.

ولا يمكننا أن ننتظر المعجزة لتنقلب الأوضاع، ويتم التغلب بسرعة على كل العوامل التي تعوق عملية التحديث، والشعارات وحدها لا تغير أي شيء، كما أن مجرد التبني النظري لأفكار حداثية من طرف بعض النخب يبقى تأثيره محدودا، وبالتالي فإنه لا بد من توفر مجموعة من العناصر المتكاملة لامتلاك شروط وأهلية ولوج عالم الحداثة، ومن أهمها:
ـ وجود إرادة حقيقية وقوية لدى سلطة القرار، ولدى مختلف المكونات الفاعلة والمؤثرة في المجتمع.
ـ ارتكاز الإرادة على مرجعية ثقافية حداثية، واقترانها بالوعي الكامل بما يتطلبه التحديث من تجاوز لكل ماهو متآكل ومهترئ وفاسد، من التقاليد والأعراف والطقوس.
ـ التغلب على عوامل تجميد الفكر، وإعاقة الاجتهاد المتنور، والانفتاح الواعي على كل ماهو إيجابي في الثقافات والحضارات الإنسانية الحديثة، والبحث في ثناياها على مكامن التطور، والارتقاء نحو الأفضل.
ـ تحرير عقل الإنسان وإطلاق طاقاته الإبداعية والنقدية من كل القيود المكبلة، وتأهيل الموارد البشرية للانخراط الجماعي في بناء المجتمع الحديث، ولا يتأتى ذلك إلا في إطار النظام الديموقراطي الذي لا مكان فيه للاستبداد والمستبدين، والانتهازيين والمنافقين، ويتيح الحريات الفردية والجماعية، ويوفر الضمانات الكافية لاحترام حقوق الإنسان، وحقوق المواطنة بما تعنيه من حرية الانتقاد والمشاركة والفعل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولا يتحقق التحديث باستنساخ الصورة التي يوجد عليها الغرب المتقدم، أو محاولة تقليدها أو تبنيها في مجملها، أو الاندماج الأعمى في نموذجها، لأن التطور الهائل الذي حققه الغرب ـ الذي هو في مقام (الآخر) بالنسبة للعالم العربي والإسلامي ـ لا يعني أن كل مكوناته حداثية، وكل مبتكراته إيجابية، كما أن الانصهار في (الآخر) مهما كانت قوته ومستوى تطوره، يكون على حساب الذات بما تختزنه من طاقات، وما تمتلكه من مميزات؛ وهذا فضلا عن مبدأ تناقض الحداثة مع التقليد، ويقول طه عبد الرحمان بهذا الخصوص “إن الحداثة ليست هي تقليد الغير في قوله وفعله، وإنما الإتيان بما يضاهي ما عند الغير إنتاجا وإبداعا”(45)؛ وهناك فرق طبعا بين المحاكاة أو التقليد، وبين مجرد الاستفادة من إنتاج وإبداع الغير، لتكوين منتوج جديد فيه من الإضافة والتميز ما يجعله يتجاوز النقل والتقليد، ليصل إلى مستوى الإبداع.

كما أن التحديث لا يتحقق بالانغلاق على الذات بدعوى (الخصوصية)، لأن التمسك بالأصول ومقومات الوجود، لا يتعارض مع الاستفادة من الأفكار والابتكارات والإبداعات التي ينتجها عقل الإنسان في كل مكان من العالم، والتي تهدف لإسعاد البشرية، وتحسين ظروف عيشها، ويروي التاريخ أن تلاقح الثقافات والحضارات يحقق نتائج إيجابية في المجتمعات المختلفة، وخير مثال هو أن الغرب استفاد الكثير مما أنتجه علماء ومفكرون عرب ومسلمون، كما استفاد من حضارات أخرى، دون أن يؤثر ذلك على جذوره، أو يغير شيئا من مرجعياته وخصوصياته، وكل حداثة لا تتوفر لها عوامل التأصل والتجذر في موطنها، لا تكون قابلة للصمود والتطور والإشعاع، فإنها تكون بمثابة صرح عديم الأساس.
وتجدر الإشارة في الختام أنه مع بداية الألفية الثالثة، أصبح (المشروع الديموقراطي الحداثي) شعارا للمرحلة الجديدة التي دخلها المغرب، ولم ينحصر تبني هذا الشعار في ثلة من المثقفين، وإنما تتبناه الدولة أيضا، وتلتف حوله القوى السياسية الحية، وفعاليات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام والاتصال الحزبية والمستقلة، ومن شأن هذا الوعي الجماعي بأهمية تحديث الدولة والمجتمع، أن يساعد على إنجاز المشروع الديموقراطي الحداثي المأمول، وهو خيار لا مناص منه، ليس فقط من أجل تدارك ما ضاع من الزمن، ومواكبة ما يجري في العالم المتحضر، وتحقيق عيشة أفضل لشعبنا، وإنما كذلك لتحصين البلاد، وضمان مناعتها واستقرارها، في مواجهة تيارات الردة، وخلايا التعصب والتطرف، التي تستند على الفكر الظلامي، وتنمو أكثر عندما تضيق فرص المشلركة في تدبير الشأن العام، وفي غياب الحوار الديموقراطي، وانعدام المؤسسات التمثيلية السليمة وذات المصداقية، واختلال مقومات دولة الحق والقانون، والافتقار للآليات الضرورية والفعالة في مجال التضامن الاجتماعي.
ــــــــــــــــــ
هوامش:

