dimanche , décembre 15 2019
Home / أخر المستجدات / التجدّد الحضاري وتحدّي التعليم في الوطن العربي

التجدّد الحضاري وتحدّي التعليم في الوطن العربي

إبداء الإعجاب

عدنان برجي/

أن تَكتُب عن التجدّد الحضاري يعني أن تَكتُب عن الإنسان والوطن والزمن، وفي الوقت عينه عن المستقبل والحاضر والماضي. ولكلّ من هذه الأقانيم معضلاته ومشكلاته في وطننا العربي الكبير.

فالإنسان العربي مٌمزّق بين هُويّة  يَنشدُها ويبحث عن طريق لتحقيقها، وهي الهويّة العربيّة الجامعة والحضاريّة، وبين هويّات تُفرض عليه فيعيشها رغماً عنه كالهُويّات الطائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة والإثنيّة، أو هُويّات يتعايش معها كالهُويّات الوطنيّة القُطْريّة التي ترسّخت على مدى عقود ما بعد الإستقلال.

والإنسان العربي ينشد الوحدة لكنّه يعيش التمزّق . وينشد التقدّم لكنّه يعيش التخلّف بأسوأ مظاهره. وإذا كان لجيلنا أن يعايش عصر المدّ القوميّ أو بعضاً من تجليّاته في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فإن الجيل الحالي يعيش، ليس فقط داخل أسوار وطنه الصغير، بل في قمّعة الطائفة والمذهب والعرق والمنطقة. واذا كان لجيلنا ان يرفع رأسه مُفاخراً برحيل الإستعمار، فإن الجيل الحالي يشهد عودة هذا الإستعمار بطلب من بعض ممن يدّعون الحريّة والسيادة والإستقلال أو بسبب إرتهان بعض الأنظمة له.

لقد عاش جيلنا عصر المدّ القوميّ العربيّ بإيجابيّاته الكثيرة وسلبيّاته، بنجاحاته واخفاقاته، وسلعد على ذلك تعليم الشباب الجامعي في اغلب تخصصاته وجامعاته مادّة عنيت بالجغرافيا السياسية والاقتصادية والمعرفية للوطن العربي منم محيطه الى خليجه.. أمّا الجيل الحالي فإنه بعيد كل البعد عن دراسة هذه المادّة موضوعيّا وعلميّا، فضلاً عن أنّه يعيش اللحظة الراهنة من خلال إغراقه بسيل من المعلومات والأخبار التي يبثها الإعلام بمختلف وسائله وعبر وسائل التواصل الإجتماعي، دون أن يدري ابناء هذا الجيل أن وكالات الأنباء الأساسيّة في العالم التي توزع المعلومات والأخبار الأساسية على مدار الساعة هب وكالات مملوكة من قبل كارتيل إعلامي وسياسي واقتصادي مرتبط بالصهيونيّة والاستعمار. وبالتالي فإن جُلّ ما يُقدّم الى الإنسان بعامّة، والى الإنسان العربيّ بخاصة، انما يأتي في اطار خدمة اهداف ومخطّطات القائمين على هذا الإعلام.

ويكفي ان نشير الى انه بعد احداث 11 ايلول 2001، استعرضت مساعدة وزير الخارجيّة الأميركي للشؤون التعليميّة والثقافيّة السيدة باتريشيا هاريسون، أمام لجنة الشؤون الدوليّة في مجلس النوّاب الأميركي، الجهود الديبلوماسيّة لسياسات الإختراق الثقافي في العالمين العربي والإسلامي. وقد جاء على لسان السيدة هاريسون أن الإستراتيجية تقوم على اساس التفاعل مع الجماهير الأجنبيّة لتعزيزتفهم هذه الجماهير للقيم والسياسات والمبادرات الأميركيّة، وتضيف لقد تمّ تعديل وجهة التمويلات بهدف الوصول الى النُخب ، لاسيّما المؤثّرين على الشباب، ابتداء من وزراء التربية الى المعلّمين الى رجال الدين. وتضيف السيدة هاريسون: إن مواد مكتب برامج الإعلام الخارجي المنشورة باللغة العربيّة تستخدمها السفارات الأميركية وتزّود بها الصحف والأكاديميّين والسياسيّين والإقتصاديّين،… وهناك اكثر من 140 زاوية أميركيّة تعمل ضمن برنامج “اميركان كورنر” في الجامعات او المكتبات تزّود الباحث بمعلومات عن الحياة في أميركا  وحول الحكومة الأميركيّة (1).

