السبت , يوليو 20 2019

التحكم

إبداء الإعجاب

عبد القادر العلمي/

منذ نهاية العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين أصبحت كلمة (التحكم) من الكلمات التي تتردد كثيرا في العديد من الخطابات والكتابات السياسية لفاعلين من تيارات مختلفة  ومشارب متباينة، ويمكن القول بأنها أضحت من “المصطلحات” التي دخلت إلى القاموس السياسي المغربي الحديث.

وتجد كلمة (التحكم) أرضية خصبة ومناخا مناسبا للانتشار السريع والتداول المتزايد في غياب ضوابط وآليات ديمقراطية حقيقية وفعالة تؤطر الحياة السياسية مع وجود ضبابية وشُبْهة في ميلاد ومسار وتوجه بعض الكيانات الحزبية التي تدخل غمار العمل السياسي بشكل ملتبس وغير طبيعي ويتبين من ممارساتها أنها لا تتمتع بالاستقلالية في قراراتها وتخضع في مواقفها للجهات التي صنعتها وألقت بها إلى الملعب السياسي لتنافس بشكل غير متكافئ القوى الوطنية ذات الامتداد الشعبي، فضلا عن الدور البارز لما يسمى بالدولة العميقة في الحقل السياسي المغربي.

 ولتحديد المقصود بالتحكم في اللغة نجد أن هذه الكلمة مشتقة من الحُكْم والاحْتِكَام وجاء في لسان العرب لابن منظور أنه « يقال حَكَّمْتُ فلانا أي أطلقت يده فيما شاء» ويمكننا أن نقول بأن التحكم يعني وجود قوة بشرية ظاهرة أو مستترة تعمل على تكييف محيطها وفق منظورها الخاص وجَعْلِ مجرى الأحداث يسير وفق ما تريده بحيث لا يبقى هناك مجال للتلقائية أو لأي مؤثر آخر في المسار الذي تحدد هي نفسها اتجاهه بما يتلاءم مع ما تتوخاه من أهداف وما تسعى إليه من غايات تصب في خدمة وحماية مصلحتها ومبتغاها.

أما التحكم في الحياة السياسة فهو يعني ممارسة الضغط من طرف جهات نافذة في الدولة خارج نطاق الضوابط القانونية والآليات الديمقراطية لفرض توجه سياسي معين يخدم مصالح وأهداف الجهة المُتَحَكِّمَة دونما اعتبار للتوجهات المخالفة ولو كانت تتبناها قوى سياسية ذات تمثيل شعبي واسع بحيث يتم إبطال جوهر التشارك المبني على التعامل الديمقراطي ولا تبقى أي أهمية لما يعتمل في المجتمع أو لإرادة الأغلبية التي تفرزها صناديق الاقتراع أمام التوجه التحكمي.

وبهذا المعنى يمكن القول بأن التحكم السياسي هو وجه من وجوه الاستبداد لما يتسم به من طابع الإجبار والفرض قسرا لمشهد حزبي وسياسي يستجيب للإرادة المتحكمة ولا يعكس الواقع ضدا على المنطق الديمقراطي وفي تجاوز وتحد للقواعد والقوانين التي يُفترض أن تكون محل توافق ورضى مختلف الفاعلين السياسيين.

وخلافا للأنظمة الديكتاتورية التي تقوم على وضوح السلطة المطلقة والحكم الفردي المباشر دونما حاجة لوسائط أو آليات للتمثيل الشعبي، فإن التحكم يعد من سِمات الأنظمة التي تأخذ بالديمقراطية الشكلية حيث توجد تعددية حزبية “مخدومة” كليا أو جزئيا وتجري الانتخابات الدورية والتي لا يسمح نمطها القانوني ولا طريقة إجرائها بإفراز أغلبية واضحة من جهة، ولا يكون للمؤسسات التمثيلية التي تنبثق عنها سوى دور محدود ولا يكون بمقدورها تغيير التوجه السياسي العام المفروض من خارجها.

وإذا كانت التطورات التي عرفها المحيط الدولي قد فرضت تراجع أشكال الأنظمة الديكتاتورية ذات السلطة المطلقة والحكم الفردي المباشر فإن الكثير من الأنظمة خاصة في العالم الثالث اتجهت إلى اعتماد ديمقراطيات شكلية يكون فيها للسلطة المركزية التي لا تتغير بالانتخابات الدور الحاسم في وضع الاختيارات السياسية الأساسية وتحديد الأولويات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتخاذ القرارات المصيرية وضبط النطاق المتعلق بتدبير الشأن العام، وتمارس ذلك دون أن تخضع لأي مساءلة قانونية أو رقابة شعبية، بينما ينحصر دور المؤسسات المنبثقة عن صناديق الاقتراع من برلمان وحكومة في غالب الأحيان في المباركة والثناء على ما تقوم به السلطة المركزية مع الانشغال ببعض القضايا الجزئية التي مهما كانت نتائج التداول بشأنها فإنها لا يمكن أن تصل إلى حد تغيير المسار الذي تحدده الجهة الحاكمة بالفعل. والأحزاب السياسية سواء كانت نابعة من المجتمع أو خرجت من رحم الإدارة أو تم إحداثها بأي طريقة من الطرق فهي تتنافس بطريقة متكافئة أو غير متكافئة على المواقع والمناصب داخل المؤسسات وتنقسم بين المشاركة في الجهاز الحكومي المنفذ لسياسة السلطة الحاكمة وبين معارضة تلك السياسة، وتبقى السلطة المركزية التي تحكم بالفعل هي الجهة المتحكمة في المجال السياسي والمحركة لأدواته والمحددة لمساره والضابطة لنطاقه.

