الخميس , أكتوبر 17 2019
الرئيسية / أخر المستجدات / الانقلاب على الشرعية اللغوية

الانقلاب على الشرعية اللغوية

إبداء الإعجاب
د.عبد العالي الودغيري/
أربعون سنة متواصلة من تجربة تعريب المواد العلمية بالمغرب، من حساب وهندسة وجبر وعلوم طبيعية وفيزيائية وكيميائية، ألقوا برمادها بَحرًا في لحظة شُرود وغَفلة من الوعي والرُّشد، انتصرَ فيها الضَّعف البشري على جَبَروت العقل الذي تحوَّل إلى خاضِعٍ ذليل أمام أهواء النفس الأمّارة بالسوء، وزاغَ فيها البَصَرُ عن طريق الحكمة والبصيرة، فصار كلُّ ما حقّقناه وكأنه مجردُ خِلسة من الدهر وصفحةٍ من التاريخ سرعان ما طُوِيت.
هذه التجربة التي دامت أربعة عقود، أي لمدة جيلٍ كامل، اكتسبت فيها العربية ثروةً هائلة من المصطلحات والألفاظ، كان يمكن استثمارُها بالاستمرار في إغنائها وتطويرها وتنميتها والبناء عليها في تجربة أخرى وهي تعريبِ التعليم العالي خطوةً خطوةً؛ فالمصطلح العلمي الذي يكتسبُه المتعلِّم في المرحلة الثانوية هو نفسُه الذي يستمرُّ استعمالُه في المراحل التابعة، مع ما يُضاف إليه من ألفاظ جديدة يظل طالبُ العلم يكتسبها مرحلة بعد مرحلة. وتكوينُ أساتذة مدرَّبين على تدريس العلوم في المراحل الثانوية كان ينبغي استثمارُه أيضًا في التحضير لتدريب أساتذة الجامعات على المضي على الخط المستقيم نفسه، فهم في النهاية حاصلون جميعًا على بكالوريا علمية معرَّبة، وانخراطُهم في تعريب التعليم العالي كان سيبدو سهلَ المَرام عليهم، لو كان الله قد رزَقنا عقولاً وطنية مخلصة تُحسن التدبير والتفكير في مصلحة البلاد والعباد قبل المصالح الشخصية.
هذه التجربة الثمينة التي أخرجت جيلاً كاملًا من خيرة الأطباء والمهندسين والباحثين وأساتذة الجامعات والأطر العليا والمتوسِّطة في كل المجالات، نفَعوا البلاد وساحُوا في كل أنحاء العالَم، نراها اليوم تُوأَد أمام أعينا وتُوارَى التُّراب، إرضاءً لفئة قليلة من المحسوبين على حزب فرنسا وأتباعهم من المُستحوِذين على الاقتصاد المغربي والمُتحكميِّن في توجيه سياساته، ودعاة العِرقية الضيِّقة والغَوغاء من الجُهّال والمُغفَّلين، ولوبيات التعليم الخصوصي التي تَغتني بما تسلبُه من جيوب الآباء والأُمّهات بدعوى تأمين مستقبل أبنائهم.
هذه التجربة التي طالما كافح الأجداد والآباء من أجل الوصول إليها، وكانت بمثابة الخطوة الصحيحة نحو تحقيق الاستقلال الثقافي واللغوي والتخلُّص من التبَعية بكل أشكالها، جاء اليوم جيلٌ من المتنكِّرين لكفاح آبائهم وأجدادهم، فأشعلوا فيها النار وألقوا برمادها في البحر.
في لحظة من الضَّعف الحضاري العربي والإسلامي الذي شاء الله لنا أن نعيش أسوأ حلقاته، تمَّت هذه الرِّدّة الماكِرة، ودُبِّر هذا الانقلابُ الأسودُ على الشرعية اللغوية، ونُفِّذ على أيدي أشخاص، كنا ـ ويا للأسف ـ نحسبهم إلى وقت قريب من العُدَّة التي ادَّخَرَتها الأمةُ لوقت الشدة، فإذا بهم من العُصبة التي خرَقَت السفينة وتآمَرَت مع القراصنة على اختطافها والسَّطو على كل ما فيها.
فحسبُنا الله ونعم الوكيل.

اترك تعليقاً