ولو بحثنا عمن يعدّ مناهج التعليم حديثاً في بلداننا العربيّة، لوجدنا بصمات البنك الدولي في غالبة . وقد جاءت نتائج هذه المناهج مخيّبة للآمال على مستوى جودة التعليم ومخرجاته في بُعديه الأدبي والعلمي. لقد قُيّض لي وانا استعدّ لكتابة هذا البحث المختصر ان اشارك في بحث آخر مع اخصائيين حول الواقع التعليمي في بعض الدول العربية الغنيّة، التي تَصرف على التربية والتعليم فيها ما يوازي ما تصرفه الدول المتقدمة، إلا أنها تحلّ في مراتب جد متأخرّة في السلّم التعليمي العالمي. وما ذلك الا بسبب المنهج التعليمي المُعتمد، مضافا اليه تسفيه مهنة التعليم، وتعظيم استقلاليّة الناشئة وشيوع وسائل التواصل الإجتماعي بغير ضوابط، والسقوط في براثن التعصّب والتطرّف أو في براثن الإستهتار واللامبالاة .

يشيرمدير مركز الحوار العربي في واشنطن الأستاذ صبحي غندور الى جزء مهم مما يجب ان يكون عليه المنهج التعليمي  لطلاب الإعلام فيقول :” يتعلّم طلبة كليّة الإعلام والصحافة في العالم أن الخبر الصحفي الجيّد او القصّة الإخباريّة السليمة بحاجة للإجابة على اسئلة:” من، متى، أين ، ماذا، ولماذا” ، فتكون الإجابات على هذه الاسئلة هي مصدر المعرفة الصحيحة ومعيار الأداء الإعلامي الجيد. لكن سؤال لماذا له اهميّة خاصّة ليس فقط في العمل الإعلامي بل ايضا في الحياة اليوميّة للناس وتحديداً في تربية الجيل الجديد” (2).

ومن خلال عملي الطويل في مجال التربية والتعليم أدرك تماما ان “الحشريّة العلمية” وحب الإستطلاع والتدقيق في المعلومات الحديثة والموروثة والتحقق منها وفيها، لا يكون بدون سؤال لماذا. وللأسف فإن أغلب مناهجنا التعليميّة هي تلقينيّة تقوم على القبول بما هو موروث، او بما هو مدّون،كما هو واعتباره من المسلّمات او من الحقائق المطلقة التي لا تقبل النقاش ولا حتى مجرد الشك او التساؤل، لا سيما تلك التي تتعلق بتاريخنا فتكون النتيجة ما قاله الدكتور ساسين عساف :” خطؤنا اننا لم نقرأ تاريخنا، بل قرأناه بعد ان قرأوه لنا، فنشأنا على عداوة له او قطيعة”(3).

أما الدكتور والشاعر والأديب الهندي محمد إقبال فيذهب أبعد من ذلك بكثير حول أهميّة وخطورة مضمون المنهج التعليمي فيقول: ( إيّـاك أن تكـون آمنـًا علـى العلـم الـذي تدرسـه، فإنـه يسـتطيع أن يقتـل روح أمـّة بأسـرها… إن التعلـيم هـو الحـامض الـذي يُـهذّب شخصـيّة الكـائن الحـي ثـم ُيكونّهـا كمـا يشـاء. إن هـذا الحـامض هـو أشـدّ قـوّة وتــأثيراً مــن أي مــادة كيميائيـّـة ، وهــو الــذي يســتطيع أن یحــوّل جــبلًا شــامخاً إلــى كومــة تراب ).(4)

وللأسف فإن وطننا العربي لا يُعاني فقط من سيئّات المناهج التعليمية المعتمدة ، بل انه يعاني من  هجرة الأدمغة العربية المميزة، بسبب عجز الأنظمة عن استيعابها والإستفادة منها في التنمية والبناء، ومن لم يهاجر من العلماء قضى قتلاً على يد المحتل أو مسجوناً في ظلمات المعتقلات، او عاش منعزلاً،  لأن السلاطين يفضلّون جهالة الأتباع على نصائح العلماء.