1( مجموع فتاوي أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمان محمد بن قاسم، الجزء الأول، المجلد الخامس ص 216 و 217.
2) Dictionnaire International des Termes littéraires, Mode article,Modernité/modernity, (http://www.ditl.info/art/definition.php, term=2976).
3) المرجع السابق.
4) مارشال بيرمان، الحداثة أمس واليوم وغدا، ترجمة جابر عصفور، إبداع،9،4، أبريل 1991، ص 29.
5) هشام جعيط، الحداثة المنقوصة ما توصيفها؟ جريدة الزمان، لندن، العدد 1407، بتاريخ 17 يناير 2003.
6) إبراهيم غرابية، الحداثة الغربية مطلب أم تحد؟ وجهات نظر في موقع الجزيرة على شبكة الإنترنيت، في 13 سبتمبر2003.
7( هشام شرابي، مجلة المستقبل العربي، عدد 175، شتنبر 1993، ص 29.
8( محمد سبيلا، دفاعا عن العقل والحداثة، منشورات الزمن، رقم 39، 2003 ، ص 22.
9( عن أحمد الحذيري، الحداثة بين الاتباع والإبداع، الفكر العربي المعاصر، 72 ـ 73، يناير ـ فبراير 1990، ص 123.
) Glossaire, Dominique Wolton, terme modernité , 10
http://www.wolton.cnrs.fr/_modernité.htm) . (
11( عن ناصر الدين الأسد، الإسلام في مواجهة الحداثة الشاملة، موقع مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية، على شبكة الإنترنت، ص 5.
12) عز الدين الخطابي، الحداثة كأفق وكمصير، مجلة مقدمات، عدد 31، سنة 2004، ص:69.
13( محمد سبيلا، مرجع سابق، ص 22.
14( الحبيب الجنحاني، لا بديل عن الحداثة، جريدة الزمان، 1ـ 1 ـ 2002.
15( طه عبد الرحمان، في محاضرة حول (روح الحداثة وحق الإبداع)، مجلة النور الجديد، عدد 151، دجنبر 2003، ص 63.
16) فتحي التريكي، الحداثة وما بعد الحداثة، دمشق، دار الفكر، 2003، ص: 313.
17) ناصر الدين الأسد، مرجع سابق، ص 3و4.
18) ريني ديكارت، مقالة الطريقة، ترجمة جميل صليبا، اللجنة البنانية لترجمة الروائع، ص 30 ـ 35.
19) فتحي التريكي، م.س. ص 209 .
20) رضوان جودت زيادة، صدى الحداثة، ما بعد الحداثة في زمنها القادم ـ ط 1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2003، ص 35.
21) ناصر الدين الأسد، مرجع سابق، ص 7.
22) المرجع السابق، ص 8.
23) عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ص 37.
24) رضوان جودة زيادة، م. س. ص 32.
25) فتحي التريكي، م.س. ص: 311.
26) رضوان جودة زيادة، م. س. ص: 82.
27) آلان تورين، نتقد الحداثة، الحداثة المظفرة، ترجمة صياح الجهيم، دمشق، 1998، ج2، ص: 9.
28) أنظر رضوان جودة زيادة، م.س. ص: 26 و27، وكذلك فتحي التريكي، م. س. ص: 215.
29) http://www.wolton.cnrs.fr/glossaire/fr_modernisation.htm.
30) فتحي التريكي، م.س. ص: 214.
31) نايف العجلوني، الحداثة والحداثية المصطلح والمفهوم، مجلة أبحاث اليرموك، المجلد 14، العدد 2، 1996 ، عن موقع مرايا في شبكة الأنترنيت، في 10 ـ 7 ـ 2003.
32) هشام شرابي، البنية البطركية، بحث في المجتمع العربي المعاصر، بيروت، دار الطليعة، 1987، ص 33.
33) نايبول كاتب جامايكي تخصص في تأليه الغرب، وتجريح العالم الثالث، ومنه وطنه الأم الهند، كما تخصص في الهجوم على الإسلام، وكوفئ على مواقفه بمنحه جائزة نوبل للآداب عن سنة 2001، أنظر عبد الوهاب المسيري، الحداثة وما بعد الحداثة، حوارات لقرن جديد، دمشق ، دار الفكر 2003، ص:161 و 162.
34) أنظر ناصر الدين الأسد، م.س. ص: 4، وكذلك فتحي التريكي، م. س. ص: 212.
35) أنظر عبد القادر الإدريسي، جذور الإصلاح من إبراهيم متفرقة إلى الحاج علي زنيبر، جريدة العلم، 16 ماي، 2004، ص 7.
36) يُعرف بالحاج علي زنيبر الأستاذ المجاهد أبو بكر القادري في كتابه (الحاج علي زنيبر رائد من أعلام المغرب الحديث) .
37) أنظر علال الفاسي، حفريات عن الحركة الدستورية في المغرب قبل الحماية، سلسلة الجهاد الأكبر، رقم 6، مطبعة الرسالة، الرباط، وكذلك عبد الكريم غلاب، التطور الدستوري والنيابي بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، 1988، الدار البيضاء، ص 105 وما بعدها.
38) نشرتُ مقالات متعددة حول تعثر بناء الديموقراطية في المغرب، خاصة بجريدة العلم، ومنها المقالات التي صدرت ضمن كتابي (هاجس التغيير الديموقراطي) الصادر في إطار سلسلة شراع، العدد رقم 15، سنة 1997.
39( محمد أركون، الإسلام والحداثة، ندوة مواقف، دار الساقي، ط1 ص 362.
40( م.س. ص356.
41) محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، ط 4، 1985
42) محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، المركز التقافي العربي، ط 1، ص 18و26 و50.
43( م. س. ص 16.
44) طه عبد الرحمان، م.س. وكذلك المفهوم والتأثيل، فقه الفلسفة، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، ط 1 ، 1999، ص 12.
45) طه عبد الرحمان، حوارات حول المستقبل، منشورات الزمن، العدد 13، ص 12.
46) م.س. ص 43و44.

اترك تعليقاً