وظاهرة التحكم السياسي في المغرب ليست جديدة ولا يمكن ربطها بحزب سياسي معين كما تروج له بعض الخطابات والكتابات السياسية وإنما برز التحكم منذ  الإعلان عن انتهاء عهد الحماية سنة 1956 بالعمل على تحجيم دور الحركة الوطنية الاستقلالية في الحكومات المتعاقبة بين منتصف خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي، وخلافا لما هو معتاد بالنسبة للدول التي تحصل على استقلالها والتي تتولى السلطة فيها حركة التحرير الوطني فإن هذا لم يحصل في المغرب إلا بشكل جزئي ومرحلي حيث لم تستلم الحركة الوطنية السلطة وإنما أتيح لها أن تكون مشاركة فقط في الحكومات المتعاقبة بعد انتهاء عقد الحماية لمدة لم تتجاوز ست سنوات ليتم إقصاؤها بعد ذلك.

وفي محاولة للحد من الشرعية التاريخية والنضالية والنفوذ الشعبي الواسع للحزب الذي قاد حركة التحرير الوطني ظهر سنة 1958 أول كيان حزبي إداري على أساس عنصري قَبَلي بقيادة ضابط سابق في الجيش الفرنسي للتقليل من النفوذ الجماهيري لحزب الاستقلال بدعوى مناهضة “الحزب الوحيد” علما بأن التعددية الحزبية كانت موجودة وتكرست بإصدار قانون الحريات العامة في 15 نونبر1958 من قِبل حكومة أحمد بلافريج الذي كان آنذاك أمينا عاما لحزب الاستقلال، وبعد ذلك تم تقسيم الحزب واختلاق صراعات في صفوف الحركة الوطنية وإبعادها بالتالي عن مواقع تدبير الشأن العام رغم تمثيليتها آنذاك لأوسع الفئات الشعبية.

وتَكَرَّسَ التوجه التحكمي بتزوير أول انتخابات تشريعية واختلاق “جبهة” سياسية مفبركة تضم “القوى” التي خرجت من رحم هذا التوجه أو تم استمالتها لتصبح موالية له سنة 1963، ثم إعلان حالة الاستثناء سنة 1965 دون أن يكون هناك أي مبرر دستوري لذلك، ونهج سياسة شد الحبل مع القوى الوطنية الحية التي كان من الطبيعي أن تعارض التوجه التحكمي الذي كان واضحا في ممارساته وأهدافه، ودخل المغرب في مواجهات وصراعات اتسمت بنزعة الإقصاء وقمع الحريات واستعمال العنف لدرجة التصفية الجسدية لعدد من المعارضين في مرحلة أصبحت تعرف اليوم بسنوات الجمر والرصاص، وهي مرحلة عجفاء أهدر المغرب فيها طاقات وطنية هائلة وأضاع فيها الكثير من الفرص.

 والتطور الدستوري النسبي الذي فرضته حركية المجتمع السياسي من خلال عرائض أحزاب الكتلة الديمقراطية (سنوات 1991 و 1992 و 1996) أو تحت ضغط حراك الشارع (حركة 20 فبراير 2011) لم يرق بالمتن الدستوري إلى مستوى الدساتير الديمقراطية التي تضمن فصلا حقيقيا للسلط وتجعل إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم،  لأن التعديلات المتوالية للدستور لم تغير من طبيعة السلطة المركزية التي تشكل جوهر النظام السياسي التقليدي في المغرب والتي تبقى بعيدة عن التداول المتعارف عليه في البلدان الديمقراطية لأنها لا تتأثر بنتائج الانتخابات ولا تتغير بتغير الخريطة السياسية ولا تخضع لأي مساءلة أو محاسبة من لدن المؤسسات المنتخبة أو أي جهة أخرى، وتبقى هذه السلطة بحكم الدستور المكتوب وبحكم الأعراف والتقاليد المرعية من طرف مختلف الفاعلين السياسيين هي صاحبة القرارات الأساسية المحددة للسياسة العامة والأولويات والبرامج التي تدخل ضمن أجندة تدبير الشأن العام.

وانطلاقا من أحكام الدستور المعمول به لا يمكن الاستغراب من طرق تشكيل الحكومات في المغرب ولا من التناقضات الواضحة في غالب الأحيان بين مكوناتها حيث يمكن أن تضم في نفس الوقت أشخاصا لا علاقة لهم بالعمل السياسي تحت إسم “التقنوقراط” ولو كانت هذه الصفة تطلق عليهم بشكل اعتباطي، إلى جانب أحزاب من كل الاتجاهات والألوان السياسية ولو لم يكن يجمع بينها أي رابط لأنه ليس مطلوبا منها أن تضع سياسة معينة تتطلب الانسجام والتكامل في الرؤية والأهداف وتكون مسؤولة عنها أمام آليات المراقبة والمساءلة المؤسساتية والشعبية وإنما ينحصر دورها في تنفيذ سياسة الدولة التي تضعها السلطة المركزية والتي هي فوق الأحزاب وخارجة عن التنافس السياسي بينها.

واستمرار التمسك بالتقليدانية المفرطة يترك الباب مفتوحا لترسيخ التحكم في الحياة السياسية، ولا أهمية للتحديث الذي يقتصر على شكلية المؤسسات ولا ينفذ إلى مضمون صلاحياتها الذي يعطي لوجودها دورا ديمقراطيا تتبلور من خلاله الإرادة الشعبية في وضع وتحديد الاختيارات الأساسية وأولويات السياسات العمومية، وبالتالي فإن التحديث المطلوب للقطع مع التحكم والارتقاء إلى مستوى الدولة الديمقراطية العصرية رهين بإقرار دستور ديمقراطي يجعل الشعب سيد نفسه ومصيره.

نشر القال بجريدة العلم ص 2 في 27 أبريل 2017

اترك تعليقاً