الخميس , يونيو 20 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / التعصب والتعصب المذموم

التعصب والتعصب المذموم

إبداء الإعجاب

هل في الوسع التحرر من التعصب، ومن أشكاله كافة: التعصب لفكرة، لعقيدة، لقومية، لكيانية سياسية أو اجتماعية؟ هل التعصب منزع طبيعي في الإنسان أم ثقافة مكتسبة من المحيط الاجتماعي؟ هل هو حالة مرضية تعرض للمرء من طروء طوارئ في الحياة المجتمعية؟ هل تقتضيه الحياة الإنسانية وتفرضه أم يدخل في جملة مظاهر التأزم والخلل فيها؟ ألا يمكن أن يكون مفيداً وإيجابياً، في حالات، ومضراً وسلبياً في أخرى؟ وإذا كان كذلك، فكيف السبيل إلى تثمير المفيد فيه وتحييد الضار أو محوه؟

أسئلة يفرضها التفكير في ظاهرة التعصب، وتحمل عليها معاينة وجوه مختلفة منه ليست تترادف جميعها ولا تتضافر في المعنى أو تقود إلى النتائج عينها. ما الذي يعنيه حب المرء لوطنه، والدفاع عن سيادته والسعي في تقدمه إن لم يكن يعني التعصب له؟ ماذا يعني إيمان المرء بعقيدة دينية ما غير أنه متعصب لدينه، لا يستبدل به ديناً آخر؟ ما الذي يعنيه أن يكون المتعلم منا وجودياً أو ليبرالياً أو ماركسياً، ديمقراطياً أو اشتراكياً غير أنه يتعصب لفكرة من هذه المذاهب، أو نموذج مجتمعي من هذه النماذج؟ ثم ألا يعني الاعتزاز بلغة قومية ما، والتمسك بها والدفاع عنها، تعصباً لها؟ هذه جميعها صور لتعصب لا يمكن المرء حسبانه تعصباً ممجوجاً أو مذموماً؛ بحيث يدعو إلى محاربته وكفه، لأنه من نوع ما يمكن تسميته ب«التعصب البناء» أو غير المؤذي، أي لا تتولد منه نتائج ضارة على الغير، وإنما تنحصر منافعه في من يصيبه كشعور. من المؤكد، إذاً، أن التعصب ليس حالاً مرضية في أشكاله جميعها؛ كما تشهد بذلك الأمثلة السابقة. ولكن، من أين يستمد (التعصب) – في هذه الحال- القدرة على أن يكون دينامية إيجابية في حياة الناس؟

يستمدها، ابتداء، من كونه فعلاً طبيعياً تلقائياً يأتيه الإنسان من حيث هو كائن طبيعي. الانتماء إلى الجماعة، والعيش في أكنافها، هو أول ميل طبيعي يقوده إلى التعصب بعد أن يتطور النظام الاجتماعي للجماعة الأولى وتبدأ هذه في تكوين أناً جمعية لها، يكون مبناها – في الأغلب – على قرابة الدم والنسب. يستكمل المحيط الاجتماعي، ومنظومة الأعراف والتقاليد، ما بدأته الطبيعة فيعزز في المرء الشعور بالتعصب للجماعة وروابطها، في امتداد رسوخ علاقات التضامن الداخلي في نسيجها. ما يعتقده المحيط الاجتماعي للمرء؛ ما يكون هو قد ربي عليه، وتشبع به، من قيم يصبح، مع الزمن، مبادئ حاكمة للتفكير والسلوك يستبطنها المرء ويتعصب لها.

هكذا، إذاً، يتكون الشعور بالتعصب لدى الإنسان؛ بفعل من الطبيعة، ابتداء؛ حيث يكون في شكل ميل طبيعي إلى الانضواء في محيطه؛ ثم بفعل من ذلك المحيط – تالياً – الذي تنتقل إليه خبرته الإنسانية: لغته، واعتقاداته، وعاداته وأعرافه، وطقوسه وقيمه… إلخ، فيستنبطها وتتنزل من فكره وسلوكه منزلة النظام الحاكم. إن تدين المرء بدين، أو حمل هوية قومية، أو حيازة لسان، أو التشبع بمنظومة قيم وأفكار… إنما هي انتماءات تتولد من انضواء الناس في محيطهم الاجتماعي، والانغماس في عالم روابطهم والتماهي معه، واستبطان ما به يؤمنون وما يسلكون. ويتكون من كل ذلك الخزين فعل التعصب (لهذا كله أو لبعضه)، بحسبان التعصب ذاك تعبيراً عن الانتماء إلى البنى تلك ومشاركة في المدافعة عنها. لا يمكن، بهذا المعنى، عد التعصب حالاً مرضية تعرض للمرء فتخرجه عن طوره، أوعلى الأقل، لا يجوز اعتباره كذلك دائماً، بل في أحوال منه خاصة. إن وصفه بالحال المرضية يصطدم بواقع أنه فعل طبيعي وفعل اجتماعي؛ ولو جاز وصفه كذلك، والحال هذه، جاز اعتبار كل ما هو من مصدر طبيعي واجتماعي حالاً مرضية. ولكن لما كان الطبيعي والاجتماعي يحتمل السواء والمرض، الإيجاب والسلب، الاستقامة والانحراف أمكن القول إن في بعض ذلك التعصب ما ليس سوياً أو طبيعياً أو مقبولاً من منظور المتعارف عليه من القيم. لنسم هذا النوع المرضي من التعصب بالتعصب المذموم، في مقابل النوع الأول: الطبيعي والإيجابي.

التعصب، بالمعنى المذموم، حال مرضية؛ لأنه بها يخرج المتعصب من أحكام الطبيعة والمجتمع، على السواء، ويهدد قوانينهما: الأمن والسلام والتعايش والاجتماع الإنساني المتضامن، وخاصة حينما تستفحل حدته لدى المصاب به، فتؤديه إلى إتيان أفعال يروم بها إنفاذ ما يعتقده أو يدين به من أفكار وقيم. إذا كان التعصب بمعناه الأول ينطوي على دافعية إيجابية، ليس أقلها تقوية وشائج التماسك داخل الجماعة، وتنمية علاقاتها التضامنية، والذود عن وجودها وأمنها في وجه ما يحدق بها من أخطار، فإن التعصب بهذا المعنى المذموم مؤذ للمصاب به، كما لمن يقع عليه فعل المتعصب.

اترك تعليقاً