الأربعاء , مارس 20 2019

الأزمة

إبداء الإعجاب

تتضح يوما عن يوم معالم ومؤشرات الأزمة السياسية العميقة التي يعرفها المغرب والتي تراكمت مسبباتها وعواملها على مدى عقود من الزمن بسبب القتل المتعمد والمتواصل لنبل ونزاهة العمل السياسي الذي يعني الاجتهاد والتفاني في خدمة المصالح العليا للوطن حتى أصبحت الأزمة عِبْئًا ثقيلا على الحياة العامة وتُسَبِّبُ المزيد من الأضرار الجسيمة للمشهد السياسي والحزبي وتقطع الطريق نحو كل أمل في تصحيح التوجه الخاطئ حيث تتسع بشكل مقلق ظاهرة تراجع الثقة في المؤسسات والأحزاب والعمل السياسي بوجه عام وما ينتج عن ذلك من فراغ يترك الباب مفتوحا أمام الانتهازيين والفاسدين وأصحاب المصالح الخاصة لقضاء أغراضهم الذاتية والاستجابة لنزوعاتهم الأنانية الضيقة والمتعارضة في مجملها مع الصالح العام دون محاسبة أو ردع.

وفي غياب أي تدابير جادة للتغيير يزداد اشتداد وطأة الأزمة واستفحال تداعياتها التي أصبح يتحدث عنها الجميع بمرارة واستياء، ويتم تشريح وانتقاد مظاهرها بشكل لاذع في الصحافة وفي مواقع التواصل الاجتماعي وحتى من طرف أعلى مستوى رسمي في الدولة، ولم يعد يتغاضى أو يتجاهل ما آل إليه الوضع المأزوم سوى حفنة قليلة من المستفيدين والفاسدين، وبالرغم من ذلك، يُلاحظ أن بعض العناصر التي أقحمتها الرداءة في عالم السياسة وأصبحت تتوهم نفسها في موقع “الزعامة” ما زالت تواصل التمثيل رغم انكشاف أسرار الخشبة الفاسدة وافتضاح مكامن اللعبة المفتعلة مما يجعل متابعة المشاهدة مجرد ضرب من العبث الذي يصعب تحمله.

وإذا كان “زعماء” الوهم ورموز اللعب “المخدوم” لم يدركوا بعد أو يتجاهلون عن قصد بأن الأدوار المسندة إليهم لم تعد تُغري أحدا بالمشاهدة أو الاهتمام وأن ما يقومون به أصبح مزعجا ومُقْرِفًا وأن أثره يكاد ينحصر في إشعال فتيل الاستياء والتذمر بين الناس، وإذا كانت سكرة الاستفادة من الوضع قد أعمت بصيرتهم وأبعدتهم عن إدراك خطورة العواقب فإن الأمور على ما هي عليه والاستمرار على نفس الطريق لا يمكن أن يؤدي إلا للباب الموصد.

واستمرار الصمت الرسمي تجاه الوضع المأزوم وانعدام أي بوادر لإيقاف التوجه الخاطئ وتصحيح المسار يجعل الأزمة تتفاقم وتستفحل أكثر وتنذر بأوخم العواقب، ولن يكون مرور الزمن كفيلا بمعالجتها أو الحد من وطأتها وآثارها السلبية والخطيرة؛ وبالتالي فقد أضحى من الضروري العمل على إيقاف مهزلة الكراكـيز السياسية التي لا طائل يُرجى من وجودها ولا فائدة من “عملها” كبديـل ضروري عن المزيد من التيه في نفق مظلم ولا مـخرج له.

والأزمة التي تجتازها البلاد بأبعادها السياسية والإدارية والأخلاقية لا يمكن معالجتها ببعض المسكنات أو بعمليات ترقيعية أو بإجراءات جزئية أو ظرفية وإنما لابد من تدابير جذرية وعميقة تبدأ بإزالة الأسباب التي يؤدي استمرارها إلى إفراز نفس النتائج، ولا يتحقق ذلك إلا بالقطع النهائي مع “ديمقراطية” الشكل التي عفا عليها الزمن ووضع حد لسياسة التحكم في المشهد الحزبي والسياسي، وإقرار دستور ديمقراطي يجعل الشعب سيد نفسه ومصيره من خلال مؤسسات تنبع من إرادته الحرة وتتجاوب مع رغباته الأساسية وتحقق طموحاته العميقة وتحظى بثقته ودعمه، وتمتلك الصلاحيات الكافية التي تمكنها من الابتكار واتخاذ المبادرات والقرارات، وتتيح لها ممارسة مهامها في إطار دولة المؤسسات وسيادة القانون، وتتحمل كامل المسؤولية عن البرامج التي تضعها وعن الأعمال التي تقوم بها والتي تبقى دائما خاضعة للمحاسبة والمساءلة.

وعلاج الأزمة السياسية بشكل جدي وعميق هو مفتاح الخروج من التخبط ووضع البلاد على سكة الإصلاحات الهيكلية التي تشمل كل الاختلالات التي تعرفها مختلف القطاعات الحيوية وتفتح الآفاق نحو التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والتنمية المتوازنة التي تتوزع ثمارها وخيراتها على الجميع وتضمن الكرامة الإنسانية لعموم الشعب المغربي، وبذلك يتحقق صمام الأمان الذي يحمي البلاد من أي منزلق ويُعيد الاطمئنان إلى النفوس ويضمن الاستقرار القائم على أرضية متينة ومحصنة في مواجهة أي عواصف قد تعرفها المنطقة.

اترك تعليقاً