ان ارتباط التجديد الحضاري بمسألة العلم ليست اكتشافاً جديدا، فلطالما كتب المفكرّون مُحلّلين ومُفسرّين وناصحين، لكن المعضلة تكمن في عزلة أصحاب القرار السياسي عن إنتاج اهل العلم والفكر والمعرفة.

يقول الفيلسوف العربيّ مالك بن نبي أن (مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها) (5)، ويقول الدكتور محمد عابد الجابري ان ” أزمة الإبداع في الفكر العربي المعاصر، هي ازمة بنيوّية…. انها ازمة ثقافة ارتبطت منذ بداية تشكّلها بالسياسة، فكانت السياسة فيها، لا العلم، هي العنصر المحرِّك، مما جعلها تخضع باستمرار لتقلّبات السياسة وتتأثر بنجاحها وإخفاقها وتنحطّ بانحطاطها” (6).

فيما يذهب الطيب برغوت الى الجزم ”ان الجماعات البشرية كلها مسكونة بتحقيق نهضتها الحضارية، بل هي مجبرة على ذلك لارتباط حاجات حياتها ووجودها الحضاري بها، وكل ذلك مشروط بامتلاك الوعي الحضاري وارادة النهضة الحضارية وامكانات النهضة الحضارية”(7).

ويؤكد آخرون أن “مفهوم الحضارة وثيق الصلة بحركة المجتمع وفاعلية أفراده، سواء في إقلاعه في أجواء الرقي والازدهار، أو في هبوطه وتراجعه، ومن أجل ذلك ينبغي أن يتوفر فهم واع وفقه حضاري لكل من يتطلع إلى إعادة الأمة لمجدها الحضاري، ويحقق لها ازدهارها المنشود.”(8)

ونحن كقوى شعبيّة عروبية نمتلك إرادة النهضة الحضاريّة ، وندرك أن لدى الأمّة امكانات كبيرة لهذه النهضة، لكننا نفتقر الى الوعي الحضاري الشامل وإلى الإرادة العربيّة الرسميّة التي تملك مفاتيح القرار السياسي والمالي والاقتصادي والتربوي والتعليمي للإستفادة من الإمكانات البشرية العربية او لتوظيفها في المواقع الصحيحة والمناسبة.

عليه، وكي لا نبقى في موقع الشكوى ورمي الأسباب على الآخرين ،ولأن وطننا العربي يعيش في واحدة من اسوأ مرحله الحضارية في التعليم، ولأن التطوير الذي نشهده يغرق في المظاهر العمرانية والفنيّة والشكلانية على حساب الجوهر، ولأن اغلب المحاولات التجديديّة تأتي في سياق تقليد الحضارة الغربية ومعاييرها التنافسية التي لا تنسجم بالضرورة مع هويتنا ولا مع حاجاتنا، ولأن الأمم التي انطلقت في نهضتها التجديديّة كالصين واليابان وسنغافورة انطلقت من ميدان التعليم تحديدا بالإعتماد على الخصائص الوطنية لهذه الدول والأمم ، فإنني ارى ضرورة إيلاء قضايا التعليم اهتماماً اكبر، وان نضغط  جميعا لإصلاح المناهج  التعليمية ونسعى جاهدين للإبقاء على الأدمغة العربية المميزة في أوطاننا، وأن نوفّر لها مستلزمات البحث العلمي والتطوير بما لا يقل عن 3% من الناتج القومي، وان نجتهد في تقديم الإستراتيجيات المطلوبة لتطوير التعليم في وطننا العربي انطلاقا من الأسس التالية:

انتقال النظم التعليمية من مرحلة نقل المعرفة الى مرحلة انتاج المعرفة، وغرس مبدأ التعلم المستمر عند المتعلم وبناء الحس النقدي عنده ، ودفعه الى الإبتكار والإبداع. ولا ينبغي ان يخدعنا ارتفاع نسبة الملتحقين بالتعليم لأن ذلك لا يعني بالضرورة تحسين جودة التعليم. فقد يكون الإهتمام بالكميّة بديلاً عن الاهتمام بالنوعيّة. اننا نتذكر جميعا الصورة الكاريكاتوريّة المعبِّرة التي جسدّتها مسرحيّة مدرسة المشاغبين قبل نصف قرن، فالطلاب عصابة والمعلّم متخلّف والمدير غبيّ وانتهازيّ.

بناء مهارات الإنسان العربي بما يتواءم ومنطلقات المشروع النهضوي العربي وغاياته. يقول الدكتور عبد العزيز الحر بأن” مشكلة التعليم تتمثل في اللاهُويّة ، واللارؤية، واللااستراتيجيّة، واللاتحدّي” (9) فإلى متى يبقى الضياع سيد الموقف في الأمّة؟، والى متى تبقى المشاريع الإقليميّة والدولية هي الغالبة والسائدة ونبقى نحن المتفرجون والمقلِّدون والناقمون على تقدّم الآخر فيما نحن نتراجع ونتقهقر؟. إن إعادة تعليم مادّة  تعنى بالجغرافيا السياسية والاقتصادية والمعرفية للمجتمع العربي اكثر من ضرورة كي يعرف الجيل الجديد مكامن القوة والضعف، وكي يدرك ان التكامل بين الوطنيّات العربيّة يوفّر على سبيل المثال لا الحصر: الأمن الغذائي لنا جميعا. فهل يعقل ان نستورد بما يزيد على 80 مليار دولار سنويا مودا غذائية فيما السودان وحده يكفي لسد الحاجات الغذائية لكل ابناء الوطن العربي؟. هل يعقل ان تكون مصارفنا ومصارف الدول الغربية مليئة بأموالنا العربية وتكون نسبة الفقر في اقطارنا مرتفعة الى هذه الدرجة؟ هل يعقل ان نستمر عاجزين عن توفير فُرص العمل لشبابنا العربي فيما مدننا وقرانا ودساكرنا تكتظ بالعمالة الأجنبية؟.

تعزيز تعليم اللغة العربيّة واعتماد تعليم جميع المواد العلميّة بهذه اللغة. فقد اثبتت الدراسات ان المتعلّم يُتقن العلوم أكثر إنْ تعلّمها بلغته الأم. وهذا ما يظهر جليّا في البلدان التي نهضت من كبوتها وجدّدت حضارتها، فلا الصينيّون الذين ينافسون الولايات  المتحدة الأميركيّة على الصدارة اقتصاديّا وتجاريّا وعلميّا تعلّموا العلوم باللغة الانكليزيّة، ولا ايضا النمور الآسيويّة تعلموا العلوم باللغة الانكليزية، بل تعلّموها بلغتهم الأم. دون ان يعني ذلك تخلّينا عن اتقان اللغات الأجنبيّة باعتبارها لغات تمكين اما لغتنا العربيّة بالنسبة لنا فهي لغة تكوين.

ختاما نقول: لا يتحضَّر شعب إلاَّ إذا امتلك وعيًا حضاريًّا يُميِّز بيْن البناء والتكديس، وبيْن الإنتاج والاستهلاك. ان المال يتيح لنا استيراد المنتجات لاستهلاكها، لكن المعرفة تتيح لنا انتاج ما نحتاج الى استهلاكه.

ان  امتلاك المنتجات المستوردة لا تعني امتلاك الحضارة.

 

 

 

* كتاب خبايا مكشوفة ص 131 وص 132 للباحث، صادر عن المركز الوطني للدراسات 2018).

* صحيفة البيان الإماراتية 2 /5/2019 (مركز الحوار العربي – واشنطن.)

* الدكتور ساسين عساف، كتاب المشروع النهضوي العربي- رؤية وحدويّة ص 11).

* حكم نت : اقوال محمد إقبال/ 13 اقتباس من كلام محمد اقبال

* مالك بن نبي: شروط النهضة . ابراهيم رضا: مالك بن نبي وفلسفة الحضارة الإسلامية الحديثة، موقع الإسلام.

* مركز دراسات الوحدة العربية/ / الدكتور محمد عابد الجابري/ اشكاليات الفكر العربي المعاصر ص.61

* النهضة الحضارية ومركزية شرط الوعي الحضاري فيها / الجزء الأول./ موقع السننية/ اخبار السننية.

* معالم مدرسة التجديد الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر – مالك بن نبي نموذجا ( الجزء الأول)/ دار الفكر.

* واقع التعليم في العالم العربي/ د.عبد العزيز الحر استاذ المناهج في جامعة قطر.. موقع برق/ الإصدارات.

 

* عضو الأمانة العامّة للمؤتمر القومي العربي – امين العلاقات الخارجية في اتحاد الكتاب اللبنانيين – مدير المركز الوطني للدراسات

* ورقة مقدمة الى الدورة 30 للمؤتمر القومي العربي

Laisser un commentaire